عادل السنهورى

من ينتصر في "حرب الاستنزاف" الإيرانية الأمريكية؟

الإثنين، 09 مارس 2026 04:11 م


العالم على أطراف أصابعه. الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تدخل أسبوعها الثاني، وسط مشهد ميداني غير واضح تمامًا لمن السيطرة فيه. فهناك سيطرة جوية وربما بحرية للقوات الأميركية والإسرائيلية، ولكن المفاجأة الإيرانية في الرد وضرب القواعد العسكرية الأمريكية في دول مجلس التعاون والهجوم بالصواريخ الباليستية على "إسرائيل"، ودخول الجيوش الرديفة للدعم والمساندة، يبدو أنه أربك الحسابات ولم يكن متوقعًا. وعقب الضربة الأولى في ساعات الصباح واغتيال أعمدة النظام السياسي والعسكري الإيراني، بما فيها الرمز الديني الأكبر علي خامنئي، أن تصمد إيران وتقاوم بل وترد بضربات مفاجئة وفي كل اتجاه.


هنا يبرز السؤال الأهم: وهل دخلت الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل الحرب ضد إيران بسيناريو واحد فقط واستراتيجية واحدة لا بديل لها، وهي الرهان على الفوضى والغضب الشعبي عقب "الصيد الثمين" في اغتيال الرؤوس الكبرى، وبذلك تنتهي الحرب وتستسلم إيران وتعم الفوضى ويأتي الحاكم الجديد على أبراج الدبابات الأمريكية وتحت الحماية الإسرائيلية؟


هل الصمود والرد الإيراني كان غير متوقع ولم يحسب له جنرالات الحرب في البنتاجون أي حساب، وساروا خلف الوهم الترامبي بإمكانية تحقيق وتنفيذ النموذج الفنزويلي على الأراضي الإيرانية، وهذه المرة بالاغتيال والقتل وبتوظيف الخيانة والخديعة من داخل النظام؟ ومن ثم سهولة انهيار النظام والدولة وشيوع الفوضى والثورة الشعبية وتفكك مؤسسات الدولة، ولا سيما المؤسسات الأمنية، وعدم استغراق الحرب لأكثر من يومين أو ثلاثة دون انتظار أو دراسة للمفاجآت، وتضارب وتناقض التصريحات، وانكشاف هشاشة القواعد العسكرية في المنطقة، ولجوء دولها إلى نظم الدفاع الجوي المتطورة، وقيام بعض هذه الدول بشراء أنظمة أوروبية بأثمان مضاعفة بعد وضوح حقيقة أن الأولوية في الدعم بالسلاح وأنظمة الدفاع الجوي لإسرائيل وليس لحليف آخر، حتى لو استدعى الأمر جلب نظام الدفاع الجوي الكوري الجنوبي إلى تل أبيب أو محاولة الاستعانة بالرئيس الأوكراني والاستفادة من خبرة أوكرانيا في التصدي للمسيّرات الإيرانية.


لا يمكن التغاضي أو إنكار أن إيران تلقت ضربات موجعة من سلاح الطيران الأمريكي والإسرائيلي كان لها أبلغ الأثر في أنظمة الدفاع الجوي ومقارّ أجهزة الأمن وسلاح البحرية الإيرانية. وسوف تستمر هذه الضربات وبقوة.


لكن دخول الحرب أسبوعها الثاني هو السيناريو الأمثل لإيران وللقوى الكبرى المتربصة والمنتظرة لوقوع وانغماس الإمبراطورية الأمريكية في الفخ الإيراني وحرب الاستنزاف الطويلة التي تعيد إلى الذاكرة الجمعية للشعب الأميركي سنوات الحرب الحزينة والمريرة في فيتنام والهزيمة النكراء للقوات الأميركية على أيدي المقاومة الفيتنامية وانقلاب الرأي العام الأميركي ضد قيادته وضد استمرار الحرب. فقد تكبدت الولايات المتحدة خسائر فادحة في حرب فيتنام (1955-1975)، تمثلت في مقتل أكثر من 58 ألف جندي وإصابة أكثر من 153 ألف آخرين، بالإضافة إلى فقدان مئات الأسرى. وقدّرت التكاليف المالية المباشرة للحرب بنحو 120 مليار دولار، مع تدمير آلاف الطائرات والمروحيات، مما أدى إلى هزيمة عسكرية وسياسية ونفسية هائلة.


الذاكرة الأمريكية أيضًا لا تنسى مهزلة القوات الأمريكية في الصومال، وتحديدًا خلال معركة مقديشو عام 1993 (بلاك هوك داون)، والتي سقط فيها 18 قتيلًا وحوالي 70 جريحًا من قوات النخبة، بالإضافة إلى إسقاط مروحيتين، مما شكل صدمة عسكرية وسياسية دفعت واشنطن للانسحاب. كما أسفرت التدخلات لاحقًا عن خسائر محدودة، منها مقتل جندي في 2017.


قبلها لا ينسى الشعب الأمريكي الخسائر التي تلقاها الجيش الأمريكي في لبنان خلال ثمانينيات القرن الماضي، أبرزها مقتل 241 جنديًا أميركيًا في تفجير ثكنات مشاة البحرية (المارينز) ببيروت عام 1983، بالإضافة إلى 63 قتيلًا في تفجير السفارة الأمريكية في نفس العام.


وأخيرًا الانسحاب العشوائي من أفغانستان منذ ست سنوات في عهد ترامب، والذي أنهى أطول حرب في تاريخ أمريكا استمرت أكثر من 20 عامًا، وأدى الانسحاب إلى سيطرة حركة طالبان السريعة على كابل وانهيار الحكومة السابقة. وخلف الانسحاب فوضى أمنية ومعدات عسكرية أميركية بقيمة مليارات في أيدي الحركة.


الأيام أو الساعات القليلة القادمة تدفعنا إلى طرح أسئلة أكثر تعقيدًا بعد أن تأزم الوضع في المنطقة في ظل سيطرة جوية وبحرية أميركية وإسرائيلية وتأرجح تصريحات ومطالب الرئيس الأمريكي ما بين التفكير في الغزو البري وبين المطالبة بـ"الاستسلام غير المشروط"، في مقابل تصريحات إيرانية بالصمود والاستمرار في المعركة.
أبرز هذه الأسئلة الذي يلوح في الأفق وفي التصريحات: هل تغامر واشنطن بالغزو البري في بلد مساحته شاسعة تبلغ أكثر من مليون ونصف مليون كيلومتر مربع وطبيعة جغرافية غاية في الصعوبة وجيش مدرب وقوات انتحارية تنتظر تلك اللحظة؟ وكيف يرى جنرالات الحرب في البنتاجون مسار الحرب والسيناريوهات المتاحة والخيارات المطروحة التي لا يستبعد منها الانسحاب المر وسقوط المشروع وانهيار المخطط وما سوف يترتب عليه من تداعيات دراماتيكية في منطقة الخليج مع الإقرار بالنفوذ الإيراني؟


وهل يذهب ترامب بعيدًا لحسم الحرب ويدفع بالعالم إلى حافة الهاوية التاريخية والتفكير في استخدام السلاح النووي؟ المسألة غاية في الخطورة.


فالأرقام والمعلومات الميدانية خلف الأبواب المغلقة للبنتاجون وللجيش الإسرائيلي مرعبة وفاقت التوقعات، والإدارة الأمريكية في مأزق حقيقي لم تتعرض له منذ أزمة الصواريخ الكوبية في الستينيات، والمعلومات التي تنشرها وسائل الإعلام الأمريكية تشير إلى أن الجنرالات الذين حاولوا كبح جماح التهور السياسي انتقلوا من مرحلة توجيه النصائح إلى مرحلة الإنذار الأخير.


جنرالات البنتاجون لا يتحدثون عن هزيمة عسكرية تقليدية بل عن الخيار المر وفقدان الردع العسكري. فالميزانية العسكرية الضخمة، 800 مليار دولار، لم تعد كافية لتغطية ثغرات الانتشار الواسع، ليس للمعركة الحالية مع إيران، إنما هناك التزامات أخرى.


فهناك أزمة نضوب المخازن الخاصة بالسلاح أو ما يسميه الخبراء بالاستنزاف الصامت، حيث تعتمد العقيدة العسكرية الأمريكية على التفوق بالتكنولوجيا المطلقة. لكن هذه العقيدة تصطدم حاليًا بجدار الواقع. فصواريخ الاعتراض من طراز ثاد وباتريوت وباك-3 هي قطع تكنولوجية معقدة يستغرق إنتاجها سنوات.
وفي المواجهات الأخيرة اضطرت أميركا لاستخدام صواريخ يتراوح ثمنها بين 2 و3 ملايين دولار لإسقاط المسيّرات الانتحارية التي لا تتجاوز تكلفتها 20 ألف دولار.


وبحسب المعلومات المتواترة من وسائل إعلام أميركية، فقد أبلغت قيادة الإمداد العسكري الرئيس ترامب أن استمرار وتيرة التصعيد الحالية يعني أن المخزون الاستراتيجي المخصص لحماية القواعد العسكرية الأميركية في المحيط الهادئ المواجهة للصين بدأ يُسحب لصالح جبهة الشرق الأوسط والحرب على إيران، وهو حسب تصور جنرالات العسكرية الأمريكية خطأ استراتيجي قاتل وفادح، يعني وقوع ترامب في فخ حرب الاستنزاف العبثية.


التاريخ يذكرنا بأن القوى الكبرى تخسر الحرب ليس في المعارك العسكرية الكبرى بل في حروب الاستنزاف البطيئة. وإيران تدير المعركة بنظرية الصبر والتحمل، فهي لا تريد مواجهة الأساطيل الأمريكية وجهًا لوجه بل يريدون إجبار واشنطن على البقاء في حالة استنفار قصوى تستهلك الأرواح والعتاد والمليارات يوميًا دون تحقيق هدف نهائي واضح، وتصدير الأزمة إلى الداخل الأميركي والقلق إلى المواطن هناك.


فشلل مضيق هرمز يعني أن أي إغلاق للمضيق ولو ليوم أو يومين يعني قفزة في أسعار النفط تتجاوز 150 دولارًا للبرميل، مما سيؤدي لانهيار البورصات في نيويورك ولندن، وهو ما يحصل الآن.


والمسألة الأهم هي قلق المواطن الأميركي وما يتبعه من إرباك السلم الاجتماعي. فقد بنى ترامب شعبيته على الازدهار الاقتصادي ويجد نفسه الآن أمام معادلة صعبة للغاية؛ فالحرب تعني ارتفاع سعر جالون البنزين، وهو ما قد يترجم إلى غضب واحتجاجات اجتماعية، وبالتالي المناداة بالذهاب إلى صناديق الاقتراع أو انتظار موعد الوصول إليها لمحاسبة ترامب.


نأتي إلى البعد العالمي والمتمثل في القوى العالمية المتربصة، وخاصة الصين وروسيا وكوريا الشمالية، التي تنتظر لحظة السقوط الأميركي في الفخ.
واشنطن منشغلة الآن بالمسيّرات والصواريخ الباليستية الإيرانية، في حين تقوم موسكو وبكين برسم خريطة عالم جديد لما بعد أميركا. روسيا سوف تستفيد من ارتفاع أسعار النفط لتمويل وتحسين أوضاعها الاقتصادية والعسكرية وتقدم نفسها كوسيط عاقل في المنطقة. والصين تراقب تآكل القوة البحرية الأمريكية وتستمر في قضم النفوذ الاقتصادي في آسيا وأفريقيا وتنتظر لحظة انكسار الهيمنة الأميركية لتعلن عن نظام مالي عالمي جديد ينهي عصر الدولار.


الساعات القادمة أو الأيام القليلة القادمة محملة بالكثير من الأحداث والوقائع الكبرى، فالأمر لا يتعلق بتهديد وفزع أكبر بل مرآة يواجه فيها ترامب الحقيقة في هذه المنطقة المسكونة باللعنة.


ليس هناك خيار سوى المغامرة الكبرى والتصعيد الشامل والضربة الساحقة لإيران، والتي ستفتح أبواب الجحيم في المنطقة والعالم، وإما الجلوس خلف الأبواب المغلقة لتسوية صفقة سياسية على نار هادئة لا مكان فيها للإملاءات وفرض الخضوع، وإنما اعتراف أميركي بنفوذ إقليمي لإيران يضمن تدفق النفط ووقف الاستهداف المباشر للقواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة وإسرائيل.


الأيام القادمة يحدد فيها ترامب هويته الحقيقية؛ سواء كان رجل حرب يخاطر بكل شيء ويجر العالم ويدفعه إلى جحيم مجهول، أم هو رجل أعمال ورجل صفقات برجماتي يعي ويدرك حدود القوة ويحافظ على ما تبقى من نفوذ وهيبة للإمبراطورية ومستقبل سياسي، وتأجيل أو الاستغناء عن أوهام السعي للسيطرة على مصادر الطاقة والنفط حول العالم وتمكين المشروع الصهيوني في المنطقة.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة