تحل ذكرى رحيل المفكر الإصلاحي جمال الدين الأفغاني، أحد أبرز رموز النهضة الفكرية في القرن التاسع عشر، والذي عُرف بدعوته إلى مقاومة الاستعمار ومواجهة مظاهر التخلف في العالمين العربي والإسلامي. ورغم تأثيره الواسع في الفكر الإصلاحي، فإن حياته لم تخلُ من الجدل، إذ لاحقته العديد من الاتهامات والشائعات التي أثارت نقاشًا واسعًا بين المؤرخين والباحثين.
نشاطه الماسوني
من أبرز الاتهامات التي أثيرت حول الأفغاني انخراطه في المحافل الماسونية. فقد ذكر كتاب "الخبث والدهاء في صناعة الزعماء والعلماء" أن الأفغاني تولى رئاسة محفل ماسوني يُعرف باسم "كوكب الشرق"، وأنه كان يطرح خلاله أفكارًا تتعلق بإصلاح المجتمع، ومنها قضية حقوق المرأة ومساواتها بالرجل في الحقوق والواجبات.
وتشير بعض الوثائق إلى انتخابه رئيسًا لهذا المحفل بأغلبية الأعضاء، مع توجيه دعوة رسمية له لحضور أحد الاجتماعات وتسلم رموز المنصب. غير أن روايات أخرى تقول إن علاقته بالمحفل لم تستمر طويلًا، إذ نشب خلاف بينه وبين أعضائه عندما طرح فكرة "الجامعة الإسلامية"، حيث رفضوا إدخال الدين في العمل السياسي، ما دفعه إلى ترك المحفل، وتأسيس تجمع أدبي في القاهرة عُرف باسم "محفل أدباء الماسون"، لكنه لم يستمر سوى اجتماع واحد قبل أن تنتهي تلك التجربة.
اتهامات بالعمالة لبريطانيا
كما لاحقت الأفغاني اتهامات بالارتباط بالسياسة البريطانية، استنادًا إلى تنقلاته الكثيرة بين العواصم الأوروبية والآسيوية، وإلى ما قيل عن تمتعه بحماية دبلوماسية بريطانية خلال وجوده في إسطنبول.
وفي مذكراته، ذكر السلطان العثماني عبد الحميد الثاني أن الأفغاني كان على صلة بالإنجليز، مشيرًا إلى خطة قيل إنها أُعدت في وزارة الخارجية البريطانية، شارك فيها الأفغاني وشخص آخر يُدعى بلند، تضمنت اقتراحًا بإقصاء الخلافة عن الأتراك وإسنادها إلى شريف مكة.
غير أن كثيرًا من الباحثين يرون أن هذه الاتهامات تظل محل جدل تاريخي، خاصة أن الأفغاني عُرف في كتاباته وخطبه بمناهضة الاستعمار والدعوة إلى وحدة المسلمين في مواجهة النفوذ الأجنبي.
جدل حول أصوله ومعتقده
ومن القضايا التي أثارت خلافًا واسعًا أيضًا مسألة أصل الأفغاني ومذهبه الديني. فبينما عُرف باسم "الأفغاني"، ذهب بعض الباحثين إلى أنه في الأصل إيراني شيعي، وأنه اتخذ هذا اللقب لأسباب سياسية.
وذكرت بعض الدراسات أن الرجل قد يكون استخدم لقب "الأفغاني" لإضفاء طابع سني على شخصيته في بيئات سياسية معينة. في المقابل، رفض عدد من المفكرين هذه الاتهامات، ومنهم المفكر محمد عمارة الذي دافع عنه في كتابه "جمال الدين الأفغاني المفترى عليه"، مؤكدًا أن اتهامه بالتشيع لا يستند إلى أدلة قاطعة، وأن الأفغاني انتقد بالفعل بعض عقائد الشيعة، وكان يرى أن القرآن الكريم هو المصدر الأساسي للعقيدة.