وليد نجا

الصين تعيد تقسيم خريطة النفوذ الإقليمي والدولي

السبت، 11 أبريل 2026 02:10 ص


تعد استراتيجيات القوى الكبرى منذ فجر التاريخ قائمة على افتعال الأزمات والتحديات للقوى التي يُحتمل أن تنازعها السيادة والنفوذ، لا سيما منذ تفرد الولايات المتحدة بقيادة العالم إثر انهيار الاتحاد السوفيتي، وتحول النظام الدولي من ثنائية قطبية تقودها واشنطن بمعسكرها الغربي وينافسها الاتحاد السوفيتي بمعسكره الشرقي، بينما تنضوي بقية الدول تحت لواء مجموعة دول عدم الانحياز التي تضم أغلب الدول غير المنضمة للمعسكرين.

ومع وصول الرئيس الأمريكي "ترامب" إلى الحكم في ولايته الأولى ورفعه شعار "لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً"، وفرضه حروباً تجارية على أغلب دول العالم، برزت الصين كقوة صاعدة مرشحة لتكون الاقتصاد الأكبر عالمياً بحلول عام 2030، لذا تتبدى الأهداف الرئيسية للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في الضغط الاقتصادي على بكين عبر حرمانها من مصادر الطاقة، والحيلولة دون تخطيها الاقتصاد الأمريكي وفق التقديرات العالمية؛ حيث يرمي المخطط الأمريكي إلى إضعاف الاقتصاد الصيني بإغلاق مضيق هرمز ووقف إمدادات البترول والغاز من دول الخليج وإيران.

بيد أن الاقتصاد الصيني نجا من الفخ الأمريكي المتمثل في إغلاق مضيق هرمز كفعل متوقع من الرد الإيراني، إذ ساهمت قرارات "ترامب" وسلوكه العدائي في ولايته الأولى حيال الصين وتهديده لمصادر طاقتها في دفع القيادة الصينية نحو تحييد تلك التهديدات، فاعتمدت على الفحم في صناعة الأسمدة وطورت الأبحاث العلمية في هذا الصدد بدلاً من الاعتماد على البترول، كما حولت أغلب مركباتها للعمل بالكهرباء بديلاً عن البنزين والديزل.

تجني الصين اليوم ثمار جهودها المضنية في تطوير أحدث تكنولوجيا وسائل النقل بالجر الكهربائي وفق سيناريوهات أعدتها القيادة الصينية للتعامل مع التحديات الإقليمية والدولية، وخاصة المحاولات الأمريكية لوقف نمو اقتصادها، ونتيجة لهذا الاستعداد الجيد، أضحت الصين تتعامل مع غلق مضيق هرمز كتمرين عسكري تم الإعداد له مسبقاً، بل باتت تمتلك فائضاً من البترول تستخدمه كمخزون استراتيجي بعد إحلال الفحم والجر الكهربائي.

إن خريطة النفوذ الدولية بعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تشير إلى تغيرات جيوسياسية وبزوغ دور متنامٍ للصين بجانب الولايات المتحدة، تتبعهما روسيا ومن خلفهما الاتحاد الأوروبي الذي يعاني من سياسات الرئيس الأمريكي المهددة بترك أوروبا بمفردها في مواجهة روسيا في أوكرانيا؛ فالعالم في عصرنا الحالي قد يتعاطف مع أصحاب الحقوق، لكنه لا يحترم إلا من يمتلك القوة، فالعاطفة بلا قوة تحميها لا مكان لها إلا في عالم الخيال.

تتغير دورة الحياة بتغير الزمن كسنة كونية، فالقوى الكبرى تتبدل؛ إذ أين الفرس والروم والمماليك وغيرهم من القوى وصولاً إلى انفراد الولايات المتحدة، والآن يبزغ فجر قوى جديدة ستشارك في القيادة في المستقبل القريب، في ظل سياسات "ترامب" التي تعتمد لغة القوة وتتناسى دروس التاريخ ودورة الأمم، وبينما ينتظر العالم على أنامله سيناريوهات القوى الكبرى ما بين واقع مؤلم بعيد عن المنظمات الدولية والقوانين الإنسانية وبين مأمول العدل والمساواة، يبرز التساؤل: هل يساهم بزوغ قوى كبرى تنافس الولايات المتحدة وتجعل العالم متعدد الأقطاب في الحفاظ على السلم والأمن الإقليمي والدولي؟ هذا ما ستكشف عنه الأحداث، ومنها مفاوضات السلام لإنهاء الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة