تشهد أوروبا واحدة من أكثر مراحلها حساسية في ملف الطاقة منذ سنوات، مع تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، واستمرار التقلبات في أسواق النفط والغاز، ما دفع الاتحاد الأوروبي إلى دراسة سيناريوهات غير مسبوقة تشمل تقنين الوقود وتوسيع ساعات تداول الطاقة إلى 21 ساعة يوميًا، في محاولة للحد من اضطرابات السوق وضمان استقرار الإمدادات.
ويأتي هذا التطور في وقت تتزايد فيه المخاوف من نقص محتمل في إمدادات الغاز الطبيعي المسال (LNG)، بالتزامن مع ارتفاع الفاتورة الخفية للكهرباء في عدد من الدول الأوروبية، وعلى رأسها إسبانيا، حيث تشير تقارير إلى أن الضرائب والتدخلات الحكومية في آليات التسعير أصبحت من أبرز العوامل التي تضغط على المستهلك النهائي وترفع تكلفة الطاقة.
ويشهد قطاع الكهرباء في إسبانيا ارتفاعًا ملحوظًا فيما يُعرف بـالفاتورة الخفية، نتيجة زيادة الضرائب والرسوم غير المباشرة والتدخلات الحكومية في آليات التسعير. ويؤدي ذلك إلى ارتفاع التكلفة النهائية على المستهلكين، رغم استقرار نسبي في بعض مؤشرات الإنتاج.
قفزة فى أسعار الغاز فى وروبا
ورغم إعلان هدنة سياسية بين أطراف الصراع في الشرق الأوسط، فإن أسعار الغاز في أوروبا واصلت ارتفاعها خلال الأسابيع الأخيرة من أبريل 2026، حيث تجاوز مؤشر الغاز الأوروبي القياسي (TTF) مستوى 50 يورو لكل ميجاواط/ساعة، قبل أن يشهد تقلبات حادة نتيجة حالة عدم اليقين في الأسواق.
وسجلت الأسعار ارتفاعًا بأكثر من 6% في بداية التداولات، قبل أن تتراجع بشكل مؤقت بنحو 9.5% في جلسة واحدة، ما يعكس هشاشة السوق واعتمادها الكبير على أي إشارات سياسية أو عسكرية قد تؤثر على سلاسل الإمداد العالمية.
ومنذ اندلاع التوترات الجيوسياسية الأخيرة، قفزت أسعار الغاز في أوروبا بنحو 60%، بعدما اقتربت سابقًا من مستوى 60 يورو لكل ميجاواط/ساعة خلال شهر مارس، في ظل انخفاض حاد في مستويات التخزين التي لم تتجاوز 30% في بعض الدول، بعد شتاء قارس استنزف الاحتياطات الاستراتيجية.
وتواجه القارة الأوروبية تحديًا متزايدًا في ملف أمن الطاقة، خاصة مع اعتمادها المتزايد على الغاز الطبيعي المسال المستورد من خارج القارة. ويشير خبراء الطاقة إلى أن أي اضطراب في الإمدادات عبر الممرات الحيوية مثل مضيق هرمز قد يؤدي إلى أزمة أوسع، تدفع أوروبا إلى منافسة مباشرة مع الأسواق الآسيوية على الشحنات الفورية، كما حدث خلال أزمة الطاقة بين عامي 2021 و2023.
مضيق هرمز
ويُعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم، إذ يمر عبره نحو 20 مليون برميل من النفط يوميًا، إضافة إلى كميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال، ما يجعله نقطة حساسة للغاية في معادلة الطاقة العالمية. وأي اضطراب في هذا الممر ينعكس فورًا على الأسعار في الأسواق الأوروبية والعالمية.
وفي ظل هذه الضغوط، اضطر البنك المركزي الأوروبي إلى مراجعة توقعاته الاقتصادية، حيث رفع تقديرات التضخم لعام 2026 إلى 2.6%، في حين خفض توقعات النمو إلى 0.9% فقط، ما يثير مخاوف من دخول الاقتصاد الأوروبي في مرحلة ركود تضخمي تجمع بين ارتفاع الأسعار وضعف النمو.
تقنين استخدام الوقود
كما أظهرت بيانات حديثة تراجعًا في مستويات تخزين الغاز داخل الاتحاد الأوروبي، حيث انخفضت الاحتياطات إلى نحو 46 مليار متر مكعب بنهاية فبراير 2026، مقارنة بـ60 مليارًا في العام السابق و77 مليارًا في 2024، وهو ما يضع ضغوطًا إضافية على الحكومات الأوروبية مع اقتراب فصول استهلاك مرتفع للطاقة.
وتتزايد المخاوف داخل بروكسل من احتمال نقص في بعض المشتقات الحيوية مثل الديزل ووقود الطيران، وهي قطاعات تعتبر الأكثر تأثرًا في حال استمرار الأزمة. لذلك، بدأت المفوضية الأوروبية في دراسة خيارات متعددة، تشمل استخدام الاحتياطيات الاستراتيجية، وفرض قيود مؤقتة على استهلاك الوقود في حال تفاقم الوضع.
ضرورة التوصل لتنسيق لسياسات الطاقة
وفي السياق نفسه، دعت بروكسل الدول الأعضاء إلى تنسيق السياسات الطاقوية وتجنب القرارات الفردية التي قد تؤدي إلى زيادة الطلب أو اضطراب السوق الداخلية، مع التشجيع على استخدام بدائل مثل الوقود الحيوي والطاقة المتجددة لتخفيف الضغط على الإمدادات التقليدية.
ويرى محللون أن استمرار حالة عدم الاستقرار الجيوسياسي، حتى مع وجود هدنة جزئية، يعني أن أسواق الطاقة ستظل عرضة للتقلبات الحادة، وأن العودة إلى مستويات الأسعار الطبيعية قد تستغرق وقتًا طويلًا، خاصة في ظل التغيرات الهيكلية التي يشهدها سوق الطاقة العالمي.
ويحذر الخبراء من أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة قد يضع اقتصادات كبرى مثل ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا أمام تحديات اقتصادية صعبة، تشمل ارتفاع تكاليف الإنتاج، وتراجع القدرة التنافسية، وزيادة الضغوط الاجتماعية بسبب ارتفاع فواتير الكهرباء والوقود.
يرى الخبراء أن أوروبا أمام اختبار حقيقي لإدارة أزمة طاقة متعددة الأبعاد، تجمع بين الضغوط السياسية والاقتصادية والبيئية، في وقت يتطلب فيه الوضع حلولًا سريعة وفعالة لتجنب سيناريوهات أكثر تعقيدًا في المستقبل القريب.