محمد أيمن

مصر ومعادلة الشرق الأوسط.. ثقل الدولة واستراتيجية الدور فى زمن الفوضى

السبت، 11 أبريل 2026 12:46 م


في قلب التحولات المتسارعة التي تعصف بالإقليم، تبرز مصر بوصفها أحد الثوابت النادرة في معادلة شرق أوسط تتنازعها مشاريع التفكيك وإعادة التشكيل. فالدولة التي تمتلك رصيدًا تاريخيًا ممتدًا من التأثير السياسي والدبلوماسي، لم تكن يومًا مجرد فاعل عابر، بل مثلت على الدوام مركز ارتكاز في إدارة التوازنات الإقليمية، استنادًا إلى خبرة تراكمية ومؤسسات دولة عميقة تدرك طبيعة الصراعات وحدود القوة.

منذ حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، رسّخت القاهرة دورها كقوة إقليمية ذات تأثير حاسم، بدءًا من مرحلة التحرر الوطني ودعم حركات الاستقلال، مرورًا بإدارة الصراع العربي–الإسرائيلي، وصولًا إلى إعادة ضبط موازين القوى عبر اتفاقيات السلام، بعد ما اثبتت مصر تفوقها العسكري على العدو التقليدي. ولم يكن هذا الدور وليد لحظة، بل نتاج رؤية استراتيجية أدركت مبكرًا أن النفوذ لا يُبنى فقط بالقوة العسكرية، بل بامتلاك أدوات التأثير السياسي، وفتح قنوات الاتصال، وصياغة حلول واقعية للأزمات.

وفي سياق متصل في توقيت حرج من عمر المنطقة، تؤكد التحركات المصرية أن القاهرة لا تمارس الوساطة بوصفها دورًا شكليًا، بل باعتبارها فاعلًا يمتلك القدرة على إعادة تشكيل مسارات الأزمات. فقد لعبت مصر أدوارًا متكررة في خفض التصعيد الإقليمي، بما في ذلك تقريب وجهات النظر عبر قنوات غير مباشرة بين قوى متنازعة، بل انه في حين كان العالم لا يعرف كيفية التواصل مع الحرس الثوري الإيراني؟ ظهرت مصر كالمارد الذي توصل لقنوات تواصل مع الجانب الإيراني، في إطار رؤية تستهدف احتواء الانفجار الشامل، حيث كان الرهان الإسرائيلي عدم التوصل لاي قيادة ومنع اي مفاوضات.

وهذا ليس بغريب عن مصر الدولة الأهم في الإقليم، صاحبة الريادة فهي دولة لها من الثقل يسمح لها بالتحرك ودائما مستعدة للتواصل، فالدولة المصرية لديها قنوات تواصل مع الجميع وموروث ثقافي وحضاري ومسارات متعددة لاستيعاب أي ازمة والتعامل معها باريحية تامة.

كما برز الدور المصري بوضوح في إدارة ملف غزة، حيث أسهمت في تثبيت التهدئة وعرقلة مخططات التهجير القسري، وهو ما يعكس قدرة القاهرة على توظيف أدواتها وثقلها السياسي لفرض معادلات مغايرة للمشاريع المفروضة.

تأتي هذه التحركات في ظل تصاعد الحديث عن “إعادة تشكيل الشرق الأوسط” أو ما يُعرف بمشروعات “الشرق الأوسط الجديد”، وهي أطروحات تستند إلى إعادة توزيع مراكز القوة عبر خلق بؤر توتر ممتدة، بما يسمح بإعادة هندسة الإقليم وفقًا لمصالح قوى دولية وإقليمية. غير أن مصر، بحكم موقعها الجيوسياسي ووزنها التاريخي سياسيا وعسكريا وحضاريا، تمثل عقبة رئيسية أمام هذه المخططات، إذ ترفض الانخراط في معادلات الفوضى، وتتبنى نهجًا قائمًا على استقرار الدولة الوطنية ومنع انهيارها.

وفي هذا الإطار، تبدو المواجهة الجارية بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، نموذجًا لصراع ذي رهانات خاسرة، يقوم على أهداف صفرية تُفضي في نهايتها إلى توسيع دائرة الفوضى دون تحقيق حسم استراتيجي لأي طرف. فالتصعيد المتبادل، مهما بلغ مداه، لا ينتج سوى استنزاف طويل الأمد يعيد رسم خرائط النفوذ عبر الفوضى، وهو ما تدركه القاهرة جيدًا، فتسعى إلى كبحه عبر أدوات الدبلوماسية والوساطة.

في موازاة ذلك، تتحرك مؤسسات الدولة المصرية، لا سيما الأجهزة المعنية بجمع المعلومات والتقدير الاستراتيجي، وفق رؤية استباقية تستند إلى قراءة دقيقة لمسارات التهديد وأنماط إعادة تشكيل الإقليم. فقد راكمت هذه المؤسسات خبرات واسعة مكّنتها من تفكيك العديد من السيناريوهات التي استهدفت زعزعة استقرار المنطقة، والتنبيه المبكر إلى تداعياتها، وهو ما تجلّى في تحذيرات متكررة لدول إقليمية من الانزلاق إلى مسارات الفوضى او الانهيار، وتفكيك الدولة الوطنية، دون أن تلقى هذه التحذيرات دائمًا آذانًا صاغية، فكان مآل بعضها الانكشاف أمام موجات الفوضى. وفي هذا الإطار، يظل رصيد مصر الحقيقي في كوادرها الوطنية التي تدرك وزن الدولة وقيمتها، وتعمل بكفاءة على صون أمنها القومي وصياغة أدوارها الإقليمية بما يتسق مع مصالحها العليا، ويضمن استمرار حضورها كفاعل مؤثر في معادلة شديدة التعقيد.

وفي هذا السياق، يبرز دور الرئيس عبد الفتاح السيسي بوصفه أحد المرتكزات الحاكمة لمسار السياسة المصرية المعاصرة، حيث اعتمدت القيادة المصرية نهجًا يقوم على الإدارة المتزنة للأزمات وتفكيك بؤر التوتر قبل تحولها إلى تهديدات ممتدة. فقد اتسمت تحركات القاهرة بدرجة عالية من الحذر الاستراتيجي، بما جنّب الدولة الانزلاق إلى صراعات مفتوحة كانت كفيلة بإشعال الإقليم بأكمله، مع الحفاظ على ثوابت الأمن القومي والانخراط في جهود تهدئة تستهدف احتواء التصعيد، استنادًا إلى رؤية تعتبر أن استقرار المنطقة مسؤولية جماعية، وأن الحفاظ عليه مرهون بمدى تجاوب الأطراف المختلفة مع الطروحات المصرية والإنصات لمقارباتها التي توازن بين الواقعية السياسية ومتطلبات الأمن الإقليمي.

وفي ظل تعقيدات اللحظة الراهنة، تبدو المنطقة أمام مفترق بالغ الحساسية، يفرض على جميع الفاعلين قدرًا عاليًا من المسؤولية والانضباط الاستراتيجي. وفي هذا السياق، تتحرك مصر بمنهج يجمع بين الاحترافية المؤسسية والحكمة السياسية، مستندة إلى عناصر قوة رادعة تحمي مصالحها وتفرض معادلات توازن، بالتوازي مع قدرة محسوبة على احتواء الأزمات ومنع انفلاتها. فالتعامل مع هذا التوقيت الدقيق لا يحتمل قرارات انفعالية، بل يتطلب إدارة دقيقة تُوزن فيها التحركات بميزان شديد الحساسية، يراعي تشابك المصالح ويحد من مسارات التصعيد، مع الحفاظ على مساحة كافية لإدارة الخلافات دون الانزلاق إلى مواجهات مفتوحة قد تتجاوز كلفتها حدود الإقليم.

أما على مستوى الخطاب العام، فإن الانشغال المفرط بردود الأفعال تجاه الانتقادات أو الحملات الإعلامية لا ينسجم مع طبيعة الدول الكبرى. فالدول التي تدرك حجمها الحقيقي لا تنجرف وراء المهاترات، بل تفرض حضورها بالفعل والتأثير. ومصر، بتاريخها وثقلها، لا تقيس مكانتها بمدى الرضا الخارجي، بل بقدرتها على حماية مصالحها وصياغة قراراتها بشكل مستقل. فهي دولة لا تتحرك استجابة لضغوط عابرة، ولا تنخرط في سجالات هامشية، بل تدير سياستها وفق رؤية وطنية خالصة، تجعل من كل تحرك مصري فعلًا محسوبًا ومؤثرًا في معادلات الإقليم.

في المحصلة، تؤكد التجربة التاريخية والمعاصرة أن مصر ليست مجرد طرف في معادلة الشرق الأوسط، بل أحد أعمدتها الرئيسية. فبين صراعات صفرية ومشروعات تفكيك، تظل القاهرة لاعبًا قادرًا على إعادة ضبط الإيقاع، مستندة إلى إرادة سياسية مستقلة ورؤية استراتيجية تدرك أن الاستقرار الحقيقي يبدأ من الحفاظ على تماسك الدولة الوطنية، لا الانخراط في فوضى مفتوحة بلا أفق.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة