وليد نجا

القيادة علم وأقدار: الكفاءات تبرز في الأزمات

الأربعاء، 01 أبريل 2026 02:51 ص


يُعد علم الإدارة من العلوم الحديثة ويمكن صياغة تعريف موجز لعلم الإدارة بوصفه محصلة خبرات متراكمة يكتسبها الجهاز الإداري عبر السنين على كافة مستوياته وفي مختلف صور المعاملات الحياتية، حيث يتم تحديث بياناتها وترقيتها وتقنينها وفق قواعد علمية حديثة. وتذهب بعض المصادر إلى تعريف الإدارة بأنها مجموعة من القواعد والمبادئ العلمية التي تعين الرؤساء والمرؤوسين والمتعاملين مع الجهاز الإداري على إنجاز الأعمال بكفاءة وفعالية عالية، من خلال هيكلة الموارد البشرية والمادية لتحقيق أهداف المؤسسة بأقل وقت وجهد وتكلفة ممكنة.

ويستند المتخصصون في تطوير هذا العلم إلى قواعد أساسية تتمثل في التخطيط، والتنظيم، والتوجيه، والرقابة، إذ يتم الدمج بينها للحصول على أقصى قدر من المهارات السلوكية والنتائج الإيجابية. ولتبسيط هذا المفهوم، يمكن تعريف كفاءة القيادة بأنها الشخصية المسؤولة عن إدارة المؤسسة والعمل على تطويرها لتكون قادرة على مواجهة الأزمات والتحديات، مع الدفع بالكفاءات كصف ثانٍ في القيادة وترسيخ مفهوم العمل الجماعي، والاستفادة من تجارب الماضي بما يضمن الصمود أمام سيناريوهات المستقبل.

أما الأزمات التي تواجه القيادات وتكشف عن معادن الكفاءات، فهي تلك السيناريوهات والأحداث والتحديات الحالية والمستقبلية، المتوقعة وغير المتوقعة، التي تحمل في طياتها تهديداً مباشراً يلحق الضرر بالمؤسسة وبأصحاب المصلحة من العاملين والجمهور. وتتجلى كفاءة القيادة في دقة التخطيط الاستراتيجي عبر سيناريوهات مستقبلية معدة مسبقاً، تنفذ بهدف التخفيف من الآثار السلبية للأزمة، سواء كانت أسبابها محلية أو إقليمية أو دولية، مع ضمان استمرارية العمل بأكبر قدر من اليسر والقدرة على تنفيذ المهام.

ومن تلك المسلمات، يتحتم علينا طرح التساؤل الجوهري: ما أهمية إدارة الأزمات في مؤسسات الدولة الخدمية والصناعية؟ تكمن الأهمية في كونها الاختبار الحقيقي لقدرة القادة والجهاز الإداري على التعامل السريع مع مسببات الأزمة، والاستمرارية في أداء المهام وفق سيناريوهات مرنة تُحدث لتتوافق مع طبيعة الموقف، وصولاً إلى عبور الأزمة بأقل الخسائر بما يضمن الحفاظ على الأمن القومي للدولة أو استقرار المؤسسة.

إن الاعتماد على علم إدارة الأزمات يجعل منها ضرورة لا غنى عنها، فهي تحقق حماية لسمعة الدولة أو المؤسسة عبر إدارة قوية تمتلك كوادر مجهزة وفق أحدث الأساليب العلمية، مما يجعل أعضاءها قادرين على مواجهة التحديات مع الحفاظ على مصالح الجميع، كما تضمن استمرارية الأعمال من خلال خطط محكمة تقلل من فترات التعطل والخسائر المالية، وتمنح الموظفين وأصحاب المصلحة ثقة بالغة حين تثبت المؤسسة فاعليتها في تجاوز المحن.

ويمكن تلخيص أنواع إدارة الأزمات في عدة مجالات، منها: إدارة الأزمات الطبيعية التي تشمل الاستجابة للكوارث كالزلازل والأوبئة وتتطلب سرعة فائقة لحماية الأرواح والأصول، وإدارة الأزمات التكنولوجية الناشئة عن الأعطال التقنية أو الهجمات الإلكترونية التي باتت أكثر شيوعاً، والأزمات التنظيمية الناتجة عن السلوكيات غير الأخلاقية أو سوء اتخاذ القرار داخل المؤسسة مما يضر بسمعتها، فضلاً عن إدارة الأزمات المالية التي تهدد الاستقرار المادي في فترات الانكماش الاقتصادي، وأزمات الموارد البشرية المتعلقة بالنزاعات العمالية أو الفقدان المفاجئ للكوادر الرئيسية.

وتتم مواجهة الأزمات عبر إجراءات استباقية تبدأ بالتحضير من خلال تقييم المخاطر ووضع البروتوكولات اللازمة، ثم تحديد الهوية عبر الكشف المبكر عن الأزمة لتقويض أثرها، تليها مرحلة الاستجابة الفورية وتفعيل خطط الطوارئ، وصولاً إلى التعافي واستعادة العمليات الطبيعية وإصلاح الأضرار، وأخيراً المراجعة والتعلم من التجربة لتحسين العمليات المستقبلية ومنع تكرار الأزمات المشابهة.

إن تحديد المسؤوليات ضمن الخطة المعدة مسبقاً يعد أمراً حاسماً، حيث يتوزع الدور بين مدير الأزمات المسؤول عن الإشراف والتنسيق، وقائد الاتصالات الذي يدير الرسائل الداخلية والخارجية، وقائد العمليات المعني باللوجستيات وتوفير الموارد، والمستشار القانوني الذي يضمن الامتثال للوائح. هذا التعاون الوثيق يضمن استجابة سريعة تقلل الأضرار وتؤدي إلى استقرار الأعمال على المدى الطويل، وتعزز صورة المؤسسة ومرونتها، مما يمنحها ميزة تنافسية وقوة في محيطها المحلي والدولي.

وإذا أردنا النظر إلى تطبيق واقعي لإدارة الأزمات، تبرز الإدارة المصرية الهادئة والرشيدة لتداعيات الصراعات الإقليمية والدولية الحالية كنموذج، حيث استطاعت الدولة عبر الإعداد الجيد وتحديث المؤسسات وتوفير مخزون استراتيجي من خلال المناطق اللوجستية والصناعية والزراعية، وتطوير القوات المسلحة، أن تحد من تداعيات انتقال الصراع من الجغرافيا العسكرية إلى الجغرافيا الاقتصادية، وحماية أمن الغذاء والطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.

ختاماً، إن فهم ماهية إدارة الأزمات وإتقان عملياتها ضرورة حتمية لأي مؤسسة تسعى لحماية مصالحها في الأوقات المضطربة، فالقدرة على الإدارة الفعالة تعزز السمعة وتضمن الاستمرارية. ولتعزيز هذه القدرات، تبرز أهمية الشراكة مع الخبراء المحليين والإقليميين والدوليين، فمن خلال خدمات الإدارة المتخصصة يمكن للمؤسسات الاستعداد للأزمات والاستجابة لها والتعافي منها بكفاءة واقتدار.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة