تمسك الريشة بيد وتحتضن الخوف بالأخرى.. الفنانة الفلسطينية عبير جبريل من عجز الإمساك بالقلم إلى الرقص على الركام.. وتؤكد لـ"اليوم السابع": أردت تفريغ كل آلامي في لوحاتي وجميع مشاريعي تدور حول شخصية راقصة الباليه

الأحد، 08 مارس 2026 09:00 م
تمسك الريشة بيد وتحتضن الخوف بالأخرى.. الفنانة الفلسطينية عبير جبريل من عجز الإمساك بالقلم إلى الرقص على الركام.. وتؤكد لـ"اليوم السابع": أردت تفريغ كل آلامي في لوحاتي وجميع مشاريعي تدور حول شخصية راقصة الباليه الفنانة التشكيلية الفلسطينية عبير جبريل

حوار / أحمد عرفة


<< لم أعد إلى الرسم إلا عندما شعرت بأنها فرصة للنجاة النفسية
<< نحن لم تتح لنا فرصة نسيان الحرب من الأساس لأنها لم تنته فعليا
<< لم أستطع الإمساك بالقلم رغم أنني اشتريت دفترا وأقلاما
<< تلقيت اتصالا هاتفيا داخل غزة أُبلغت فيه باختياري ضمن مشروع فني إسباني
<< منذ السابع من أكتوبر تركت بيتي ومر عامان كاملان وأنا نازحة
<< أنا أما لأربعة أطفال والخوف يسبقني في كل خطوة
<< فقدت الوزن بشكل غير طبيعي بسبب التجويع
<< كنا مقتنعين أن هذه الحرب ستكون القاضية علينا
<< خرجت من دائرة الاكتئاب وعدت إلى الفن بعد شهور من الحرب
<< المشروع الإسباني أتاح لي إنتاج أعمال جديدة خلال الحرب
<< كنت أريد أن أرسم في بيتي فقط وعلى أرضي
<< اخترت لمشروعي الفني عنوان "الرقص على الركام" والراقصة تعيش في غزة

 

 

 لا يقاس الزمن بالساعات ولا بالأيام في غزة، بل بعدد الصواريخ التي تمر فوق الرؤوس، ومقدار الخوف الذي يسكن القلوب، وكم الفقد الذي يراكمه الإنسان في ذاكرته حتى يثقل روحه، داخل القطاع لا تنتهي الحروب بإعلانات رسمية، ولا يهدأ الموت بتوقيع اتفاقات، فالحرب تتحول إلى حالة دائمة، والنجاة تصبح فعلا يوميا مؤقتا ومؤجلا حتى إشعار آخر.

وسط هذا الركام الممتد من البيوت إلى الأرواح، تحاول الفنانة الغزية أن تحمي ما تبقى من إنسانيتها، وتنقذ الفن من الغرق في العدم، فبين نزوح متكرر، وأمومة مثقلة بالخوف، وتجويع ممنهج، وفقدان لا يتوقف، وجدت نفسها أمام أسئلة وجودية قاسية وهي هل للفن مكان حين يصبح البقاء نفسه معركة؟ وهل يمكن للريشة أن تصمد أمام الطائرة، وللألوان أن تنافس لون الدم؟

هذا الحوار ليس شهادة فنية تقليدية، بل هو سيرة ألم مكتوبة على هيئة أسئلة وأجوبة، ترويها امرأة عاشت الحرب لا كخبر عابر، بل كحياة كاملة أعيد تشكيلها بالقوة، فهنا تتقاطع التجربة الشخصية مع الوجع الجمعي، وتتحول اللوحة من مساحة جمالية إلى وثيقة، ومن فعل إبداعي إلى صرخة، ومن رقص على مسرح إلى "رقص على الركام".

الفنانة التشكيلية الفلسطينية عبير جبريل، أحد أسماء الفنانات الفلسطينيات اللاتي وردن أسمائهن في كتاب "زنبقات غزة"، والذي يمثل شهادة فنية وإنسانية نادرة، توثق الحرب من زاوية مختلفة، حيث المرأة الفلسطينية الفنانة التي واجهت القصف والجوع والنزوح باللون والخط والذاكرة، وضم أعمال فنانات من القطاع واصلن الرسم خلال الحرب، لا بوصفه ترفا أو ممارسة جمالية معزولة عن الواقع، بل كفعل مقاومة وبقاء، ومحاولة يائسة لحماية ما تبقى من الروح وسط الدمار الشامل، وفي لوحاته، تتحول الألوان إلى لغة بديلة عن الكلمات، وتغدو المرأة الغزية شاهدة وموثقة، لا تنقل مشاهد الخراب فقط، بل تعكس ثقل التجربة الإنسانية بكل ما حملته من خوف وفقدان وأمومة مثقلة وطفولة مسلوبة.

الفنانة عبير جبريل
الفنانة عبير جبريل

 

تفتح عبير جبريل، قلبها قبل مرسمها، وتعيد سرد حكاية النزوح، والاكتئاب، والأمومة تحت القصف، والطفولة المسروقة، والمجاعة، والفقد، والعودة إلى بيت نجا بأعجوبة من الدمار، كما تكشف كيف انتقلت من العجز عن الإمساك بالقلم إلى تحويل الألم إلى مشروع فني عابر للحدود، وكيف أصبحت راقصة الباليه في لوحاتها مرآة لامرأة غزية محاصرة، قوية من الداخل، مكسورة من الخارج، لكنها ما زالت واقفة.

في هذا الحوار، لا نتحدث عن الفن بوصفه ترفا، بل وسيلة للبقاء والمقاومة، ومحاولة أخيرة لتثبيت الذاكرة في وجه محاولات الطمس والإنكار، هو حوار عن القطاع كما يُرى من داخلها، لا كما يُعرض في نشرات الأخبار، غزة التي تُرسم بالرماد، وتُكتب بالوجع، وتُحكى بصوت امرأة قررت أن تظل شاهدة، حتى وإن سافرت لوحاتها وبقيت هي في السجن الكبير، فهي ليست قصة فنانة فقط، لكن حكاية مدينة بأكملها، تُروى عبر ريشتها، وإلى نص الحوار ..

الفنانة عبير جبريل مع إحدى لوحاتها الفنية
الفنانة عبير جبريل مع إحدى لوحاتها الفنية

 

في البداية.. حدثينا عن تجربتك كفنانة مع الحرب في غزة؟

نحن لم تتح لنا فرصة نسيان الحرب من الأساس، لأنها فعليا لم تنته، فالاغتيالات ما تزال مستمرة، والقصف يتكرر يوميا، وحتى هذه اللحظة أسمع صوت الطائرات المسيرة التي لا تغادر سماءنا، تراقب كل شيء من فوق رؤوسنا، وأي شخص مستهدف، وأي فرصة تراها إسرائيل سانحة، تقابلها باغتيال فوري، لذلك يمكنني القول إن الحرب ما زالت قائمة، والموت حاضر فوق رؤوسنا وبيننا، والإنسان يمشي في الشارع وهو لا يعلم إن كان سيعود سالما أم أن صاروخا سيسقط عليه فجأة، لهذا، فالعدوان لم تنته حتى الآن.

كيف انعكست الحرب على حياتكِ الشخصية وعلى عائلتكِ؟

تبدلت حياتنا رأسا على عقب، كنت أنتمي إلى عائلة ميسورة الحال، نعيش حياة مستقرة وسعيدة في غزة، ولم نكن نفتقد شيئا، لكن فجأة، ومنذ السابع من أكتوبر، اضطررت إلى مغادرة منزلي، فأنا أم لأربعة أطفال، ومنذ ذلك اليوم تركت بيتي، ومر عامان كاملان وأنا نازحة، لا أعلم إن كنت سأعود يوما لأجد منزلا قائما من الأساس أم لا، كنا نطمئن من حين لآخر على العمارة، لكن لم تكن هناك ثقة حقيقية بأن البيت ما زال موجودا، فحجم الدمار الذي بلغته غزة كان كارثيا، ويفوق قدرة العقل على التخيل.

ماذا عن حالتك النفسية خلال الحرب؟

وصلت إلى مرحلة من الاكتئاب والخوف والرعب دفعتني إلى رفض عروض عمل كثيرة، كنت أخشى الخروج من المنزل، أخاف أن أموت وحدي، أو أن يصيب أطفالي مكروه وأنا بعيدة عنهم، كان هاجسي الدائم أن الموت قادم لا محالة، وأننا جميعا سنموت، كنا مقتنعين أن هذه الحرب ستكون القاضية، وأن ما يحدث هو حرب إبادة حقيقية بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

الفنانة التشكيلية عبير جبريل
الفنانة التشكيلية عبير جبريل

 

كيف تمكنتِ من ممارسة فنكِ خلال العدوان في ظل النزوح والدمار الهائل؟

في بداية الحرب لم يكن الفن حاضرا في تفكيري إطلاقا، كل ما كنت أفكر فيه هو أن نموت معا، أنا وأطفالي، فهذا كان هاجسي الوحيد، لم أفكر بالفن نهائيا، بل كنت أعتبره نوعا من الرفاهية التي لا مكان لها في ظل القصف والخوف، كما لم يخطر ببالي الإبداع أو العمل الفني، فقد انحصر تفكيرنا في كيفية الهروب من الصواريخ، والابتعاد عن الدمار، والبحث عن الأمان، وتأمين الطعام للبقاء على قيد الحياة.

كيف كنتِ تنظرين إلى زملائك الفنانين الذين واصلوا الرسم في الأيام الأولى من الحرب؟

كان الأمر بالغ الصعوبة بالنسبة إلي، كنت أستغرب حقا كيف استطاع بعض الفنانين الرسم في تلك الظروف القاسية، ففي داخلي رغبة صادقة في أن أرسم، لكنني لم أكن قادرة على ذلك إطلاقا، لم أستطع الإمساك بالقلم، رغم أنني اشتريت دفترا وأقلاما بنية الرسم، كانت الأفكار مزدحمة في رأسي، لكنها بقيت مشوشة وغير قابلة للترتيب، ولم أتمكن من تحويلها إلى خطوط على الورق.

هل كان للحرب أثر مباشر في تأخير أعمالكِ الفنية؟

نعم، وبشكل كبير، فخلال الحرب، لم يكن الفن أولوية، بل كان التحدي الحقيقي هو البقاء على قيد الحياة، كنا أشبه بغابة تشتعل فيها النيران، حيث يحترق كل ما فيها بلا استثناء، وهكذا كان حالنا في غزة؛ قصف متواصل على مدار الساعة، وصواريخ لا تتوقف، وخوف دائم من الحركة أو الخروج، ولم يكن أحد يعرف مصير من حوله، وكان كل خروج من المنزل محفوفا باحتمال عدم العودة، وهذه التجربة لا يمكن أن يفهمها إلا من عاشها، نحن أهل غزة فقط.

الفنانة عبير جبريل ترسم لوحة فنية
الفنانة عبير جبريل ترسم لوحة فنية

 

كيف تصفين تجربة النزوح؟

منذ السابع من أكتوبر، وطوال أيام الحرب لم أعد إلى منزلي ، وكنت أتنقل في المناطق الجنوبية من غزة، في تلك الأيام، طُلب منا التوجه جنوبا، فانتقلنا إلى رفح منذ اليوم الأول، لم يكن ذلك هروبا بقدر ما كان حالة من التيه وعدم اليقين، كنت أما لأطفال صغار، والخوف يسبقني في كل خطوة، فلا أحد يمكنه الادعاء بأنه لا يخاف من الحرب، فهي أبشع ما قد يمر به الإنسان في حياته، وخلال الأشهر الأولى، تجمدت مشاعري تماما، وأصبح التفكير في الرسم أو الإمساك بقلم أشبه بالخيال المستحيل.

متى بدأت فكرة العودة إلى الرسم خلال الحرب؟

في بداية الحرب كان الأمر شبه مستحيل، خاصة أن لدي طفلا رضيعا كان في العاشرة من عمره أشهر فقط عند اندلاع الحرب، وكان زوجي منشغلا بالعمل معظم الوقت، فكنت أتحمل مسؤولية الأم والأب معا داخل المنزل، لذلك، لم يكن الفن حاضرا في ذهني إطلاقا، وكان هذا هو الواقع، لكن بعد مرور عدة أشهر، شجعتني إحدى صديقاتي على الخروج من دائرة الاكتئاب والعودة إلى العمل، واقترحت علي استئناف تقديم الأنشطة الفنية للأطفال، وهي أنشطة غير منهجية تعتمد على العلاج بالفن، وكنت أعمل بها سابقا في مؤسسة خيرية، شعرت حينها بأنها فرصة حقيقية للنجاة النفسية، فوافقت.

كيف بدأتِ تنفيذ هذه التجربة الفنية؟

بسبب خوفي من التنقل والحركة، كنت أستقبل الأطفال في منزلي، جمعنا عددا كبيرا من الأطفال، وبدأنا بتنفيذ العديد من اللوحات، حيث أنجز كل طفل لوحة خاصة تعبر عن تجربته مع الحرب.

هل كانت لوحاتك ولوحات الأطفال تعكس مشاعرهم ومعاناتهم خلال العدوان؟

بصراحة، كانت الأعمال متميزة للغاية، وتحمل عمقا إنسانيا كبيرا، عبرت عن الأطفال، والحرب، وعن أدق تفاصيل الحياة التي عشناها تحت القصف، حيث رسم الأطفال معاناتهم في البحث عن الطعام، وكيف كنا نملأ المياه، وكيف كنا ننتظر وصول المساعدات، لقد وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها الانتظار جزءا من حياتنا اليومية، وكانت لوحاتهم شهادة صادقة على ذلك الألم.

إحدى لوحات الفنانة عبير جبريل خلال الحرب
إحدى لوحات الفنانة عبير جبريل خلال الحرب

 

كيف حاولت أن تعبر لوحاتك الفنية عن حجم المعاناة؟

نحن، للأسف، نعيش على المساعدات الإنسانية، وقد نشأ أطفالنا وسط مشاهد لم يكن من المفترض أن يروها أو يختبروها في هذا العمر، حيث طفل يخرج ليملأ المياه، وآخر يحمل صندوقا ثقيلا يفوق قدرته، وطفل يركض بحثا عن كيس طحين، وهذه تفاصيل قاسية عاشها الأطفال يوميا، وكان من الصعب للغاية عليهم تحملها، لذلك حرصت في لوحاتي الفنية على أن أنقل هذه المشاهد كما هي، وأن أجعل من الرسم مساحة تعكس معاناتهم الحقيقية وحياتهم اليومية تحت الحرب.

هل نظمت معارض فنية خلال فترة الحرب؟

لم أنظم معرضا فنيا خاصا بي خلال الحرب، لكننا قمنا بتجهيز معرض لأعمال الأطفال، وقد أقيم خارج غزة بالتعاون مع إحدى المؤسسات الخيرية، فلم يكن المعرض لي على المستوى الشخصي، لكنه شكل بالنسبة لي علاجا نفسيا حقيقيا في تلك المرحلة الصعبة.

كيف شكلت المعارض علاجا لكِ على الصعيد النفسي؟

كنت أتعافى روحيا من خلال هذه التجربة أكثر مما كان الأطفال أنفسهم، شعرت بسعادة عميقة لأنني أساعدهم، وأرسم معهم، وأراهم يعبرون عن أنفسهم عبر الألوان، كنت أستمتع بهذه اللحظات ربما أكثر منهم، وهذه نقطة بالغة الأهمية؛ فقد ساهمت هذه التجربة بشكل كبير في علاجي النفسي خلال الحرب، واستمر أثرها حتى بعد عودتي إلى منزلي.

إحدى لوحات الفنانة عبير جبريل
إحدى لوحات الفنانة عبير جبريل

 

هل تعرضتِ أنتِ وعائلتك للتجويع؟

التجويع كان تجربة جماعية عشناها جميعا دون استثناء، فقدنا الكثير من الوزن بشكل غير طبيعي، حتى إنني سُجلت ضمن الحالات التي تعاني من نقص حاد في الوزن، وكنت بحاجة إلى مكملات غذائية، وكثيرون مروا بالتجربة ذاتها.

كيف تصفين هذه التجربة؟

رغم محاولاتنا المستمرة لتوفير الطعام لأطفالنا، فإن السؤال الحقيقي كان "ما هو هذا الطعام؟"، كان يقتصر في الغالب على المعلبات، كالفول والحمص، أما الفواكه، فلم تدخل إلى حياتنا إلا بعد وقت طويل، وبأسعار خيالية لا يقدر عليها الجميع، في ظل انعدام القدرة المادية لدى معظم الناس، كان إطعام الأطفال معجزة يومية، وكنا نعيش اليوم بيومه، والساعة بساعتها، لا نعلم إن كنا سننجو إلى الغد، أو إن كانت هذه الليلة ستمر دون صواريخ فوق رؤوسنا.

هل فقدت أحدا من أحبائك خلال العدوان؟

نعم، فقدت أعزاء كثر، كما هو حال كل بيت في غزة، حيث استشهد عمي في منزله داخل القطاع، إذ لم يغادر إلى الجنوب، كما فقدت شقيقة زوجي، حيث قُصف منزل عائلتها وهم بداخله، فاستشهدت هي وأطفالها وحماتها وأحفادها، فهناك عدد كبير من أفراد العائلة ارتقوا شهداء، قرابة ستة أشخاص دفعة واحدة، لا يوجد منزل لم يفقد عزيزا، فالفقد كان عاما وشاملا.

لوحة تشكيلية لعبير جبريل
لوحة تشكيلية لعبير جبريل

 

كيف كانت عودة أسرتك إلى المنزل بعد توقف الحرب؟

عندما أُعلن عن إمكانية العودة إلى غزة، كنا من أوائل العائدين، خاصة بعد أن علمنا أن منزلنا ما يزال قائما، أن يعود الإنسان ليجد بيته موجودا في مدينة دُمر نحو 90% منها، كان أشبه بالمعجزة، وانطلقنا فورا، رغم معاناة الطريق التي استمرت قرابة 72 ساعة، قضيناها في النوم على الطرقات، رغم أننا كنا نملك سيارة، وكانت رحلة مليئة بالإذلال والتعب الذي لا يوصف، لكن فرحتنا بالعودة إلى بيتنا جعلتنا نتحمل كل شيء، كنا نعلم أننا سنعود إلى غزة مختلفة، مدمرة ومليئة بالركام، وليست كما عرفناها سابقا، لكنها تبقى هي بلادنا التي نحبها.

هل فقدت شيئا من مقتنياتك الثقافية أو أعمالك الفنية خلال الحرب؟

الحمد لله، عندما عدنا إلى منزلنا وجدناه قائما مع أضرار طفيفة فقط، كانت أعمالي الفنية موجودة، وأدواتي، وألواني، ومرسمي، وكل التفاصيل التي أعتز بها، كنت محظوظة إلى حد كبير بأن كل ذلك بقي سالما.

لوحة فنية تشكيلية للفنانة الفلسطينية عبير جبريل
لوحة فنية تشكيلية للفنانة الفلسطينية عبير جبريل

 

هل شجعتك عودتك إلى منزلك على زيادة إنتاجك الفني؟

نعم، بشكل كبير.

كيف؟

كان لدي شغف داخلي قوي بالرسم، لكنني كنت أقول دائما إنني أريد أن أرسم في بيتي فقط، في مرسمي، وعلى أرضي، لم أرغب في الرسم وأنا نازحة في بيوت الآخرين، في أماكن لا تشبهني ولا تشبه حياتي، كان لدي يقين داخلي غريب بأنني سأعود إلى بيتي، رغم أنني لم أعرف من أين جاء هذا اليقين، لكنه كان راسخا في داخلي، وفعلا، توقفت الحرب، وعدت إلى غزة، وعدت إلى منزلي، وكان هذا اليقين في مكانه الصحيح.

لوحة فنية لعبير جبريل
لوحة فنية لعبير جبريل

كيف تم اختيار أعمالك الفنية للمشاركة في معارض فنية دولية؟

كان ذلك بمثابة حظ سعيد وسط كل هذا الألم، حيث تلقيت اتصالا هاتفيا وأنا داخل غزة أُبلغت فيه باختياري ضمن مشروع فني إسباني، يتيح لي إنتاج أعمال فنية جديدة خلال الحرب، شعرت حينها بأنها بادرة أمل حقيقية، وفرصة لأن أنجز الأعمال التي كنت أحلم برسمها أثناء النزوح، ولم أستطع، كل ما عشته خلال الحرب أردت أن أُخرجه اليوم عبر لوحاتي، فبدأت في كتابة مشروعي الفني الخاص، واخترت له عنوان "الرقص على الركام"

حدثينا عن تفاصيل هذا المشروع الفني؟

جميع مشاريعي الفنية تدور حول شخصية راقصة الباليه، فهي حاضرة في كل أعمالي، لكن ليس بالشكل التقليدي المعروف عالميا، فراقصة الباليه التي أقدمها تعيش في غزة، هي فتاة غزية لا ترقص على موسيقى هادئة، ولا تؤدي حركاتها على خشبة مسرح نظيفة ومهيأة، فراقصة الباليه، كما يعرفها العالم، تحتاج إلى موسيقى، وشرائط حريرية، ومساحة خالية من العوائق، أما هذه الراقصة، فهي تعيش في بيئة تمارس ضدها أشكال متعددة من العنف، سواء عنف سياسي، وعنف مجتمعي، وحروب متكررة، وقضايا تخنق حياتها، لذلك، فهي ليست راقصة باليه كما يتخيلها الآخرون، بل تنتمي إلى عالم آخر، عالم اسمه سجن غزة، ولهذا، فإن الرقصة التي أرسمها في كل عمل تحمل خصوصية شديدة، وتعكس واقعا مختلفا كليا.

لوحة فنية للفنانة عبير جبريل
لوحة فنية للفنانة عبير جبريل

 

ما الذي تغير في حياتك الفنية والأدبية بعد العدوان مقارنة بما قبله؟

بالتأكيد تغيرت لوحاتي عما كانت عليه قبل الحرب، لكنني لم أكن قادرة على إدراك حجم هذا التغيير إلا عندما بدأت الرسم فعليا، كان حصولي على المشروع الإسباني فرصة حقيقية لاكتشاف هذا التحول، اخترت عنوان "الرقص على الركام"، دون أن أكون على دراية مسبقة بكل التفاصيل التي سأرسمها، وأثناء النزوح، كنت أدون نقاطا وأفكارا لأعمال سأرسمها عند عودتي إلى منزلي، وكتبت أنني أريد العمل على موضوع المجاعة والمعلبات، فحياتنا أصبحت قائمة على الطعام المعلب فقط، علب لحم، وعلب سردين، وفول، وحمص، وفاصولياء، وبامية، كل شيء تحول إلى علب، وأصبحت حياتنا نفسها معلبة، كما عملت على لوحات تتناول البيوت المدمرة والركام، وأخرى توثق مشاهد قاسية رأيناها مرارا، لأطفال استشهدوا داخل منازلهم وبقيت أجزاء من أجسادهم عالقة بين الجدران، دون قدرة على انتشالهم أو دفنهم، كانت مشاهد موجعة، لكنها جزء من الواقع الذي عايشناه.

كيف سعيتِ إلى توثيق جرائم الاحتلال من خلال لوحاتك؟

ركزت في أعمالي على الحالة النفسية التي وصلنا إليها، حالة إنهاك كامل، نكون فيها عاجزين عن الفعل، وفي الوقت نفسه غير قادرين على الجلوس أو الراحة، نحن في حالة وقوف دائم بين الصمود والرغبة في الاستسلام للراحة، هذه الحالة النفسية معقدة، يصعب وصفها أو أن يفهمها من لم يعشها، وأنجزت نحو تسعة أعمال فنية خلال الحرب ضمن المشروع الإسباني توثق جرائم الاحتلال، ولم تعرض هذه اللوحات بعد، لكنها كانت فرصة كبيرة لأن أرى كيف تغيرت "عبير" قبل الحرب و"عبير" خلالها، فالراقصة ما زالت موجودة في أعمالي، لكنها تغيرت.

لوحة للفنانة عبير جبريل رسمتها خلال الحرب
لوحة للفنانة عبير جبريل رسمتها خلال الحرب

 

كيف انعكس هذا التغيير على لوحات رقص الباليه تحديدا؟

تغيرت ملامحها، فلم تعد بالقوة نفسها التي كانت عليها من قبل، ربما أصبحت بحاجة إلى من يسندها، ربما أنهكها طعام المعلبات، وربما تحول جسدها إلى أجزاء متناثرة تحاول السير فوق طرق كانت يوما ما مألوفة، ثم تحولت إلى ركام، ومرت بتجارب قاسية أثرت في نفسيتها، ومع ذلك، ما زالت قوية، وما زالت جميلة، وما زالت حرة من الداخل، حتى وإن لم تكن حرة في الواقع الخارجي.

ما الفرق بين نكبة عام 1948 وما يحدث في غزة اليوم؟

مما سمعته عن نكبة عام 1948، أشعر أن ما نعيشه اليوم أشد قسوة وبشاعة، كل ما قرأناه أو سمعناه عن الماضي حدث معنا، لكن على نطاق أوسع وبأساليب أكثر وحشية، مع تفنن غير مسبوق في الإجرام، وهناك أشياء يصعب وصفها، وأحيانا أصل إلى مرحلة لا أريد فيها أن أتذكر أو أتحدث عما رأيته.

كيف استطاعت المرأة الفلسطينية الصمود في وجه آلة القتل منذ النكبة؟

جميع أعمالي الفنية تتناول المرأة الفلسطينية أو الفتاة الغزية، قبل الحرب وخلالها وحتى اليوم، لكن الحقيقة أن الحرب ألغت الفروق، لم يعد هناك طفل ولا امرأة، الجميع عانى، الطفل فقد طفولته وحمل أعباء الحياة، والمرأة اضطرت إلى أداء أدوار لم تتخيل يوما أنها ستقوم بها، ففي زمن الحرب، أصبح الجميع رجالا بالمعنى القاسي للكلمة، حيث طفلة تحمل جالون ماء ثقيل، تصعد به الدرج، ثم تنتظر دورها للحصول على الطعام لتطعم إخوتها، أي طفولة هذه ! كانت المشاهد موجعة إلى درجة أنني كنت أتجنب الخروج من مكان نزوحنا حتى لا أراها، لأن نفسيتي كانت تتأثر بسرعة، وربما يكون الفنانة أكثر حساسية من غيرها، ولذلك كان تحمل هذه المشاهد بالغ الصعوبة.

ما الطرق التى سعى من خلالها الاحتلال لطمس الثقافة والهوية الفلسطينية؟

الاحتلال تعمد استهداف الهوية الفلسطينية، والفن، والتاريخ، فقد دمر عددا هائلا من المواقع التاريخية والثقافية والفنية في القطاع، كنا نسير في شوارع المدينة بحسرة على ما تهدم، الجامع العمري، وقصر الباشا، ومركز القطان الثقافي الذي كان يحتضن معارض ومسرحيات وأنشطة للأطفال والكبار، فالمشهد الثقافي دمر فعليا، لم يتبق سوى عدد محدود من المراكز، وربما مركز القطان هو الوحيد الذي ما زال يدعم أنشطة الأطفال، غزة لم تُدمر عمرانا فقط، بل دُمرت ثقافيا وفكريا، وكان واضحا أن الهدف هو طمس هويتنا بالكامل.

كيف يواجه الفلسطينيون عبر الفن مخططات التهجير القسري؟

المفترض ألا يحدث تهجير، لكن المشكلة أن عددا كبيرا من المثقفين والمتعلمين اضطروا إلى مغادرة البلاد، والمشهد الثقافي والفني في غزة اليوم صعب للغاية، وما زال هناك فنانون، لكن الحقيقة المؤلمة أن أي فرصة للسفر قد تدفعهم للمغادرة، في ظل غياب أي أفق واضح للمستقبل.

ما المطلوب من مثقفي العالم لنصرة القضية الفلسطينية؟

أشعر أن هناك مؤامرة كبرى، لا أحب الخوض في السياسة، لكن الواضح أن ما يسمى بحقوق الإنسان، وحقوق الطفل، وحقوق المرأة، تحول إلى شعارات فارغة، كل ما درسناه وعلمناه للأطفال في المؤسسات والجامعات تبين أنه غير موجود على أرض الواقع، في غزة، لا حقوق لأحد، لا للطفل، ولا للمسن، ولا للمريض، ولا حتى للشهداء، حتى القبور لم تحترم، هذه الحقيقة أكبر من أي فنان، وأكبر من أي تقرير صحفي .

هل ترين الفنانين الفلسطينيين قادرون على توثيق ما يحدث ليكون وثيقة للأجيال القادمة؟

نحاول، أنا وزملائي الفنانين، أن نقول للعالم، نحن هنا، ما زلنا نعيش، نرسم، نعمل، ونحاول أن نُظهر ما عشناه عبر ألواننا وريشتنا، لكنني أحيانا أتساءل: هل يكفي هذا؟ هل سيفيد؟ أم أن العالم كله كذبة؟، نحن نفعل ما نستطيع، وهذا أقصى ما نقدر عليه، شاركت في معارض دولية لسنوات، لكنني لم أستطع السفر يوما، لوحاتي هي التي تسافر بدلا عني، نحن نعيش في سجن كبير اسمه غزة، منذ سنوات طويلة، وليس فقط منذ هذه الحرب.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة