صلاح جاهين:
حظيت بلقائه مرة واحدة، في نهايات السبعينيات، بشقته الواسعة التي تطل على شارع كبير بالمهندسين.. مع ابنه، صديقي الشاعر بهاء جاهين، وصديقين آخرين.. رحّب بنا بقدر ما يستطيع، باعتبارنا أصدقاء ابنه الحبيب.. وأنا جلست سعيدا ومتهيبا مع الجميع.. ولكني، لدقائق، حلّقت هنا وهناك: بحثت في المكان عما يفسّر أو يعبّر عن موهبته متعددة الجوانب، التي تفيض خارج الحدود، وعما يؤكد لي انطباعي الخاطف حول إحساسه بالأسى العميق، وراقبت ما يبدو من تأمله فينا وفي زمننا، ولعله كان تأملا موصولا بالتأسي على زمن لطيف وحافل سابق، غير بعيد.. وعدت من تحليقي إلى حيث كنت وحيث كنّا، ورأيت الوجوه من حولي.. وتأملت بالقرب من قدميّ الكلب الاسكندنافي الأسيان المستلقي.. [وكان التفسير لما يشعر به من أسى أنه كلب وحيد، وأنه أتى من بلاد باردة ليعيش في جو حار].. خرجت من شقة الموهوب الكبير، لأجد نفسي أسير في شوارع سوف أبحث في مشاهدها، ربما لزمن طويل تال، عن روح الموهبة الفياضة التي تفيض خارج الحدود..
علاء الديب:
كانت اللقاءات السريعة المتفرقة بيننا، عبر سنوات ممتدة، أشبه بتجهيز طويل للقاء طويل لم يتحقق أبدا.. تكلمنا عبر التليفون مرات كثيرة، وتصافحنا مرات ومرات في بعض المنتديات. لا أدري هل نجح، حقا، في قراءة ما كتبت عن رواياته في كتاب لي، [وكان ما كتبته مثالا على الأخطاء الطباعية الممنهجة..؛ إذ نجح من قام بـ"جمع الكتاب" في إبدال حرفين بحرفين ..عبارة "يسير فتحي نحو فعله" أصبحت "يسير لتحي نحو لعله"، كل فاء انقلبت لاما، وكذلك كل قاف انقلبت ميما: "الزقازيق" أصبحت "الزمازيم"]... لكن الأستاذ علاء، لتهذيبه، قال لي إنه نجح في قراءة ما كتبت.. وشكرني.
الصديقات المشتركات والأصدقاء المشتركون كنّ وكانوا ينقلون لي أخباره الصحية بانتظام.. وكنت أستعيض عن اللقاء المؤجل المرتقب بإعادة قراءة رواياته الجميلة التي لم تنل ما تستحق من عناية.. وكنت أيضا أتأسّى بالدور الكبير الذي قام وظل يقوم به خلال تقديمه الحفيّ لعدد كبير من الكتّاب والكاتبات من صاحبات وأصحاب المواهب.. فبجانب دوره ككاتب حقيقي، كان يقوم بدور نبيل آخر: اكتشاف الجواهر من بين الركام.. رحل ذات يوم.. وشعرت أن موعد لقاءنا المؤجل قد يطول قليلا.
عبد الحكيم قاسم:
أذكر لقاء جمعنا بعد عام 1987، بعد خوضه الانتخابات، وخسارته، وإصابته المرضية المفاجئة التي جعلت حركته ثقيلة.. كنت في "دار الثقافة الجديدة"، وقال لي: "ياحسين ..إنزل معايا.. خدني للأتيليه".. كانت المسافة لا تزيد عن مائتي أو ثلاثمائة متر.. اتكأ فيها على ذراعي، ومشينا ببطء، والوقت مرّ ببطء.. وكلّمني بشيء من الندم والأسى والمرارة عن حياة حافلة عاشها.. وأنا تكلمت، مشجّعا، عما أنجز من إبداع جميل.. عندما وصلنا للأتيليه قال لي عبارة مؤلمة: "كلماتك دي جات متأخرة".. وغادرنا بعد ذلك بحوالي سنتين..
شكري عياد:
عند دخولي الجامعة، أخذتني العزة بالنفس، و"العنجهية"، معا، متحالفتين.. فعقدت مع نفسي معاهدة فردية تنص على ألا أذهب إلى أي محاضرة صباحية مبكرة [انتقاما من الصحيان المبكر المؤلم في مراحل التعليم السابقة].. ولذلك لم أحضر أي محاضرة للدكتور شكري عياد [وكانت محاضراته تبدأ من التاسعة صباحا].. والنتيجة أنني لم ألتق به أبدا حتى تخرجّي من الجامعة.. التقيته بعد ذلك في مكتبه، وسعدت به، وربما سعد هو بما تناقشنا فيه.. والآن، بعد عمر طويل، أنا نادم على أني وافقت على المعاهدة التي عقدتها مع نفسي في ذلك الزمن الذي كان من معالمه القرارات الحاسمة المندفعة..
محمد جبريل:
المرة الأولى التي التقيته فيها كانت تقريبا في منتصف التسعينيات من القرن الماضي، في مؤتمر عقد بالأقصر. وكنت ملازما لاثنين معا: هو وأستاذي الدكتور أحمد شمس الدين الحجاجي. أمضينا أوقاتا طويلة بين الجلسات وبعدها. حكى خلالها بالتفصيل عن "الترتيب الربّاني المذهل" الذي هو سلسلة من المصادفات الغريبة، عندما تعرض لأزمة صحية عاصفة، وكان يسير قريبا من إحدى المستشفيات.. وكتبت له حياة جديدة خلال عملية جراحية كبيرة بالقلب، تمّ التجهيز لها في دقائق معدودات... حدثني أيضا عن بعض تجاربه في الكتابة وحدثته عما قرأت له وصرنا قريبين إلى حد ما.
فيما بعد، وخلال ما يقرب من ثلاثة عقود، التقينا بندوات عن بعض أعماله شاركت فيها، وفي مناقشة رسالة جامعية عن بعض هذه الأعمال في كلية الألسن، وكنت أحد مناقشيها، لكن التقارب الأكبر بيننا كان خلال مكالمات مطولة.. تحدثنا كثيرا جدا عن عالم نجيب محفوظ، وعن بعض الكتابات المضيئة في التاريخ والتراث، وأحيانا عن الحياة الثقافية.. وغير مرة أومأ إلى عدد الدراسات النقدية والرسائل الأكاديمية الكبير عن كتاباته، وفي المقابل تجاهله من بعض زملاء الكتابة الذين أصبحوا يشغلون مناصب في الصحافة الثقافية: "أنا موش متضايق منهم.. لكن با وضّح لك الصورة العامة".. عبارة قالها بتنويعات عدة.. وكنت أواسيه بكلام متعثر عن "غيرة أبناء الكار الواحد".
كتب مقالات عديدة في "دورية نجيب محفوظ" الذي أحبّ أعماله وقدّرها كما أحببتها وقدّرتها، وكان مثالا للالتزام في تقديم كل مقالة قبل موعدها.
في السنتين الأخيرتين تابعت أخبار متاعبه الصحية، والتعذر المؤسف لسفره للعلاج بالخارج.. وكنت أحاول أن أواسيه أيضا، ولكنه كان يحوّل المواساة في وجهة أخرى ويتكلم "في المفيد"، وكان المفيد دائما مرتبطا بالإبداع والكتابة.
قبل شهور، حدثته وحدثني عن "ملتقى الإسكندرية الأول للسرد العربي"، وكانت الجلسة الأولى من هذا الملتقى مخصصة لأعماله، وقد كنت أحد المتحدثين فيها.. كلمته عما سوف أتحدث عنه، وقال لي إنه لن يستطيع للأسف الحضور بسبب حالته الصحية.. والحقيقة أنه، خلال الجلسة، كان له، رغم غيابه، حضور كبير..