تشهد مؤسسات الاتحاد الاوروبي في بروكسل، حالة من الجدل المتصاعد حول مستقبل السياسة الخارجية، في ظل ما يصفه دبلوماسيون ومراقبون بـ«الشلل المؤسسي» الناتج عن استمرار العمل بنظام الاجماع، الذي يمنح كل دولة عضو حق الفيتو ويؤدي إلى تعطيل العديد من القرارات الحيوية.
وبحسب تقرير نشره موقع «بوليتيكو»، فإن الخلافات داخل الاتحاد لم تعد مجرد تباين في وجهات النظر، بل تحولت إلى أزمة هيكلية تعرقل قدرة التكتل على اتخاذ قرارات حاسمة، سواء فيما يتعلق بدعم اوكرانيا، أو فرض عقوبات على روسيا، أو التعامل مع ملفات الشرق الأوسط.
تعثر متكرر وقرارات معلقة
تشير مصادر دبلوماسية أوروبية إلى أن الاتحاد الأوروبي، فشل خلال الفترة الماضية في تمرير قرارات مهمة، من بينها الموافقة على حزمة دعم مالية لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، إلى جانب فرض عقوبات على مستوطنين متطرفين في الضفة الغربية، وهي قرارات حظيت بدعم غالبية الدول الأعضاء، إلا أن اعتراض دولة واحدة فقط كان كفيلا بإيقافها.
هذا الجمود أثار مخاوف داخل العواصم الأوروبية من تراجع دور الاتحاد على الساحة الدولية، خاصة في ظل تسارع الأحداث الجيوسياسية حول العالم، سواء في الحرب الروسية الأوكرانية أو التصعيد في الشرق الأوسط، ما جعل بعض الدبلوماسيين يحذرون من«تهميش سياسي» للتكتل إذا استمر الوضع على ما هو عليه.
دعوات لإلغاء حق الفيتو
وتصاعدت الدعوات داخل الاتحاد لإعادة النظر في نظام اتخاذ القرار، حيث تقود كل من المانيا والسويد جهودًا واضحة للحد من استخدام حق النقض أو إلغائه بشكل كامل في ملفات السياسة الخارجية والأمن.
وقال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول إن الوقت قد حان لتغيير قواعد اللعبة داخل الاتحاد الأوروبي، مضيفًا أن الإجماع يبطئ اتخاذ القرار ويضعف قدرة الاتحاد على التحرك دوليا.
كما أكد أن التجارب الأخيرة، خاصة في ما يتعلق بالأزمة الأوكرانية وفرض العقوبات على روسيا، أظهرت بوضوح الحاجة إلى نظام أكثر مرونة يعتمد على التصويت بالأغلبية.
من جانبه، أشار رئيس الوزراء السويدي اولف كريسترسون إلى أن النقاش حول اعتماد نظام الأغلبية المؤهلة سيعود بقوة على طاولة القادة الأوروبيين خلال المرحلة المقبلة.
انقسام داخلي حول مستقبل النظام
ورغم تصاعد الدعوات للإصلاح، لا تزال بعض الدول متمسكة بنظام الإجماع، معتبرة أنه يحمي سيادتها الوطنية ويضمن عدم تهميش الدول الصغيرة داخل الاتحاد.
وفي هذا السياق، حذر رئيس الوزراء البلجيكي بارت دي ويفر من أن فتح نقاش واسع حول إلغاء الإجماع قد يؤدي إلى مزيد من التعقيد داخل المنظومة الأوروبية، بدلًا من حل المشكلات القائمة.
كما أشار دبلوماسيون إلى أن الخلاف لا يتعلق فقط بالقوانين، بل يمتد إلى تباين الرؤى السياسية بين الدول الأعضاء، خاصة في ظل اختلاف أولويات كل دولة في التعامل مع القضايا الدولية.
أزمة إدارة أم أزمة إرادة سياسية؟
ويرى عدد من النواب والخبراء أن المشكلة لا تكمن فقط في الهيكل المؤسسي، بل في غياب الإرادة السياسية الموحدة، حيث قال النائب الأوروبي ناتشو سانشيز أمور إن الاتحاد الأوروبي يواجه مشكلة حقيقية في اتخاذ القرار، وكل شهر يظهر ملف جديد يكشف حجم هذا القصور .
و يرى بعض الدبلوماسيين أن استمرار العمل بالإجماع سيجعل من الصعب على الاتحاد مواكبة التحديات العالمية المتسارعة، مؤكدين أن النظام الحالي لم يعد ملائمًا لمتطلبات المرحلة.
مقترحات لإصلاح جذري
تتزايد المقترحات داخل الأوساط الأوروبية لإعادة هيكلة السياسة الخارجية، من بينها تحويل منصب الممثل الأعلى للسياسة الخارجية إلى وزير خارجية بصلاحيات أوسع، بالإضافة إلى إنشاء مجلس أمني أوروبي يضم شركاء دوليين.
كما طرحت فكرة دمج جهاز العمل الخارجي الأوروبي داخل المفوضية الأوروبية لتسريع عملية صنع القرار، وهي المقترحات التي تحظى بدعم بعض مراكز الأبحاث، في مقابل تحفظات من مسؤولين داخل الجهاز نفسه.
مستقبل غامض فى السياسية الخارجية الأوروبية
وفي ظل استمرار الانقسام، تبقى السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي عالقة بين الرغبة في الإصلاح والتشبث بالثوابت، بينما يزداد الضغط مع كل أزمة جديدة تكشف حدود النظام الحالي.
ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى فقدان الاتحاد الأوروبي لدوره كفاعل رئيسي في السياسة الدولية، ما لم يتم التوصل إلى صيغة توازن بين الفاعلية واحترام سيادة الدول الأعضاء.