لم تعد جدران محاكم الأسرة تضج فقط بشكاوى الاعتداء الجسدي أو الهجر، بل برزت على السطح وقائع غريبة عن شهامة المجتمع المصري الأصيل، وهي "الاستيلاء على راتب الزوجة".
هي معركة تبدأ بكلمات معسولة تحت شعار "نحن كيان واحد"، وتنتهي بمأساة قانونية وإنسانية تجد فيها المرأة نفسها مجرد "ماكينة صرف آلي" في يد رجل تجرد من مروءته ومن واجب القوامة، لتجد الزوجة نفسها مضطرة للتنازل عن كل شيء مقابل حريتها عبر دعوى "الخلع".
حكايات مؤلمة عن طمع الأزواج في رواتب السيدات
خارج أروقة المحكمة، التقينا بـ "سماح. م"، مهندسة في منتصف الثلاثينيات، التي بدت عليها علامات الانكسار وهي تروي قصتها قائلة: "تزوجته بعد قصة حب ظننت أنها ستحميني من غدر الزمن، وفي الشهر الأول طلب مني بطاقة الصراف الآلي (الفيزا) ليدير هو شؤون المنزل بحجة توفير النفقات.
مرت الشهور وأنا أتسول منه ثمن المواصلات لعملي، واكتشفت في النهاية أنه كان يدخر راتبي ليشتري شقة باسم والدته، بينما يحرمني أنا وأطفالي من أبسط مقومات الحياة".
لم تكن صرخة سماح مجرد شكوى مادية، بل كانت إعلاناً عن موت الثقة، حيث اختتمت حديثها قائلة: "عندما طلبت حقي، ضربني وأخبرني أن مالي هو ماله شرعاً، فكان الخلع هو طريقي الوحيد لاسترداد كرامتي".
قصة أخرى لا تقل مأساوية بطلتها "نورا"، معلمة بإحدى المدارس، التي وصفت زواجها بأنه كان "عملية نصب مكتملة الأركان".
تقول نورا بمرارة: "كان يشجعني على العمل الإضافي والسهر في التصحيح، ليس حباً في نجاحي، بل طمعاً في الحوافز والمكافآت.
كان يستولي على الراتب فور إيداعه في البنك، وحينما تمردت مرة واحدة ومنعت عنه الرقم السري، تحولت حياتي إلى جحيم من الإهانات والتهديد بالطرد من المنزل".
نورا لم تكن تبحث عن الرفاهية، بل كانت تبحث عن "رجل" يشعرها بالأمان لا بالاستغلال، وهو ما دفعها لرفع دعوى خلع لتنهي كابوساً استمر خمس سنوات.
أسباب المشكلة
ويرى علماء الاجتماع أن هذه الوقائع تعود إلى خلل في التربية وسوء فهم لمفهوم المشاركة الزوجية. فالرجل الذي يستولي على مال زوجته قهراً أو ابتزازاً يضرب عرض الحائط بالقوانين والشرائع التي جعلت للمرأة ذمة مالية مستقلة.
هذا النوع من الاستغلال يولد شعوراً بالدونية لدى الزوجة، ويحول المودة والرحمة إلى علاقة "دائن ومدين"، مما يعجل بانهيار الأسرة.
روشتة لتفادي هذه المشاكل
ولأن دورنا الصحفي لا يقتصر على عرض المآسي، بل يمتد لتقديم الحلول، نضع أمام كل زوجة مقبلة على الحياة أو تعاني في صمت، روشتة متكاملة لتفادي الصدام وحماية عش الزوجية من أطماع "المال الحرام":
أولاً: الوضوح التام قبل الزفاف. يجب الاتفاق صراحة على كيفية إدارة الدخل. المشاركة في مصاريف المنزل أمر محمود ويدعم الاستقرار، لكن يجب أن يكون بـ "التراضي" وليس بـ "الإجبار"، ومعرفة حدود مساهمة كل طرف بوضوح يمنع التأويلات المستقبلية.
ثانياً: الذمة المالية خط أحمر. من حق الزوجة شرعاً وقانوناً أن تحتفظ بذمتها المالية المستقلة. الاحتفاظ بالرقم السري لبطاقة الراتب ليس دليلاً على عدم الثقة، بل هو حق أصيل. ومن الأفضل تخصيص حساب مشترك لمصاريف البيت تودع فيه المبالغ المتفق عليها، مع احتفاظ كل طرف بباقي دخله.
ثالثاً: رصد بوادر "الاستغلال". إذا بدأ الزوج في التهرب من مسؤولياته الأساسية بحجة أن "معكِ مال"، أو بدأ في ممارسة الضغوط النفسية للحصول على راتبك، فهذه إشارة خطر تستوجب وقفة حازمة. التنازل الصغير في البداية يفتح الباب لتنازلات أكبر لاحقاً تصل إلى حد ضياع الحقوق تماماً.
رابعاً: استشارة المتخصصين. عند حدوث خلاف مالي، يفضل اللجوء لحكم من أهلها وحكم من أهله أو مستشار قانوني واجتماعي قبل تفاقم الأمور أحياناً يكون الحزم في البداية هو ما يحمي الزواج من الوصول إلى طريق مسدود.
خامساً: الوعي القانوني. يجب أن تدرك كل زوجة أن القانون المصري يحمي حقها في ملكيتها الخاصة، وأن إجبارها على التوقيع على تنازلات أو الاستيلاء على مالها تحت التهديد هو جريمة يعاقب عليها القانون، ولا علاقة لها بواجبات الطاعة الزوجية.
إن البيوت تُبنى على السكن والاحتواء، لا على الجباية والاستغلال. ودعاوى الخلع التي تملأ المحاكم بسبب "الراتب" هي جرس إنذار لكل رجل بأن القوامة مسؤولية وإنفاق، وليست طمعاً في كد وتعب شريكة العمر.
المال يذهب ويأتي، لكن الكرامة والود إذا فُقدا، فلا قيمة لأي كنوز تُجمع تحت سقف واحد.