​ناهد صلاح تكتب: ​اللون الأزرق.. بداية لافتة لدراما عن عالم مختلف

الجمعة، 06 مارس 2026 05:44 م
​ناهد صلاح تكتب: ​اللون الأزرق.. بداية لافتة لدراما عن عالم مختلف ناهد صلاح

0:00 / 0:00

​من المبكر عادةً الحكم على مسلسل أو أي عمل درامي في حلقاته الأولى، فالمسلسلات تحتاج إلى وقت كي تكشف عن عالمها وتوازناتها السردية، كما أن الحكم المبكر قد يكون متعجلًا. مع ذلك، فإن بعض الأعمال تفرض منذ إطلالتها الأولى لحظة تأمل تستحق التوقف، ليس لإصدار حكم نهائي، بل لالتقاط إشاراتها الأولى.

​هذا ما يحدث مثلا مع مسلسل "اللون الأزرق" للمخرج سعد هنداوي، تأليف الكاتبة مريم نعوم، الذي يلفت الانتباه منذ عتبته الأولى: العنوان.
​العنوان هنا ليس مجرد تسمية، بل مفتاح دلالي؛ فاللون الأزرق، في الثقافة البصرية المعاصرة، هو الرمز العالمي للتوحد، وهو اختيار يبدو واعيًا من صناع المسلسل منذ البداية للتعبير عن الحالة التي يطرحونها، فالأزرق يمثل الهدوء والثقة والدعم والأمل في حكاية محاطة بالتوتر.

هذا التوتر بين السكينة والعزلة نراه ينعكس بوضوح على الحكاية التي ينسجها المسلسل حول أسرة تعود إلى مصر بعد انتهاء عمل الأب في الخارج، لتجد نفسها أمام معركة يومية: محاولة توفير حياة طبيعية لطفل مصاب بطيف التوحد في مجتمع لم يعتد بعد على فهم اختلافه.


​هنا يبرز مفهوم "الاغتراب العكسي"، فالأسرة التي عادت من غربتها المكانية، وجدت نفسها في "غربة اجتماعية" داخل وطنها الأم بسبب عدم قدرة البيئة المحيطة على استيعاب "النمط العصبي المختلف". هذا الصدام يحوّل البيت إلى جزيرة زرقاء معزولة تحاول الصمود أمام أمواج مجتمع يرفض الخروج عن القوالب السائدة.


​منذ اللحظات الأولى، يحاول المسلسل أن يصنع نوعاً من الموازنة بين السرد الدرامي والبعد التوعوي. يفعلها سعد هنداوي بإدراك تأثير الصورة في سرد الحكاية، فاللون الأزرق لا يظل في حدود العنوان، بل يتسلل إلى تفاصيل المشهد: في الديكور، والإضاءة، وأحيانًا في الملابس والإكسسوارات. كأن العالم المحيط بالطفل "حمزة"، بطل الحكاية، يعاد تشكيله بصريًا وفق طيف لوني يعبّر عن حالته النفسية، أو عن المساحة الآمنة التي يحاول والداه توفيرها له، وربما حماية طفل يعيش حساسية مفرطة تجاه العالم.


​إننا هنا بصدد دلالات صريحة "سيميولوجيا بصرية" ملحوظة، حيث لا يعمل اللون الأزرق فقط كرمز طبي، بل كعازل درامي  يحمي الشخصية من ضجيج العالم الخارجي. المخرج سعد هنداوي يبدو وكأنه يستبدل "الحوار اللفظي" بـ "اللغة البصرية"، مما يجعل المشاهد يشعر بالاختناق أو الراحة تماماً كما يشعر البطل الصغير، وتصبح التفاصيل الصغيرة مثل طريقة ترتيب الأشياء، الحساسية تجاه الأصوات، أو الميل إلى الأشكال المتماثلة جزءًا من بناء الشخصية وليس مجرد معلومات طبية عن التوحد.


​لا أعرف لماذا لا أستطيع عند الحديث عن سعد هنداوي، تجاهل استدعاء أحد أفلامه المبكرة، وهو فيلم "ألوان السما السابعة" الذي أخرجه في العام 2007. الفيلم كان يحمل ملمحًا صوفيًا واضحًا في رؤيته للعالم والعلاقات الإنسانية، بينما مسلسل "اللون الأزرق" أقرب إلى دراما اجتماعية واقعية. لا توجد مقارنة مباشرة بين العملين، فالفارق في الموضوع والبناء واضح، لكن مجرد استدعاء فكرة الألوان في العنوان ربما يخلق خيطًا رفيعًا بين تجربتين يفصل بينهما ما يقرب من عقدين.


​على أية حال، يصعب الجزم بمصير عمل درامي من حلقاته الأولى. لكن "اللون الأزرق" ينجح حتى الآن في طرح قضية حساسة بقدر من الهدوء والاهتمام بالتفاصيل الإنسانية، بعيدًا عن الميلودراما الصاخبة. وإذا حافظ العمل على هذا التوازن بين البعد الإنساني والوعي البصري، فقد يتحول إلى تجربة درامية تستحق المتابعة، ليس فقط بوصفها حكاية عن طفل مختلف، بل بوصفها أيضًا مرآة لمجتمع ما زال يتعلم كيف يرى الاختلاف.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة