الفيلم السعودي "ربشة" يأت بوصفه مغامرة أولى لافتة، تأليفا وإخراجا وإنتاجا للمخرج محمد مكي، فهو فيلمه الروائي الطويل الأول بعد ثلاثة أجزاء من مسلسل "تكي" (2012، 2015، 2021)، الذي يُعد من أوائل الأعمال الرقمية السعودية التي راهنت على المنصات الإلكترونية قبل ازدهارها الواسع، وأسهم في تشكيل وعي بصري لدى جيل جديد من المشاهدين، وكذلك مسلسله الأخر "التدوينةالأخيرة" في العام (2018)، وفيلمه القصير "أبدي" (2016) وهو ما يكشف مسارًا تراكميًا في تجربة المخرج بين الوسائط المختلفة، من الويب إلى التلفزيون فالسينما.
مغامرة لا تكتفي فقط بإعلان حضورها ضمن سياق السينماالسعودية الصاعدة التي شهدت تحولات نوعية منذ إعادة افتتاح دور العرض عام 2018، ما أتاح بروز موجة جديدة من صناع الأفلام، بل تحاول أن تعيد صياغة العلاقة بين الشكل والمضمون داخل تجربة محدودة الإمكانيات، لكنها واعية بطموحها، وهو وعي مبكر يعكس إدراكًا بأن محدودية الموارد قد تتحول إلى محفّز جمالي لا عائق إنتاجي، كما في تقاليد سينما المؤلف التي تراهن على الابتكار بدل الميزانيات الضخمة، إذ يشتغل الفيلم على بنية درامية بسيطة ظاهريًا، تنحصر في زمان ومكان واحدين، ليلة واحدة داخل منزل زوجين في جدة، المدينة التي تشكل فضاءً ثقافيًا متنوعًا داخل السعودية، بما تحمله من انفتاح اجتماعي وتاريخي، هذا الاختزال المكاني يضع العمل ضمن تقاليد "سينما المكان الواحد"، هذه السينما التي نجد نماذج عالمية لها في أفلام تعتمد على الحيز المغلق بوصفه مولدًا للتوتر، فإنها تعتمد على التوتر النفسي أكثر من الحركة، غير أن هذا التحديد الصارم يتحول تدريجيًا إلى أداة ضغط درامي تكشف التصدعات الخفية في العلاقات الإنسانية، حيث تبدأ الحكاية بحدث يبدو عابرًا، وصول امرأة فاقدة الوعي إلى منزل الزوجين الذي بدا في مستهل الفيلم ساكنا بالمحبة والاستقرار، وهو تمهيد يقوم على خلق وهم الطمأنينة قبل زعزعته، ثم يتضخم هذا الحدث ليصبح بؤرة تفجير سردي تتوالد منها الأسئلة: لماذا الخوف من مساعدة هذه المرأة رغم أن الذي أحضرها صديق قديم ورغم أن الزوج طبيب؟
سؤال يلامس قبل الصداقة وأي شيء البعد الأخلاقي للمهنة وحدودها.. ما الذي تخفيه هذه العلاقة الزوجية التي تبدو مستقرة؟.. هنا يشتغل الفيلم على ثنائية الظاهر/الباطن بوصفها محركًا دلاليًا لا مجرد عنصر تشويقي، وهي ثنائية مركزية في الدراما النفسية التي تكشف الفجوة بين الصورة الاجتماعية والحقيقة الداخلية، هنا أيضا ينجح الفيلم في توظيف الصدفة ليس ككسل كتابي بل كآلية تفجير، كما في بعض تقاليد السينما الحديثة التي تعيد الاعتبار لدور المصادفة بوصفها عنصرًا بنيويًا، حيث تأتي المصادفات محسوبة وتخدم تصاعد التوتر بدلا من أن تقوض مصداقيته، وهو ما يشير إلى وعي بالبناء السببي حتى داخل منطق الصدفة، إنه اختيار ذكي يعكس إدراكًا مبكرًا بأدوات السرد السينمائي.
اللافت أن الفيلم لا يسقط في فخ التضخم الموضوعي الذي تعاني منه بعض التجارب الأولى، حيث يميل بعض المخرجين إلى حشد أفكار متعددة على حساب التماسك، بل يركز على فكرة واحدةويستثمرها حتى أقصى حدودها، رهان على الكثافة بدل التشتت، مكتفيًا بتشريح العلاقات الزوجية وما يحيط بها من أقنعة اجتماعية، وهي ثيمة تتقاطع مع تحولات المجتمع المعاصر وضغوطه القيمية، في مقاربة تلامس نقد البنية القيمية أكثر من الحكاية ذاتها، ما يمنح العمل تماسكًا ملحوظًا رغم محدودية خطه الدرامي، فكل شخصية في الفيلم، من الزوج والزوجة إلى الحماة والضيف الغامض، بوصفه عنصر اقتحام يخلخل التوازن الدرامي، تحظى بمساحة درامية واضحة تسهم في بناء النسيج العام، دون تكدس أو بعثرة وإلهاء للذهن والانتباه، بما يعكس تركيزًا في توزيع المعلومات الدرامية، وفي هذا السياق تتجلى إحدى أهم نقاط قوة الفيلم: البناء السردي الذي يراكم التوتر عوضا عن تبديده، عبر تصعيد تدريجي قائم على كشف المعلومات لا حجبها فقط، حيث يصبح كل تفصيل جزءًا من شبكة ضغط متصاعدة.
وإن تسارع الإيقاع بشكل مفاجئ، كأن ثمة رهان على عنصر المفاجأة، أظنه خيارا يرتبط أحيانًا بمحاولة ترك أثر صادم لدى المتلقي، ما يجعل النهاية تبدو قفزة لصالح الصدمة، على أية حال فإن محمد مكي انتهج هذا أسلوبا يغامر من خلاله بمزج الإثارة النفسية مع الكوميديا السوداء، مزج يتطلب حساسية دقيقة في التحكم بالنبرة، وهو انتقاء ليس شائعًا في السينما السعودية، لكنه هنا يُستخدم بذكاء نسبي، لأنه لا يفصل بين النبرة الساخرة والبنية التراجيدية بل يجعلهما متداخلتين، حيث تتسلل السخرية من قلب التوتر، لا لتخفيفه بل لتعميقه، بوصفها أداة كشف لا تنفيس، كما في تقاليد الكوميديا السوداء التي تفضح الواقع بدل التخفيف منه، كاشفة هشاشة الشخصيات وتناقضاتها، ومع أن هذا المزج لا يبلغ دائمًا ذروته المتوقعة، إلا أنه يفتح أفقًا جماليًا جديدًا للتجارب المحلية، خصوصًا حين يقترن بإخراج يتسم بالسلاسة والانضباط، بعيدًا عن الاستعراض أو التكلف، ما يعكس ثقة في المادة الدرامية نفسها، ويعزز من صدقية العالم الدرامي. أما على مستوى الأداء، فيبرز حضور نجلاء العبدالله وعزيز غرباوي بوصفه نقطة ارتكاز أساسية، حيث يقدمان شخصيات مركبة نفسيًا وقريبة من الواقع، تعتمد على التعبير الداخلي أكثر من الانفعال الظاهر، أسلوب أداء يتطلب قدرة على إيصال الانفعالات الدقيقة.
ضمن سياق الإنتاج، يكتسب الفيلم أهمية إضافية كونه عملًا مستقلًا نُفذ بشراكة بين شركات محلية في سياق يشهد تنامي الإنتاجات المستقلة في المنطقة العربية، ما يجعله نموذجًا لإنتاج بديل خارج المنظومات الكبرى، وما يَدعم ويُرسّخ من قيمته كخطوة ضمن مسار تشكل صناعة سينمائية تبحث عن صوتها الخاص وتحاول تعريف هويتها بعيدًا عن القوالب المستوردة، في ظل توازن صعب بين التأثر بالنماذج العالمية والحفاظ على الخصوصية المحلية، لعل هذا يفسر أيضًا وبشكل ما حضوره المرتقب في المسابقة الرسمية لـمهرجان الداخلة السينمائي الدولي في المملكة المغربية خلال شهر يونيو المقبل، وهو مهرجان يهتم بالسينما ذات الطابع الإنساني والانفتاح الثقافي، حيث يبدو "ربشة" ممثلًا لجيل جديد من صناع الأفلام الذين يفضلون الحكاية المركزة عن الاستعراض، والتجريب المحسوب على التكرار الآمن، بما يعكس تحولًا في ذائقة الجمهور أيضًا، أي البحث عن مخاطرة محسوبة بدل إعادة إنتاج الصيغ الجاهزة.
عند هذه النقطة فإن الفيلم يقدم وعدًا حقيقيًا، وعد بمخرج يدرك حدوده كما يدرك إمكانياته، وهي معادلة نادرة في التجارب الأولى، كما سبق أن أشرت، ويختار أن يبني مشروعه خطوة بخطوة، ما يجعله عملًا يمكن الاختلاف حوله بسهولة، لكنه يصعب تجاهله، لأنه يطرح أسئلة أكثر مما يقدم إجابات، وهي سمة أساسية للأعمال التي تراهن على التفكير لا التلقين، وهي مغامرة ضرورية لأي سينما أو تجربة في طور التشكل.