في مثل هذا اليوم، الثاني من أبريل، تعود الذاكرة المصرية إلى واحد من أكثر الأحداث الروحية والإنسانية تأثيرًا في التاريخ، حين أضاءت السماء فوق حي الزيتون بالقاهرة بنور وصفه الآلاف بأنه "تجلي للسيدة العذراء"، في واقعة لم تقتصر على بعدها الديني فقط، بل تحولت إلى مشهد وطني وإنساني نادر جمع المصريين على اختلاف دياناتهم.
بدأت القصة مساء الثلاثاء 2 أبريل 1968، حين شاهد عدد من المارة، من بينهم عاملون بجراج هيئة النقل العام، فتاة تقف أعلى قبة كنيسة السيدة العذراء بشارع طومانباي، فظنوا في البداية أنها تحاول الانتحار، وتعالت الأصوات محذرة: "حاسبي يا ست!". لكن بعد لحظات قليلة، تغير المشهد بالكامل.
تحول الظلام إلى نور، وانبثق شعاع قوي من أعلى القبة، تشكل تدريجيًا في هيئة سيدة ترتدي ثيابًا بيضاء، تحيط بها هالة من الضوء، لتبدأ واحدة من أكثر الظواهر إثارة للجدل والإيمان فى آن واحد.
من مشهد عابر إلى حدث عالمي
لم تمر ساعات حتى انتشر الخبر في القاهرة، ثم في مختلف أنحاء الجمهورية، ليتحول المكان إلى نقطة تجمع لآلاف المواطنين، الذين توافدوا لمشاهدة ما يحدث فوق قباب الكنيسة.
وبحسب شهادات موثقة، فقد استمر ظهور السيدة العذراء في ليالٍ متتالية، وبأشكال متعددة، فكانت تظهر أحيانًا بجسد كامل، وأحيانًا بنصفها العلوي، بينما تحيط بها أنوار متلألئة، وتتحرك فوق القباب في هدوء، وتنحني أمام الصليب، في مشهد وصفه الشهود بأنه "يفوق الوصف".
ووصلت مدة الظهور في بعض الليالي إلى أكثر من ساعتين، كما حدث في فجر 30 أبريل 1968، حين استمر التجلي من الساعة الثانية و45 دقيقة حتى الخامسة صباحًا.
شهادات متطابقة من آلاف الشهود
ما منح الحدث طابعًا استثنائيًا، هو اتفاق أعداد ضخمة من الشهود، من مختلف الأديان والفئات، على وصف واحد تقريبًا للمشهد، من حيث الشكل والمكان والتوقيت.
وقال أحد الشهود، وهو سائق بهيئة النقل العام، إنه رأى سيدة ترتدي الأبيض تقف فوق القبة، ثم تحولت إلى هيئة نورانية، بينما أكد آخر أنه شاهدها "جسمًا من نور يضيء كالشمس"، وتمسك بما يشبه غصن الزيتون.
أما مدرب سائقي النقل العام، فأشار إلى أنه رأى السيدة تتحرك فوق القبة الملساء في هدوء، وجسدها "شعلة من نور"، وهو ما تكرر في شهادات عديدة وثّقتها الصحف آنذاك.
الكنيسة تعلن الحدث
أمام هذا الحدث غير المسبوق، أمر البابا كيرلس السادس بتشكيل لجنة رسمية للتحقق من حقيقة ما يحدث، برئاسة الأنبا غريغوريوس، حيث قامت اللجنة بمعاينة الموقع، والاستماع إلى الشهود، وتوثيق الوقائع.
وبعد التأكد من صحة الشهادات، أصدر المقر البابوي بيانًا رسميًا في 4 مايو 1968، أكد فيه استمرار ظهور السيدة العذراء "بأشكال واضحة ثابتة في ليالٍ كثيرة"، ولفترات متفاوتة، مشيرًا إلى أن هذه الظاهرة لا تحتاج إلى مزيد من التأكيد، في ظل الإجماع الواسع حولها.
لم يكن ظهور العذراء في الزيتون حدثًا محليًا فقط، بل حظي باهتمام عالمي واسع، حيث تناقلت وكالات الأنباء الدولية الخبر، وأرسلت قنوات تلفزيونية فرقًا لتوثيقه.
كما زار مسؤولون موقع الحدث لتنظيم تدفق الزوار، في ظل توافد أعداد كبيرة من المصريين والأجانب، الذين جاءوا لمشاهدة الظاهرة بأنفسهم.
واللافت أن الشهادات لم تقتصر على المسيحيين، بل شملت مسلمين وأجانب، ما أضفى على الحدث بعدًا إنسانيًا جامعًا، يتجاوز حدود الانتماء الديني.
تأثيرات روحية وإنسانية
بحسب البيان البابوي، لم يكن الظهور مجرد مشهد بصري، بل صاحبه "انتعاش في روح الإيمان"، وعودة الكثيرين إلى الالتزام الديني، إلى جانب ما وُصف بحدوث "آيات شفاء" لعدد من المرضى، تم توثيقها بشهادات متعددة.

البيان البابوى
وأشار البيان إلى أن هذه الظاهرة ساهمت في تعزيز قيم التوبة، والمحبة، والتقارب بين الناس، في وقت كانت فيه مصر تمر بظروف دقيقة.
الزيتون رمز للسلام
بعد مرور عقود، لا تزال واقعة ظهور العذراء في الزيتون حاضرة في وجدان المصريين، باعتبارها واحدة من أبرز اللحظات التي تجلت فيها وحدة المجتمع، حيث وقف الجميع، بمختلف انتماءاتهم، أمام مشهد واحد، يتأملونه بنفس الدهشة والانبهار.