قالت وزارة الاوقاف، إن من أخطر الجرائم المعاصرة التي أخذت تنخر في جسد المجتمعات وتؤرق ضمائر العقلاء، جريمة التحرش الإلكتروني، ذلك السلوك المنحرف الذي يقصد به تعمد إيذاء الآخرين عبر الوسائط الرقمية (وسائل التواصل الاجتماعي، البريد الإلكتروني، تطبيقات الدردشة)، من خلال الرسائل غير اللائقة، أو الابتزاز، أو نشر الصور والمعلومات الخاصة، أو التلاعب بالمشاعر بقصد الإفساد والإضرار، موضحة صور التحرش الإلكترونى ومنها:
التشهير الرقمي "وتحسبونه هينا"
حذر القرآن الكريم من هذا المسلك تحذيرا بالغا، فقال تعالى: {إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون}[النور: ١٩]، فكيف بمن لا يكتفي بالمحبة، بل يسهم فعلا في نشرها، ويروج لها عبر الفضاء الرقمي؟! إن المتحرش إلكترونيا، ولا سيما من يتورط في نشر الصور أو استخدامها وسيلة للابتزاز، إنما يشارك في إشاعة الفاحشة، ويهدم سياج الحياء الذي به صلاح المجتمعات واستقرارها.
وهكذا يتحول الفعل الذي قد يظنه صاحبه عابرا، إلى جريمة مركبة؛ عدوان على الأفراد، وإفساد للقيم، وتجرئة للآخرين على انتهاك الحرمات، وما أشدها من خيانة حين تستباح الخصوصيات، وتتخذ الثقة جسرا للإيذاء!.
قال العلامة الطاهر ابن عاشور: "... ومن أدب هذه الآية أن شأن المؤمن ألا يحب لإخوانه المؤمنين إلا ما يحب لنفسه، فكما أنه لا يحب أن يشيع عن نفسه خبر سوء كذلك يجب عليه أن لا يحب إشاعة السوء عن إخوانه المؤمنين، ولشيوع أخبار الفواحش بين المؤمنين بالصدق أو بالكذب مفسدة أخلاقية؛ فإن مما يزع الناس عن المفاسد تهيبهم وقوعها وتجهمهم وكراهتهم سوء سمعتها، وذلك مما يصرف تفكيرهم عن تذكرها، بله الإقدام عليها رويدا رويدا حتى تنسى وتنمحي صورها من النفوس، فإذا انتشر بين الأمة الحديث بوقوع شيء من الفواحش تذكرتها الخواطر، وخف وقع خبرها على الأسماع؛ فدب بذلك إلى النفوس التهاون بوقوعها وخفة وقعها على الأسماع، فلا تلبث النفوس الخبيثة أن تقدم على اقترافها، وبمقدار تكرر وقوعها وتكرر الحديث عنها تصير متداولة، هذا إلى ما في إشاعة الفاحشة من لحاق الأذى والضر بالناس ضرا متفاوت المقدار على تفاوت الأخبار في الصدق والكذب، ولهذا ذيل هذا الأدب الجليل بقوله: {والله يعلم وأنتم لا تعلمون} أي: يعلم ما في ذلك من المفاسد فيعظكم لتجتنبوا، وأنتم لا تعلمون فتحسبون التحدث بذلك لا يترتب عليه ضر، وهذا كقوله: {وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم} [النور: ١٥]".
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا يحب الفاحش المتفحش» [الأدب المفرد].
فدل ذلك على أن الفحش، وهو كل قول أو فعل قبيح، سلوك ممقوت في ميزان الشرع، مرفوض في فطرة الإنسان السوي، ويشمل في صوره المعاصرة التحرش بكل أشكاله؛ لفظيا كان أو جسديا أو رقميا.
وقد جاء الإسلام ليعلي من شأن الكرامة الإنسانية، ويحيطها بسياج من الحفظ والصيانة، فقال تعالى: {ولقد كرمنا بني آدم} [الإسراء: ٧٠]، فكانت هذه الكرامة أصلا ثابتا لا يجوز انتهاكها، ولا التعدي عليها بأي صورة من الصور.
وعليه، فلا يحل لأحد أن يمس حياء غيره، أو يؤذيه بكلمة جارحة، أو تصرف مهين، أو سلوك متعد، سواء أكان ذلك في واقع الناس المباشر، أم في العالم الافتراضي الذي لا تقل فيه الحقوق حرمة، ولا تخف فيه المسئولية، فكل اعتداء على الكرامة، هو خرق لحدود الله، وإثم يساءل عنه صاحبه، وإن توارى خلف الشاشات.
الابتزاز الإلكتروني:
هو من أخطر صور التحرش الإلكتروني؛ حيث يستغل ضعاف النفوس الثقة أو الغفلة، فيهددون بنشر صور أو رسائل، ليوقعوا الضحية في الحرام، أو ليستنزفوا مالها وكرامتها، وهذه جريمة مركبة، تجمع بين الظلم والخيانة والإيذاء، والله تعالى يقول: {يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور} [غافر: ١٩].
وقد قرر النبي صلى الله عليه وسلم قاعدة جامعة بقوله: «لا ضرر ولا ضرار» [رواه الطبراني]، فكل ما فيه أذى للناس فهو محرم مردود.
وإن وسائل التواصل التي بين أيدينا إنما هي أمانة، إما أن تكون سبيلا إلى الخير ونشر العلم والرحمة، أو تتحول إلى أداة للفضيحة والإفساد، ومن عجز عن نفع الناس، فليكتف بكف شره عنهم، ففي ذلك صدقة عليه، كما أرشد النبي صلى الله عليه وسلم.
وليتذكر كل امرئ أن هذه الأجهزة التي يظنها صامتة، ستنطق يوم القيامة شاهدة عليه، قال تعالى: {يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون} [فصلت: ٢٤]، فلا كلمة تكتب، ولا صورة ترسل، إلا وهي محفوظة في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة.
إن التكنولوجيا نعمة عظيمة، فلا تجعلها بابا للهلاك، بل اجعلها طريقا إلى رضوان الله؛ فإن "بصمتك الرقمية" إما أن تكون نورا يمتد أجره بعدك، أو ظلمة تتبعك تبعاتها، فاختر لنفسك ما تحب أن تلقى الله به.
والحذر الحذر من الاستهانة بمثل هذه الأفعال، واستحضار رقابة الله في كل ما ينشر ويتداول، فإن الكلمة والصورة أمانة، إما أن تكون سترا ورحمة، أو تكون وبالا وحسرة.
التحرش بالألفاظ البذيئة والعبارات الساقطة:
حيث تنفلت الألسن خلف الشاشات بما لا يليق، وقد نهى الشرع عن ذلك أشد النهي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إياكم والفحش؛ فإن الله لا يحب الفاحش والمتفحش» [رواه ابن حبان].
وقال: «ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش البذيء» [رواه الترمذي وأحمد].
فدل ذلك على أن طهارة اللسان من علامات الإيمان، وأن خبث القول مسلك مذموم ممقوت.
التحرش عبر الرسائل الإلكترونية
حيث يتسلل المعتدي إلى ضحيته بكلمات ماكرة، أو تهديد خفي، أو استدراج خبيث، قد ينتهي بابتزاز أو نشر لخصوصيات لا يجوز كشفها، وهذا من الفواحش الباطنة التي حذر الله منها بقوله: {ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن} [الأنعام: ١٥١]، لما فيه من انتهاك للستر، واعتداء على الحرمات.
التفاعل مع مقاطع الرذيلة ونشرها، عبر منصات التواصل
حيث يسهم البعض -بقصد أو بغير قصد- في إشاعة الفاحشة، وترويج الفساد، وإغراء النفوس بالمنكر، وقد توعد الله على ذلك وعيدا شديدا، فقال: {إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون} [النور: ١٩]، فكيف بمن يبثها، أو يروج لها، أو يعين على انتشارها؟! إنها مسئولية عظيمة، فكل من نشر شرا أو دل عليه، حمل وزره ووزر من تبعه، كما قال تعالى: {ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم} [النحل: ٢٥]، وقال تعالى: {وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون} [العنكبوت: ١٣].