لم تعد جودة الخدمة الطبية رفاهية يمكن تأجيلها، بل أصبحت ضرورة وطنية تمس حياة المواطن بشكل مباشر، وفي قلب هذا التحول تقف هيئة الاعتماد والرقابة الصحية كأحد أهم أعمدة إصلاح المنظومة الصحية في مصر، عبر دورها المحوري فى وضع وتطبيق معايير دقيقة تضمن تقديم خدمة طبية آمنة وفعّالة داخل المستشفيات والمنشآت الصحية.
لقد أدركت الدولة المصرية مبكرًا أن تطوير البنية التحتية وحده لا يكفي، وأن بناء مستشفى جديد أو شراء أجهزة حديثة لا يحقق بالضرورة خدمة صحية متكاملة ما لم يصاحبه نظام صارم يضمن الجودة والسلامة ومن هنا جاء الدور الحيوي الذي تقوم به الهيئة في وضع منظومة متكاملة للاعتماد والرقابة، تقوم على معايير علمية واضحة تواكب أفضل الممارسات الدولية.
وفي هذا الإطار، لعب الدكتور أحمد طه دورًا مهمًا في قيادة هذا الملف الحيوي، حيث عملت الهيئة على إصدار معايير اعتماد للمستشفيات والمنشآت الطبية تتوافق مع المعايير العالمية، بما يضمن أن الخدمة الصحية المقدمة للمواطن المصري لا تقل جودة عن نظيراتها في الأنظمة الصحية المتقدمة ، هذه المعايير لا تركز فقط على كفاءة الطبيب أو توفر الأجهزة، بل تمتد لتشمل سلامة المريض، وإدارة المخاطر، ومكافحة العدوى، وجودة التمريض، وطرق إدارة الموارد داخل المنشآت الصحية.
والحقيقة أن أهمية هذه المعايير لا تقتصر على رفع مستوى الخدمة الطبية فحسب، بل تمتد أيضًا إلى معالجة واحدة من أكبر التحديات التي تواجه أي نظام صحي، وهي الهدر في الموارد فالمستشفى الذي يعمل وفق معايير واضحة للجودة تقل فيه الأخطاء الطبية، وتنخفض معدلات العدوى، ويُستخدم الدواء والمستلزمات بكفاءة أعلى، وهو ما ينعكس في النهاية على كفاءة الإنفاق الصحي ويضمن استدامة الخدمة.
إن ما تقوم به هيئة الاعتماد والرقابة الصحية يعكس بوضوح توجه الدولة المصرية في المرحلة المقبلة هو الانتقال من مجرد تقديم الخدمة إلى ضمان جودتها فحياة المواطن أصبحت محور السياسات الصحية، وهو ما يتجلى بوضوح في ارتباط منظومة الاعتماد بتطبيق منظومة الهيئة العامة للتأمين الصحي الشامل، التي تشترط حصول المنشآت الصحية على الاعتماد كأحد الشروط الأساسية للانضمام إلى المنظومة.
وهنا تبرز مسؤولية كبيرة على عاتق مقدمي الرعاية الصحية في مصر، سواء في المستشفيات الحكومية أو الخاصة أو المراكز الطبية، فالحصول على الاعتماد لم يعد خيارًا مؤجلاً، بل أصبح خطوة ضرورية لضمان الاستمرار داخل منظومة صحية حديثة تقوم على الجودة والمحاسبة والشفافية ، ولذلك فإن الإسراع في تأهيل المنشآت الطبية وفق معايير الهيئة يجب أن يكون أولوية لكل مؤسسة صحية تسعى إلى تقديم خدمة حقيقية وآمنة للمريض المصري.
كما أن دعم المجتمع الطبي والإعلامي لجهود هيئة الاعتماد والرقابة الصحية يمثل عنصرًا أساسيًا في نجاح هذه التجربة، فبناء ثقافة الجودة داخل المؤسسات الصحية يحتاج إلى وعي وتعاون من الجميع، بدءًا من الطبيب والتمريض، مرورًا بإدارات المستشفيات، وصولًا إلى صانع القرار.
إن الطريق نحو نظام صحي قوي لا يمر فقط عبر المستشفيات الكبيرة أو الأجهزة المتطورة، بل يبدأ أولًا من ترسيخ ثقافة الجودة والاعتماد. ومع استمرار جهود الدولة في تطوير القطاع الصحي وتطبيق منظومة التأمين الصحي الشامل، تصبح معايير الاعتماد التي تضعها هيئة الاعتماد والرقابة الصحية حجر الأساس لبناء منظومة طبية حديثة تليق بالمواطن المصري.
وفي النهاية، يبقى الهدف الأسمى هو أن يحصل كل مواطن على خدمة طبية آمنة وعادلة وعالية الجودة، وأن نصل إلى الصورة المثلى لمنظومة صحية تحقق ما تطمح إليه الدولة والمجتمع: حياة صحية كريمة لكل المصريين.