د. إبراهيم نجم

الصهيونية المسيحية والجذور الدينية لحرب القرن على إيران

الإثنين، 09 مارس 2026 04:23 م


تقوم الحركة الصهيونية، في صورتها اليهودية والمسيحية، على حزمة من الافتراضات اللاهوتية والسياسية التي تَعرِضُ نفسها بوصفها امتدادًا مباشرًا لـ«إسرائيل التوراتية»، وبوصفها مشروعًا لا خلاص للعالم إلّا بتمكينه.  لكن الحرب الجارية اليوم ضد إيران كشفت، من جديد، أنّ هذه الافتراضات ليست مجرّد تأويلات دينية معزولة، بل تحوّلت إلى وقود أيديولوجي يغذي قرار الحرب لدى اليمين الإسرائيلي وحلفائه من الصهاينة المسيحيين في الولايات المتحدة، في سياق مشروع أوسع لإعادة تشكيل خريطة المنطقة بالقوة، على نحو يثير قلقًا متزايدًا.

أولًا: من «إسرائيل التوراتية» إلى الدولة الحديثة

الافتراض الأول الذي تبني عليه الصهيونية خطابها هو أنّ دولة الاحتلال القائمة منذ عام 1948 هي الاستمرار الطبيعي والشرعي لـ«إسرائيل» المذكورة في الكتاب المقدّس، وأنّها بذلك تتمتع بـ«حق إلهي» في الأرض من النيل إلى الفرات.  هذا التصور يغفل حقيقة تاريخية بديهية، وهي أن إسرائيل القديمة كانت، في السياق اليهودي، جماعة عهد ديني خاضعة لشريعة إلهية، بينما الكيان القائم اليوم هو دولة قومية حديثة ذات بنية علمانية، تقوم على المواطنة القومية لا على الانتماء للعهد الإلهي، وتُدار بمنطق المصالح الجيوسياسية والقوة العسكرية.

هذه المساواة المصطنعة بين «إسرائيل التوراتية» و«إسرائيل السياسية» تسمح للخطاب الصهيوني بدمج النص الديني في القرار العسكري، فيُقدَّم الاستيطان والضمّ والحروب بوصفها امتثالًا لأمر إلهي، لا باعتبارها سياسات قابلة للنقاش والنقد والمحاسبة.  ويمكّن هذا الدمجُ من تصوير أيّ اعتراض عربي أو دولي على الاحتلال والعدوان باعتباره اعتراضًا على «وعد الله»، لا على خرق القانون الدولي وحقوق الإنسان.

من جهة أخرى، يحاول هذا الخطاب إضفاء شرعية بأثر رجعي على مشروع استعماريّ ولد في أوروبا القرن التاسع عشر، في سياق قومي واستعماري معروف، ثم نُقل إلى فلسطين تحت المظلة البريطانية، قبل أن يتأمرك في العقود الأخيرة ويتشابك مع المشروع الاستراتيجي للولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

ثانيًا: خرافة «أرض بلا شعب» وتغييب الشعب الفلسطيني

واحدة من أكثر العبارات تكرارًا في الدعاية الصهيونية المبكرة هي شعار «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض»، الذي روّج لفكرة أن فلسطين كانت فراغًا جغرافيًا في انتظار «العودة» اليهودية.  هذا الشعار يتجاهل، عن عمد، وجود شعب فلسطيني وعربي متجذر في هذه الأرض منذ قرون، بثقافته وحضارته ومدنه وقراه، كما يتجاهل أن النكبة عام 1948 كانت حصيلة عملية تهجير قسري واسعة، وليست مجرد «تبادل سكاني» عابر.

التسويق لفكرة «الأرض الخالية» لم يكن مجرد خطأ نظري، بل كان مدخلاً لتبرير سياسات التطهير العرقي، وطمس الرواية الفلسطينية، وتحويل الضحية إلى «دخيل» أو «متسلل».  هذه البنية نفسها تُعاد اليوم في المقاربة الصهيونية للحرب على إيران: تصوير العدو بوصفه عائقًا أمام «تحقيق الوعد» و«السلام»، لا بوصفه دولة ذات سيادة لها مصالحها وحساباتها وحقوق شعبها في الأمن والتنمية.

ثالثًا: رفض الصهيونية ليس عداءً لليهود

من أخطر المغالطات التي تُروَّج غربيًا أنّ من يعارض الصهيونية يعادي اليهود بالضرورة، بينما الصهيونية، في جوهرها، أيديولوجيا سياسية قومية حديثة، وليست تجسيدًا للدين اليهودي أو ممثِّلًا لكل اليهود.  التاريخ نفسه يُظهر أن تيارات يهودية واسعة في أوروبا الشرقية والوسطى، علمانية ومتدينة، رفضت الصهيونية في بداياتها، ورأت فيها مشروعًا علمانيًا قوميًّا يختطف الدين ويوظفه لمصلحة مشروع استعماري.

حتى اليوم، توجد حركات يهودية دينية معروفة تعارض الصهيونية مبدئيًا، مثل «ناتوري كارتا» وبعض تيارات الحسيديين في ساتمار، التي ترى أن إقامة دولة يهودية قبل مجيء «المسيح» مخالفة للتراث الديني اليهودي نفسه.  هذه الجماعات تؤكد أن رفض سياسات الاحتلال والحروب والتوسع لا يعني بأي حال معاداة اليهود كديانة أو قومية، بل هو اعتراض على مشروع سياسي يستخدم الدين غطاءً لتبرير القوة.

هذا التفريق مهم في السياق المصري والعربي اليوم، حيث تحاول دعاية الحرب الحالية تصوير كل من ينتقد العدوان على غزة أو إيران أو يرفض التطبيع مع إسرائيل بوصفه «معاديًا للسامية»، في محاولة لإسكات أي صوت عربي مستقل يدافع عن سيادة المنطقة وحقوق شعوبها.

رابعًا: الصهيونية المسيحية.. من التفسير الديني إلى قرار الحرب

الصهيونية المسيحية تيار داخل بعض الكنائس الإنجيلية والبروتستانتية في الولايات المتحدة بالأساس، يرى أن قيام دولة إسرائيل عام 1948 واحتلال القدس عام 1967 هما علامات فارقة في «الزمن الأخير»، وأن دعم إسرائيل واجب ديني لتهيئة الأرض لـ«المعركة النهائية» Armageddon وعودة المسيح.

يرتكز هذا التيار على تفسير مخصوص لأسفار مثل حزقيال 38 و39 ورؤيا يوحنا، حيث تُقدَّم «فارس» القديمة (إيران اليوم) بوصفها طرفًا رئيسًا في «حرب جوج وماجوج»، أي الحرب الكونية التي تسبق مجيء المسيح.  ومن ثمّ يُعاد تأويل الصراع السياسي مع إيران، بما فيه من ملفات نووية وإقليمية، بوصفه مشهدًا في مسرح نبوءات آخر الزمان، لا مجرد نزاع سياسي قابل للتفاوض والتهدئة.

هذا التفسير لم يبق حبيس الكتب، بل دخل بعمق إلى بنية القرار السياسي الأمريكي؛ فشخصيات نافذة مثل مايك بنس في إدارة ترامب، ومعه رموز إنجيلية أخرى، حملت هذه الرؤية إلى البيت الأبيض، وجعلت من دعم إسرائيل وتصفية خصومها الإقليميين – وعلى رأسهم إيران – جزءًا من «واجب روحي» قبل أن يكون خيارًا استراتيجيًا.  ومع الوقت، تشكل تحالف متين بين اليمين القومي الصهيوني في إسرائيل، والمتدينين القوميين المسيحيين في الولايات المتحدة، على أرضية مشتركة: توظيف الدين لتبرير مشروع توسع جيوسياسي من المتوسط إلى الخليج.

خامسًا: الحرب على إيران… بين الجيوسياسة واللاهوت

الحرب الأمريكية–الإسرائيلية الجارية على إيران اليوم ليست مجرد ردّ عسكري محدود، بل حملة واسعة امتدت من الخليج إلى بلاد الشام، شملت ضربات جوية متكررة، وعمليات نوعية، وتوسيعًا لرقعة الاشتباك لتشمل لبنان ومناطق أخرى، كما تشير تقارير عديدة.  ورغم أن الخطاب الرسمي يقدّمها بوصفها «حربًا دفاعية» لمنع «تهديد نووي» و«حدًّا من نفوذ إيران الإقليمي»، فإن الخطاب الموازي لدى أوساط يمينية وصهيونية مسيحية يصوغها كجزء من معركة دينية، تمهيدًا لـ«نهاية التاريخ».

تقارير صحفية واستقصائية نقلت عن جنود وضباط أمريكيين أن بعض قادتهم يبررون لهم الحرب على أنها «خطة إلهية» لتهيئة عودة المسيح، وأن عليهم أن ينظروا إلى القتال ضد إيران باعتباره جزءًا من «حرب مقدسة» مذكورة في سفر الرؤيا.  في المقابل، لا يتردد قادة في اليمين الإسرائيلي، مثل بنيامين نتنياهو وحلفائه من اليمين الديني، في تصوير المواجهة مع إيران بوصفها «حرب نور على ظلام»، و«صراعًا روحيًا» يحرس «العالم الحر»، في توظيف مباشر للغة الديانة اليهودية والنبويّات لتسويغ العدوان.

هذا التزاوج بين الجيوسياسي واللاهوتي خطير للغاية، لأنه يحوّل الصراع من نزاع يمكن ضبطه بمعادلات الردع والتفاوض إلى «حرب مطلقة» يُطلب فيها الانتصار الكامل، لا التعايش ولا التسوية.  كما أنه يفتح الباب أمام تبرير ضربات أكثر قسوة ضد المدنيين والبنى التحتية، تحت شعار «تطهير الأرض» و«تحقيق الوعد»، وهي لغة سمعها العرب والفلسطينيون طويلًا منذ النكبة مرورًا بحروب غزة وصولًا إلى ما يجري اليوم.

سادسًا: موقع مصر في معادلة الحرب الحالية

بعيون مصرية، الحرب على إيران ليست حدثًا بعيدًا عن المنطقة، بل تطورًا يهدد بإعادة رسم خرائط القوة في الشرق الأوسط على نحو يمسّ الأمن القومي المصري مباشرة.  تقارير صحفية عربية ودولية أشارت إلى أن القاهرة تتابع بقلق بالغ الحجمَ غير المسبوق للقوة العسكرية التي تُستخدم ضد إيران، خشية أن يتحول تفكيك القوة الإيرانية إلى خطوة تمهيدية لفرض ترتيبات إقليمية جديدة تُهمِّش الدور المصري أو تُحاصِرَه جغرافيًا.

في هذا السياق، صدرت عن نخب سياسية وإعلامية مصرية رسائل واضحة تحذر من أن سقوط إيران أو إضعافها مفرطًا قد يفتح شهية إسرائيل للتوسع في اتجاه دول عربية كبرى، من بينها مصر ذاتها.  أحد البرلمانيين البارزين حذر صراحة من أنه «إذا سقطت إيران فستتجه أعين العدو الإسرائيلي إلى الدول الكبيرة في المنطقة»، فيما تحدث خبراء استراتيجيون مصريون عن احتمال سعي إسرائيل لترسيخ وجود عسكري على البحر الأحمر، في مناطق قريبة من الحدود الجنوبية المصرية، الأمر الذي يُعد خطًا أحمر بالنسبة للقاهرة.

على مستوى الشارع، تعكس شبكات التواصل الاجتماعي والمداخلات الإعلامية حالة تعاطف شعبي مع إيران في مواجهة العدوان، ليس تبنيًا كاملاً لسياساتها، بل رفضًا واضحًا لأي انتصار جديد للمشروع الصهيوني على حساب دولة إسلامية كبيرة، وإدراكًا لِما قد يجرّه ذلك من اختلال إضافي في ميزان القوى لصالح إسرائيل.  كثير من الأصوات اعتبرت أن أي هزيمة لإيران تمثل انتكاسة للعرب جميعًا، وأن انتصار المشروع الصهيوني–الأمريكي في هذه الحرب لن يعني استقرارًا، بل مزيدًا من الضغوط على مصر وسائر دول المنطقة.

سابعًا: الصهيونية المسيحية وإنتاج «حرب دينية» في الإعلام

منذ اندلاع الحرب على إيران، رصدت وسائل إعلام عربية ودولية تصاعدًا ملحوظًا في اللغة الدينية المستخدمة في الترويج للحرب، سواء في خطابات سياسيين أمريكيين أو قادة إسرائيليين أو إعلاميين مقربين من اليمين الإنجيلي.  تعبيرات مثل «معركة مع قوى الشر»، و«حرب بين شعب الله وأعداء الله»، و«تنفيذ مشيئة الرب في الشرق الأوسط»، أصبحت جزءًا من الخطاب العام في فضائيات وإذاعات وبرامج تتوجه مباشرة إلى قواعد إنجيلية واسعة في الولايات المتحدة.

هذا الخطاب يخاطب، في المقام الأول، جمهورًا مسيحيًا إنجيليًا في الداخل الأمريكي، يراد استنفاره خلف قرار الحرب، وإقناعه بأن إرسال الجنود والسفن والطائرات إلى الخليج ليس مجرد خيار سياسي، بل «اختبار روحي» و«طاعة لله».  في المقابل، تنظر النخب المصرية والعربية إلى هذه اللغة بوصفها محاولة خطيرة لـ«تديين» الصراع على نحو يُحوِّل المنطقة إلى ساحة حرب عقائدية مفتوحة، ويُلغِي أي مساحة للحلول السياسية، ويبرر استمرار النزيف في فلسطين ولبنان وسوريا والعراق واليمن، والآن في إيران، باسم «قدَر إلهي».

ثامنًا: أي إنجيل يدعم المشروع الصهيوني؟

من منظور مسيحي عربي – وهو منظور حاضر بقوة في الكنائس الشرقية وفي كتابات لاهوتيين عرب – تُطرَح أسئلة جوهرية حول مدى توافق الصهيونية المسيحية مع رسالة الإنجيل نفسها.  فالإنجيل، في جوهره، يدعو إلى السلام والعدل وكرامة الإنسان، ولا يقدم «شعبًا» واحدًا بوصفه صاحب امتياز مطلق فوق بقية الشعوب، بل يؤكد أن جميع البشر مدعوون إلى الخلاص، وأن معيار القرب من الله هو الإيمان والعمل الصالح، لا الانتماء العرقي أو القومي.

من هنا، تنتقد أصوات مسيحية عربية وغربية معًا ما تسميه «لاهوت الأرض الفارغة» و«لاهوت الحرب»، اللذين يحوّلان النصوص الدينية إلى ذرائع لاقتلاع شعب من أرضه، وقصف مدن بكاملها، وإبقاء شعب تحت الحصار والاحتلال لعقود.  وتذكّر هذه الأصوات بأن رفع شعارات «الكتاب المقدس» على فوهات المدافع والصواريخ لا يُكسب الحروب شرعية أخلاقية، بل يحمّل الدين نفسه وزرًا لا علاقة له بجوهر رسالته.

تاسعًا: رواية مصرية في مواجهة «تديين» العدوان

الرواية المصرية، كما تعكسها تحليلات خبراء ومسؤولين وإعلاميين، ترى أن ما يجري اليوم ليس «حربًا دينية» بين مسلمين ويهود أو بين سنة وشيعة، بل هو امتداد لمشروع استعماري–صهيوني يسعى لاستثمار الدين لتأمين السيطرة على مقدرات المنطقة، من موارد الطاقة إلى الممرات المائية والموقع الجيوستراتيجي.  من هذا المنظور، تبدو الصهيونية المسيحية حليفًا أيديولوجيًا للصهيونية اليهودية في هدف واحد: شرعنة الحروب والاحتلالات بوصفها جزءًا من «قدر إلهي»، لا خيارات سياسية قابلة للمساءلة والرفض.

مصر، التي دفعت ثمنًا باهظًا في حروبها مع إسرائيل، وتدرك بحسّ تاريخي عميق معنى التفوق العسكري الإسرائيلي غير المقيد، تنطلق في قراءتها للحرب على إيران من معادلة واضحة: أي توسّع جديد في القوة الإسرائيلية، وأي تحطيم لمحاور توازن القوة الإقليمية، يعني عمليًا تضييق الخناق على الدور المصري والعربي، وفتح الباب أمام سيناريوهات خطيرة في البحرين الأحمر والمتوسط، وفي سيناء وحدود غزة.

بهذا المعنى، يصبح نقد الصهيونية – اليهودية والمسيحية – في الخطاب المصري ليس مجرد موقف أيديولوجي، بل جزءًا من الدفاع عن الأمن القومي العربي، وعن حق شعوب المنطقة في أن تختار مستقبلها بعيدًا عن «نبوءات» تُكتَب في مراكز لاهوتية في الغرب ثم تُترجَم قنابل وصواريخ فوق رؤوس المدنيين في غزة وطهران وبيروت.

 
                                                                                                                          الدكتور إبراهيم نجم

                                                                                                                       مستشار مفتي الجمهورية

                                                                                                        الأمين العام للأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة