تظلُّ الروح في صَدًى أبديٍّ، لا ترويه إلا تلك النشوةُ الروحيةُ، التي تستنهضُ الهممَ من مرقدها، فنحن نحتاجُ دوماً إلى كل ما يؤدي بنا إلى يقظةِ القلبِ الغافل؛ تلك الصَّحوةِ، التي لا تُخلق صدفةً، بل تنبثقُ من خلال ممارساتٍ، تقومُ على فلسفةِ دروبِ الخير، والفضيلة؛ لتصقلَ جوهرَ الإنسانِ، وتنقيّه من شوائبِ المادة، وتدفعه إلى الإبحار في محيطِ الطُّهر؛ حيث تتبدّى مكارمُ الأخلاقِ بوصلةً، ترشدُ التائهين إلى برِّ الأمان.
ندرك أن رمضان فرصةٌ سانحة، وميناءٌ أغلى، يشرع أبواب السماء؛ للتحول الهادر، الذي لا يكتفي بملامسة السطح، بل يجتاحُ كوامن النفس، ويغوص في أغوار الكينونة؛ لتخرج الأفئدة من حالة السُّبات، والرتابة، وتنفض عنها غبار الغفلة، وترتقي إلى واحة، تسع، وتستوعب الطاقات الجبّارة المودعة، من قبل الخالق فينا؛ فيتحوّل الشهر إلى معملٍ؛ لصياغة الوجود، يعمل على توظيفها في كل صوْبٍ نافعٍ؛ لتستحيل الحروف نبضاتٍ حيّة، والأيام معراجاً من نور، والأفعال منارات هدى، تضيء دروب السائلين؛ ليتجلى الإيمان سلوكاً نيّراً، يقود الخُطا بلهفةٍ نحو مراقي الفلاح.
تتبعُ مساراتِ النفس التواقة، يكشف لنا سرّاً جليّاً؛ مما يؤكد لدينا أن الركود صفةٌ، لا ينبغي أن تلازم الإنسان، فالمؤمن برسالة وجوده، لا يرضى بالجمود قيداً، بل هو ذاك الطموح، الذي يسعى دوماً إلى بلوغ غاياتٍ نبيلةٍ، تتجاوز حدود الذات الضيقة؛ لتلامس آفاق العلياء، وفي هذا السّفر الروحي الدائم؛ إذ ينهض بذاته، ويطوّر بنيانه الفكريّ، والأخلاقيّ، لا يكتفي بالوقوف عند عتبات الممكن، بل يمتلك عزيمةً، تكسر الأقفال، ويفتح أبواباً، يلج من خلالها إلى ريادة الوجدان؛ حيث تشرق شمس البصيرة؛ لتنير له غوامض النَّفس، وسجايا الحروف، وعند تلك المحطة الرفيعة من الوعي، يصبح قادراً على تجاوز كل ما يعوقه من عثرات المسير، أو كبوات الطريق، وبثبات الواثق في فضل خالقه-سبحانه-، يمضي قُدَماً، حتى يبلغ غايته الأسمى، ويصل إلى معهوده، ومنشوده، محوّلاً الصعاب إلى جسورٍ، والأحلام إلى واقعٍ، يفيض بالبهاء.
البيئةُ الرمضانية، هي المعراجُ، الذي يحرّر الروح من مادياتٍ، غلّلتها، وحجبت عنها بهاءها؛ وهي القوةُ، التي تجعل الإنسان قادراً على أن يلجَ سبل الخيرات، وينهل منها زاداً، يمكّنه من استكمال مسيرة حياةٍ، طالما كانت مُفْعمةً بزخمٍ، يكرّس الهموم، ويستنزف الأعمار، ذاك الزَّخم، الذي يورّث في النفس سكوناً، لا سكينة فيه، بل هو ركود الأرواح، وقلقاً، لا طمأنينة ترافقه؛ إذ كان ذلك الاستغراقُ الماديُّ، مما يُمكّن لقوة الجسد أن تسود على حساب قوة البأس الروحية، تلك القوةِ العامدةِ على ذاتٍ تسمو بمرادها، وتبغي التخلص من كل ما يشوب طريقها نحو النور، وتأبى الرضوخ لكل عائقٍ، يقوّض أهدافها.
هذا التحولُ الهادرُ في رمضانَ، وبعده ليس مجرّد تبدّلٍ في العادات، بل هو فيضانٌ من النور، يزيد من مقدرتنا على التحمّل، والصبر الجميل، ويصهر الروح في بوتقة التقوى؛ لتغدو أكثر صلابةً في مواجهة عواصف الحياة؛ مما يساعدنا في الانغماس في بحور العطاء، التي لا تنتهي، ولا تتوقف؛ فتفيض نفوسنا بالجود، كما يفيض الغمام بالمطر، إننا حين نعانق هذا الصفاء، ندرك أن تلك ممارسةُ فضيلةٍ، تسمو بالذات فوق الأنا، وسرعان ما تنعكس محامدها على مجتمعٍ، يشدُّ بعضه بعضاً، حتى يوصف بأنه متماسكٌ، كالبنيان المرصوص؛ لا تزعزعه المحن، ولا توهن من عزيمته الخطوب، فما رمضانُ إلا مدرسةٌ، تُعيد صياغة الإنسان؛ ليكون لَبِنةً من ذهبٍ في جدار الأمة.
شعورُ الجوعِ، والعطشِ في محرابِ الصيامِ، ليس مجرّدَ حرمانٍ بدنيّ، بل هو طاقةٌ روحيةٌ كبرى، تُحوّلنا بصورةٍ هادرةٍ إلى حِمى الطاعاتِ، الزاخرِ بالسكينة، ويدفعنا بعزمٍ صادقٍ إلى هجرِ المعاصي، والترّفعِ عن الدنايا، وهو الذي يصقلُ في نفوسنا الإرادةَ، ويمنحنا قوةَ النصرِ على أعداءِ الوطنِ، والعقيدةِ حين تتحرّرُ الذاتُ من أسرِ شهواتها؛ فهذا الصمودُ أمام النداء الفطري، هو المددُ، الذي يثبّتنا، حالما اشتدَّ وغى المعركة، ويجعلُ من قلوبنا قلاعاً حصينةً، لا تُقتحم، ومن ثَمَّ ننتصرُ على ما قد يراه غيرُنا ضرباً من المستحيل، مُحوّلينَ ظمأَ الأبدانِ إلى ريٍّ للأرواح، وجوعَ الأمعاء إلى شبعٍ من العزّة، والإباء.
الاعتكافُ من أجل جنيِ الثمرةِ الدانيةِ من قطوفِ التقوى، يُعدُّ من مسبباتِ التحولِ الهادرِ، الذي يقتلعُ جذورَ الغفلةِ من النفس، حيثُ الخروجُ من حالةِ التفكرِ في شؤونِ حياةٍ فانيةٍ، لا تزيدُ المرءَ إلا شتاتاً إلى تدريبٍ عمليٍّ، رفيعِ المستوى؛ يسهمُ في تهذيبِ النفسِ من كِبْرِها، وترقيقِ الوجدانِ، حتى يشفَّ، ويصفو، مثل بلْورٍ نقيّ، ويكونُ المقصدُ الأسمى هو طلبَ الغفرانِ من ربٍ رحيمٍ، رحمن، بسجودٍ يخضعُ له الكيانُ في مكانٍ طاهرٍ، يفوحُ بعبيرِ القداسة، وعبرَ مناجاةٍ صادقةٍ، تخرجُ من أعماقِ قلبٍ منكسرٍ بين يدي خالقه-تعالى-؛ يوقنُ الفردُ حينئذٍ أن دعوته مستجابةٌ -بإذنِ ربه-، الذي لا يُرَدُّ من لجأ إلى حماه؛ ليخرجَ المعتكفُ من خلوتِه بقلبٍ غيرِ الذي دخلَ به، مُحلّقاً في آفاقٍ من الطمأنينةِ، التي لا تزول.
اللّهمَّ املأْ قلوبنا بالسكينةِ، وأَعتقْ رقابنا بفضلكَ، واجعلنا من المقبولينَ، الذين غفرتَ لهم ما مضى، وباركتَ لهم فيما بقي، ووفقتهم إلى صالحِ الأعمالِ، والنياتِ؛ ليكونَ حالنا في طاعتكَ، كما تحبُّ وترضى، وبمنّكَ وجودكَ يا أكرمَ الأكرمين.