حازم حسين

عن اليوم التالى فى إيران

الأحد، 08 مارس 2026 02:00 م


خصومة نصف قرن، وما عرف الخصمان بعضهما. يكاد المراقب من بعيد أن يراهما طفلين يشتبكان بلا سبب ولا غاية.
ولو عُرِف الباعث أو المأمول؛ لتيسر الجزم بإيقاع الصراع ومحطة الوصول. غير أن الجولة تبدو بداية بلا نهاية، تنطفئ وتتقد بلا هوادة، ومن دون أى منطق أو تبرير.


أخذت الحرب سَمت الانفجار لا الحريق. بدأت من الذروة، واستنفدت أقصى طاقة فى مشاهدها الافتتاحية.


وكل ما تلا ذلك موجات ارتدادية، وبقايا غبار فى سماء الهضبة الفارسية، ودم طازج على وجه تمثال الحرية فى خليج نيويورك.
ذهب ترامب ولم يعد من هناك؛ لأنه سافر بلا خريطة، ولا يعرف طريق الرجوع.


وإذا كانت إيران حُبست خمسة عقود تحت عمامة المرشِدَين؛ فدولة المؤسسات الأمريكية تبعتها فى الشمولية وحُكم الفرد، وصارت ترتهن لإرادة شخص لا يبرر مواقفه، ويُؤسّسها على الذاتية لا الموضوعية.


ورث اتفاقا نوويا بين البلدين؛ فأسقطه، ثم سعى بعد سبع سنوات لإحيائه.

أضاف شروطا تتصل بالصواريخ والميليشيات، وتقبل الجلوس لطاولة التفاوض على نقطة وحيدة، وبعدها ضم القدرات البحرية لباقة الأهداف.
يقول ويعود عما قال، ويطلب ثم يضاعف ثم يقبل بالأقل.


سبق أن وجه ضربة للمنشآت النووية بالصيف الماضى. وادّعى وقتها أنه دمر المشروع، أو أعاده عقودا للوراء.
وإذ يعود للقتال على المسألة؛ فلأنه كان يكذب فى القديم، أو يُضمر غير ما يُعلن فى الجديد.
وفى الحالين، يُقبل على بيئة مجهولة له، بأفكار نابعة من أوهامه عن نفسه، أكثر من اتصالها بالواقع وحقائقه.
يشترط الاستسلام غير المشروط، ويرد نظيره مسعود بزشكيان؛ بأنها أحلام ستصحبه للقبر، أى دونها الموت، مُعجّلا على مذبح الحرب، أم طبيعيًّا بعد عُمرٍ غير طويل!
والتناظر بين الرجلين على سبيل المشاكلة الظاهرة؛ إنما ليس حقيقيا فى الجوهر. ترامب يتقدم صفوف جبهته، وغير قانع بما لديه من صلاحيات؛ فيسعى لزيادتها.


أمَّا الرئيس الإيرانى فلم يكن الرجل الأول فى حياة المرشد، ولا بعد مماته. كان نصف الصورة نظريًّا؛ وتقلص إلى الثُلث.
اعتذر باسم مجلس القيادة المؤقت، عن الاعتداء الممتد منذ أسبوع على دول الجوار. قال إن القوات المسلحة اتخذت القرار ميدانيا فى غيبة القيادة.


شىء شبيه جرى فى لبنان؛ إذ فوجئت قيادة حزب الله بإطلاق القذائف؛ فأنكرتها ابتداءً، ثمّ غطّتها لاحقا.
الحرس الثورى يفعل بطهران ما يفعله بضاحية بيروت، ولا ضمانة لتعديل سلوكه. الالتزام تجاه المرشد عقائدى لا دستورى.
إيران بلدٍ يُبنَى من أعلى، لا كبقية البلدان. لدى الأخيرة ينشأ النص من أسفل/ الاجتماع، ولتنظيمه؛ أما الجمهورية الإسلامية فالمرشد أوّلاً وأخيرًا، والنصوص زخارف وحِليات.


مُجتبى فى طليعة المُرشحين لخلافة والده، ويرفض الولاية كما يتردد داخليًّا؛ والرفض عن خشيةٍ غالبًا.
راهن الصقور على الوقت، وصبر صانع السجاد ومهارة بائع البازار. انزلقوا بموافقتهم إلى الفخ؛ وبدلاً من محاولة الخروج، طوّحوا نيرانهم فى كل اتجاه؛ لرفع الكلفة على الجميع. خسروا التعاطف، وأكدوا سوء الظنون.
والوضع بالغ التركيب. ما سقط النظام ولا سيسقط بطريقة الغُزاة، وليس فى حال طبيعية أيضًا.
طرف قوى مع عجز، وآخر هشّ مع قدرة على البقاء. لا هُزِمَت إيران، ولا خرجت سالمة.
تخطّى الغريمان حلبة القتال إلى اليوم التالى. ستعلو الوتيرة حينًا وتخفت؛ لكن الحرب أقرب إلى إغلاق دفترها.
للملالى حصّتهم من كل شىء، حتى الأجهزة. تناقضات الداخل عالية بين الجيش والحرس، وداخل كل منهما، وفى الحوزة بين العمائم السوداء المُنسّبة لآل البيت، والبيضاء التى تُمارَس عليها عنصرية مقلوبة من عنصرية ترامب فى بيئته.
الذين أداروا الميدان خارج الإرادة السياسية، كما قال بزشكيان، قد يُكررونها.
اللعب بأوراق الأقليات، لا سيما الأكراد، رهان خَطِر، ويتضاد مع مصالح قوى إقليمية كتركيا، والمصلحة الأمريكية نفسها.
وسيد البيت الأبيض يُريد المشاركة فى اختيار المٌرشد، وملائكة الثورة الإسلامية، قطعا، لهم حدود فى الرضوخ للشيطان الأكبر.
لم تنجرف إيران لخيار شمشون كما يرى البعض. تسخن الأدمغة تحت الضغط؛ إنما بحساب.


تقلّصت وتيرة الصواريخ لأنها عاجزة عن الإيذاء. يُمنّون أنفسهم بوقف القتال قريبا، ويتحسّبون للعكس. ويكفيهم صاروخ واحد قبل الاتفاق؛ لأنهم يربحون بألا ينتصر الخصوم.


طرفان غبيان، وفى الغباء يتساوى الظالم والمظلوم.. ويتوقفان ويعودان غالبًا؛ وفى كل مرة كأنها الأولى.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة