هل يكون الفراغ الأمريكي بالمنظمات الدولية هدية للصين وروسيا لإعادة ترتيب أوراق النفوذ العالمي؟.. انسحابات واشنطن تفتح الطريق لبكين وموسكو لإعادة تشكيل نظام متعدد الأقطاب.. والعالم أمام ظهور قوى بديلة؟

الجمعة، 06 مارس 2026 10:00 م
هل يكون الفراغ الأمريكي بالمنظمات الدولية هدية للصين وروسيا لإعادة ترتيب أوراق النفوذ العالمي؟.. انسحابات واشنطن تفتح الطريق لبكين وموسكو لإعادة تشكيل نظام متعدد الأقطاب.. والعالم أمام ظهور قوى بديلة؟ الولايات المتحدة والصين وروسيا

إعداد / أحمد عرفة


<< الانسحاب الأمريكي من 66 منظمة دولية.. نهاية عهد الهيمنة التقليدية
<< قيادي بالحزب الديمقراطي: قرارات ترامب تخلق فراغا في القوة الناعمة سيملئها الصين أو روسيا
<< الصين تستغل الفراغ.. مليار دولار سنويا والمشروعات تتجاوز الـ13 ألفا
<< روسيا تضاعف حضورها.. 1.188 مليار دولار مساعدات وتنويع أدوات النفوذ
<< محلل سياسي عراقي: السياسة الأمريكية الجديدة تركز على حماية المصالح الوطنية داخل الأمريكتين فقط
<< محلل سياسي أردني: بداية انتهاء النظام الأحادي القطبية والعودة لتعدد الأقطاب
<< مدير مركز الصين بالعربية: الصين اتجهت تأسيس أو دعم مؤسسات رديفة للمنظمات الدولية لمواجهة التحالف الغربي
<< باحثة سياسية: انسحابات واشنطن تعني انتهاء الشكل الجديد من الاحتلال
<< أستاذة بجامعة موسكو: الخطوة الأمريكية تؤدي إلى إعادة تشكيل التحالفات التقليدية وخلق شراكات جديدة

 

في لحظة مفصلية تعيد رسم ملامح النظام الدولي، لم تكن قرارات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالانسحاب من عشرات المنظمات الدولية مجرد خطوة إدارية عابرة، بل إعلانا صريحا عن تحول جذري في فلسفة الدور الأمريكي على الساحة العالمية، فعندما تقرر القوة الأكبر في العالم الانكفاء عن أطر التعاون متعدد الأطراف التي تشكلت عبر عقود، فإن الارتدادات لا تتوقف عند حدود واشنطن، بل تمتد كموجات زلزالية تمس الأمن الصحي العالمي، وجهود مواجهة تغير المناخ، وبرامج تمكين المرأة، وآليات التنمية والاستجابة الإنسانية في عشرات الدول، ولا سيما الأكثر هشاشة.

هذه القرارات، التي شملت الانسحاب من 66 منظمة دولية، نصفها تقريبا تابع للأمم المتحدة، تفتح الباب أمام تساؤلات عميقة حول مستقبل العمل الدولي المشترك، وقدرة العالم على إدارة أزماته الكبرى في ظل غياب أحد أبرز الممولين والداعمين السياسيين، ففي وقت تتشابك فيه التحديات العابرة للحدود، من الأوبئة إلى الاحتباس الحراري، ومن النزاعات المسلحة إلى الأزمات السكانية، يبدو انسحاب الولايات المتحدة بمثابة إعادة ضبط قسرية لمعادلات القوة والمسؤولية، تضع النظام العالمي أمام اختبار قاس "هل يستطيع الاستمرار دون العمود الفقري الذي طالما استند إليه؟".

لا تقتصر التداعيات على البعد المالي، رغم ضخامته، بل تمتد إلى البعد الرمزي والسياسي، حيث يفسر هذا الانسحاب على أنه تراجع عن مبدأ الشراكة الدولية لصالح منطق الأحادية وتغليب المصالح القومية الضيقة، وهو ما قد يشجع دولا أخرى على انتهاج المسار ذاته، مهددا بتفكيك منظومة التعاون الدولي التي نشأت عقب الحرب العالمية الثانية، وأسهمت – رغم عثراتها – في احتواء أزمات عالمية كبرى.

وبينما تبرر الإدارة الأمريكية هذه الخطوة باعتبارها دفاعا عن السيادة وحماية لأموال دافعي الضرائب، تحذر أطراف دولية وخبراء من أن كلفة الانسحاب قد تكون أعلى بكثير من أي وفورات مالية معلنة، إذ قد يدفع العالم ثمنا باهظا يتمثل في تراجع التنسيق الدولي، وتباطؤ الاستجابة للأزمات، واتساع فجوات التنمية والصحة والبيئة، هكذا، لا تقرأ هذه القرارات بمعزل عن سياقها الدولي، بل كمنعطف حاسم يعيد طرح السؤال الأهم "إلى أين يتجه العالم في ظل تراجع أحد أعمدة النظام متعدد الأطراف؟".

في 8 يناير الماضي خرج البيت الأبيض، بإعلان هام بأن دونالد ترامب وقع مذكرة رئاسية تأمر بسحب الولايات المتحدة من 66 منظمة دولية، لم تعد تخدم المصالح الأمريكية، مشيرا إلى أن ذلك يشمل 35 منظمة غير تابعة للأمم المتحدة، و31 كيانا تابعا للأمم المتحدة.

منظمات دولية انسحبت الإدارة الأمريكية منها
منظمات دولية انسحبت الإدارة الأمريكية منها

 

وجاء في المذكرة المؤرشفة التي نشرتها شبكة  CNN الأمريكية، أن هذا الانسحاب سيؤدي إلى إنهاء تمويل دافعي الضرائب الأمريكيين ومشاركتهم في كيانات تُروج لأجندات العولمة على حساب أولويات الولايات المتحدة، أو التي تعالج قضايا مهمة بكفاءة أو فعالية غير كافية، بحيث يفضل توجيه أموال دافعي الضرائب الأمريكيين بطرق أخرى لدعم المهام ذات الصلة.

بعد القرار بساعات فقط، خرج وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، عبر حسابه على منصة "إكس" ليغرد قائلا: "أعلن الرئيس ترامب انسحاب الولايات المتحدة من 66 منظمة دولية معادية لأمريكا، أو عديمة الفائدة، أو مهدرة للموارد، ولا يزال النظر جاريا في منظمات دولية أخرى، ويحقق هذا الانسحاب وعدا أساسيا قطعه دونالد ترامب للأمريكيين، وهو أننا سنتوقف عن دعم البيروقراطيين العالميين الذين يعملون ضد مصالحنا، وستضع الإدارة أمريكا والأمريكيين دائما في المقام الأول".

وأثار قرار الرئيس الأمريكي، موجة واسعة من القلق على المستوى العالمي، لما يمثله من انعكاسات مباشرة على التعاون الدولي واستقرار النظام متعدد الأطراف، حيث يُنظر لهذا القرار على أنه انحراف عن النهج التقليدي للولايات المتحدة كقوة داعمة للمؤسسات العالمية، ما يخلق فراغا قياديا قد تؤدي إلى تراجع فعالية هذه المنظمات في معالجة القضايا العالمية الملحة، مثل الصحة العامة، وتغير المناخ، وحقوق الإنسان، والتنمية المستدامة.

تأثيرات سلبية

من الناحية الاقتصادية، يُخشى أن يؤدي الانسحاب إلى تأثيرات سلبية على التمويل الدولي للمشروعات التنموية، لاسيما في الدول النامية التي تعتمد على الدعم الأمريكي لتنفيذ برامج البنية التحتية والتعليم والصحة، وقد تتراجع قدرة هذه المنظمات على الاستجابة للأزمات الطارئة، بما في ذلك الأوبئة والكوارث الطبيعية، في ظل نقص التمويل وتراجع التعاون بين الدول.

كذلك على الصعيد الدبلوماسي، يمثل القرار تراجعا مؤثرا في نفوذ الولايات المتحدة داخل المنظمات الدولية، ويفتح الباب أمام قوى إقليمية أخرى لتعزيز حضورها ومصالحها، كما يمكن أن يؤدي لتدهور التنسيق الدولي في قضايا الأمن والسلام العالميين، خاصة في ظل التحديات المتزايدة مثل النزاعات الإقليمية، والهجرة الجماعية، والإرهاب الدولي، الأمر الذي قد يزيد من تعقيد إدارة الأزمات.

ومن الناحية الاجتماعية، يثير القرار مخاوف من تراجع المعايير الدولية لحقوق الإنسان والعمل الإنساني، خصوصًا في المناطق المتأثرة بالنزاعات والفقر، وقد يقلل من قدرة المؤسسات الدولية على تنفيذ برامج حماية الفئات الأكثر ضعفا، بما في ذلك اللاجئين والأطفال والنساء، ويزيد من هشاشة المجتمعات الضعيفة، وبالتالي فالانسحاب رسالة قوية تعكس سياسات الانعزالية الأمريكية في تلك الفترة، مما دفع المجتمع الدولي إلى إعادة النظر في آليات التعاون متعدد الأطراف، والبحث عن سبل لتعزيز استقلالية المنظمات الدولية، وتقليل الاعتماد على قوة واحدة لضمان استمرار برامجها ومبادراتها الحيوية على الصعيد العالمي.

تواصلنا مع مكتب وزارة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط، للحديث عن أسباب انسحابات واشنطن المتتالية من عدة منظمات الدولية، إلا أنه لم ترد لنا إجابة، حيث رفض إعلام الخارجية الأمريكية إمدادنا بتفاصيل الانسحاب، وانعكاساته وتداعياته على المجتمع الدولي في المستقبل.

 

تحول سياسة واشنطن تجاه النظام الدولي
 

في هذا السياق يؤكد نعمان أبو عيسى، عضو اللجنة المركزية للحزب الديمقراطي الأمريكي، أن النظام العالمي قد تأسس بعد الحرب العالمية الثانية، وكانت الولايات المتحدة هي المنتصرة وأسست النظام العالمي بما يخدم مصالحها، وأسست الأمم المتحدة في نيويورك ومؤسسات الأمم المتحدة التي تدعم القوة الناعمة لأمريكا في العالم، موضحا أن هذا النظام العالمي قد تغير أولا في نهاية الحرب الباردة منذ حوالي 30 عاما، وكانت واشنطن بعد انفكاك الاتحاد السوفيتي هي القطب الوحيد في العالم، واستمرت في دعم المنظمات العالمية لمساعدة الكوارث ومساعدة الـ (epidemics) أو الأمراض السارية في العالم لمصلحة أمريكا ومصلحة العالم أيضا.

ويضيف في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، من واشنطن، أن هذا الدعم تغير بقدوم ترامب، وأيضا بتحول العالم من عالم أحادي القطب إلى عالم متعدد الأقطاب، ومع معاناة الولايات المتحدة من العجز في الميزانية بين المصروف والمدخول، دفع الرئيس الأمريكي إلى الانسحاب من عشرات المؤسسات العالمية الخيرية التي كان لها أذرع كثيرة فيما يسمى (non-profit organizations)  أي منظمات غير ربحية في العالم، وهذا سيؤثر كثيرا على المستقبل، خاصة أن معظم هذه المؤسسات قد تقلص عدد موظفيها أو تغلق أبوابها نهائيا.

وحول تداعيات هذا القرار يقول إنه سيؤثر على ملايين الأطفال الذين يعتمدون على هذه المؤسسات، وسيكون له انعكاس سلبي على المساعدات في الكوارث والحروب، واللاجئين الذين يعتمدون على المساعدات في هذه النزاعات.

ويشير عضو اللجنة المركزية للحزب الديمقراطي الأمريكي، إلى أن قرار ترامب لن يخدم أمريكا على المدى البعيد وإنما يقلص مصروفات البلاد في المدى القريب، لكن هذا التأثير سيؤثر على شكل العالم الجديد في العقود القادمة، مشيرا إلى أن ما يحدث الآن هو تأسيس نظام عالمي جديد تكون فيه الولايات المتحدة منسحبة إلى حد كبير من المؤسسات العالمية، وتعتمد على ما يسميه ترامب (Western Hemisphere) أو الجزء الغربي من العالم بما فيه جرينلاند، وهذا ما يركز عليه الرئيس الأمريكي في أن يسيطر على القارتين الأمريكيتين الشمالية والجنوبية، ويكون شعارها "أمريكا أولا".

وفي يناير الماضي أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية، بيانا ذكرت فيه أن إدارة ترامب وجدت أن هذه المؤسسات زائدة عن الحاجة في نطاق عملها، سيئة الإدارة، غير ضرورية، ومضيعة للموارد، تدار بشكل سيئ، ومسيطر عليها من قبل جهات تسعى لتحقيق أجنداتها بما يتعارض مع مصالح واشنطن، أو تشكل تهديدا لسيادة البلاد وحرياتها وازدهارها العام".

ومن بين 35 منظمة غير تابعة للأمم المتحدة و 31 هيئة تابعة لها، ذكرها ترامب في مذكرة وجهها إلى كبار مسؤولي الإدارة – بحسب وسائل إعلام أمريكية - اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ التي تعد الركيزة الأساسية لمعاهدة المناخ التي تمثل الاتفاقية الأم لاتفاق باريس للمناخ لعام 2015، كما ستنسحب الولايات المتحدة كذلك من هيئة الأمم المتحدة للمرأة، التي تعمل على تحقيق المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة ، وكذلك صندوق الأمم المتحدة للسكان، وهي الوكالة الدولية المتخصصة في تنظيم الأسرة وصحة الأم والطفل في أكثر من 150 دولة والتي كانت واشنطن قد خفضت تمويلها للصندوق العام الماضي.

 

إضعاف المؤسسات الدولية
 

هنا يؤكد الدكتور الحارث الحلالمة، أستاذ العلوم السياسية في جامعة مؤتة الأردنية، أنه منذ عودة ترامب للحكم وحتى في عهده السابق مارس العديد من السلوكيات التي تؤثر في حالة الإجماع الدولي والجهود الدولية لمواجهة كافة التحديات التي تواجه العالم أجمع وقدرتها على الاستمرار بالقيام بواجباتها، مشيرا إلى أن تصرفات الإدارة الأمريكية سيتسبب بإضعاف دور هذا المؤسسات لكنها بنفس الوقت ستخلق عليها حالة من العزلة بسب انسحابها من حوالي 66 منظمة دولية وجميعها كان للولايات المتحدة دور كبير في إنشائها أو عملها.

ويشير في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن هذه العزلة الدولية تخلق تغيرات كبيرة في الساحة الدولية بالشكل الذي يزعزع شكل النظام الدولي القائم بالأساس على دور عظيم للولايات المتحدة في دعم وتسيير هذه الهيئات الدولية، مما سيؤدي إلى خلق فراغ سياسي واقتصادي واجتماعي دولي ستقوم الدول المنافسة لملء هذا الفراغ وسيعطيها الأفضلية في التعاطي مع المجتمع الدولي بشكل أكبر من بوابة هذه المنظمات مثل الصين العدو التقليدي التي تراها الولايات المتحدة منافس قوي يضعف النفوذ الأمريكي.

ويوضح أن المتابع لهيكلية النظام الدولي والانسحابات الأمريكية منه يفهم بأنها بداية انتهاء النظام الأحادي القطبية والعودة لتعدد الأقطاب وذلك بسبب أن الإدارة الأمريكية التي تريد هذه المنظمات إما أداه طائعة بيدها وإما ستوقف دعمها وتنسحب منها، لافتا إلى أن ترامب يرى أن الولايات المتحدة هي الوحيدة القادرة على خلق أرضية خصبة للتعاون وفقا لمقياسها ومنظورها وليس من منظور المجتمع الدولي والمنظمات العاملة.

 

واشنطن ومنظمة الصحة العالمية
 

وفي 22 يناير، أعلنت الولايات المتحدة استعدادها لتنفيذ قرار انسحابها من منظمة الصحة العالمية وسط تحذيرات من تبعات خطيرة على الأمن الصحي العالمي، حيث جاء القرار رغم التزام قانوني أمريكي بدفع 260 مليون دولار من الرسوم المتأخرة قبل الخروج، وذلك بعدما أصدر ترامب أمرا تنفيذيا بالانسحاب فور توليه المنصب عام 2025، معتبرا أن المنظمة فشلت في إدارة المعلومات الصحية خلال الأزمات، ما كبد بلاده تريليونات الدولارات – على حسب تعبيره - .

وعلقت المنظمة الدولية على قرار ترامب في 25 يناير، بعدما أعربت عن أسفها لإخطار الإدارة الأمريكية بالانسحاب، وهو قرار يجعل كلا من واشنطن والعالم أقل أمانا، موضحة أنها  علما بالتصريحات الصادرة عن حكومة ترامب التي تقول إن المنظمة قد دمرت ولوثت صورتها وأهانتها، وقوضت استقلاليتها، والحقيقة هي عكس ذلك؛ فكما نفعل مع كل دولة عضو، سعت منظمة الصحة العالمية دائما إلى التعامل مع الولايات المتحدة بحسن نية، مع الاحترام الكامل لسيادتها.

ويرى الدكتور غازي فيصل، المحلل السياسي العراقي، أن قرارات الانسحاب الأمريكية تأتي ضمن استراتيجية ترامب للانكفاء على الداخل ومعالجة التحديات المحلية، مؤكدا أن هذه السياسة تعكس توجه واشنطن إلى التركيز على حماية مصالحها القومية وتعزيز أمنها الداخلي أولا، قبل الانخراط في قضايا عالمية متعددة.

ويضيف في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن الاستراتيجية الأمريكية الجديدة تحفز القارة العجوز على تحمل مسؤولية أكبر في الأمن الأوروبي، حيث يُنتظر أن تعمل الدول الأوروبية بشكل مستقل لتأمين حدودها ومواجهة التهديدات الإقليمية، وهو ما يعكس تحولا في دور الولايات المتحدة من القائد التقليدي للنظام الدولي إلى لاعب يركز على مصالحه الوطنية بشكل مباشر.

ويشير المحلل السياسي العراقي، إلى أن الانسحاب الأمريكي ليس مجرد خطوة سياسية، بل جزء من عقيدة استراتيجية أطول مدى تعتمد على تركيز الجهود على الأمريكتين لضمان الأمن القومي، مستندة إلى ما يعرف بـ"عقيدة مونرو"، التي تؤكد حماية القارة الأمريكية من أي تهديدات خارجية، مع إعادة ترتيب الأولويات الدولية للولايات المتحدة بعيدا عن التزاماتها السابقة في المنظمات الدولية.

ويوضح أن هذه الخطوة تترجم بشكل واضح سياسة الانعزال الأمريكي الجزئي، لكنها في الوقت نفسه تفتح المجال أمام القوى الدولية والإقليمية الأخرى لتعزيز نفوذها، وهو ما قد يؤدي إلى إعادة تشكيل المشهد الدولي على المستويات الاقتصادية والسياسية والأمنية.

الصين واستغلال الفراغ الأمريكي

في ضوء انسحاب الولايات المتحدة تبرز الصين كأحد أبرز الأطراف المرشحة لاستغلال الفراغ السياسي والمؤسسي الذي خلفته واشنطن، خاصة في ظل سعي بكين المتواصل لتعزيز حضورها داخل منظومة العمل متعدد الأطراف، حيث يُنظر إلى هذا التحول باعتباره فرصة استراتيجية للتنين لتوسيع نفوذها الدولي، ليس فقط على المستوى السياسي، بل أيضا في المجالات الاقتصادية والتنموية والتكنولوجية.

بكين من ناحيتها قد تستغل الأمر وتعمل على تعزيز دورها القيادي داخل المنظمات الدولية عبر زيادة مساهماتها المالية وتكثيف مشاركتها في صياغة السياسات والقرارات، ما يمنحها قدرة أكبر على التأثير في الأجندات العالمية، كما يمكنها الدفع باتجاه تبني رؤيتها الخاصة لمفاهيم التنمية والتعاون الدولي، بما يتوافق مع مصالحها الاستراتيجية ويعزز نموذجها في الحكم والتنمية.

كذلك قد تستثمر الصين هذا الفراغ لدعم مبادراتها العابرة للحدود، وعلى رأسها مبادرة "الحزام والطريق"، من خلال توظيف المنظمات الدولية كمنصات لتوسيع الشراكات مع الدول النامية، وتقديم نفسها كبديل داعم للاستقرار والتنمية في ظل تراجع الدور الأمريكي، وهو ما قد يعزز اعتماد عدد متزايد من الدول على التمويل والخبرات الصينية.

غياب الولايات المتحدة عن عدد كبير من المنظمات يتيح للصين تعميق نفوذها الناعم، وبناء تحالفات جديدة، خاصة في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، ولا يخفى سعي بكين إلى إعادة تشكيل بعض القواعد والمعايير الدولية، لا سيما في مجالات التكنولوجيا، والاتصالات، والحوكمة الرقمية، بما يعكس توازنات قوى جديدة داخل النظام الدولي.

كل هذا لا ينفى أن قدرة الصين على ملء الفراغ الأمريكي لن تكون مطلقة، حيث ستواجه تحديات تتعلق بثقة بعض الدول في نواياها، بجانب مقاومة قوى دولية أخرى لأي هيمنة بديلة، لكن يبقى انسحاب واشنطن عاملا محفزا لتسريع التحولات في ميزان القوى العالمي، ويمنح بكين مساحة أوسع للتحرك كلاعب رئيسي في إدارة الشؤون الدولية خلال المرحلة المقبلة.

وتعد الصين قوة تمويلية وتأثيرية متنامية داخل المنظمات الدولية والأممية، بعدما عززت دورها كلاعب رئيسي عبر المساهمات المالية المباشرة والأنشطة الاقتصادية الإقليمية، وبحسب تقارير صحفية أجنبية، تشمل أبرز محاور دعمها زيادة المساهمة في ميزانية حفظ السلام، والمساعدات الخارجية التي بلغت  39,5 مليار دولار سنويا منذ عام 2000.

 

الصين والتعاون مع المنظمات الدولية

ويسلط الدكتور جاد رعد، مدير مركز الصين بالعربية والمقيم في بكين، الضوء على تحولات عميقة في علاقة بكين بالمنظمات الدولية، معتبرا أن ما يجري اليوم ليس وليد اللحظة، بل نتيجة تراكمات سياسية ومالية كشفت مبكرا حدود العدالة والشفافية داخل هذه المؤسسات.

ويستعيد رعد، في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، من العاصمة الصينية، حادثة وقعت خلال فترة إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن، حين واجهت الأمم المتحدة في جنيف أزمة تشغيل خانقة بسبب نقص حاد في الميزانية، ناجم بالأساس عن امتناع عدد من الدول الكبرى عن سداد التزاماتها المالية، موضحا أن بكين، في خطوة وُصفت حينها بالإيجابية والاستثنائية، عرضت الدفع المسبق لكامل التزاماتها المالية لخمسين سنة قادمة، في محاولة لتوفير استقرار مالي طويل الأمد للصرح الدولي في جنيف.

بحسب رعد، فإن هذه المبادرة لم يكتب لها النجاح، إذ تمت عرقلة توقيع الاتفاقية نتيجة حراك سياسي قادته الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، موضحا أن تلك الواقعة شكلت مؤشرا واضحا على أن معظم الدول الغربية لا ترحب بأن تقوم الصين بسد الفجوات أو تعويض النقص المتكرر داخل المنظمات الدولية، حتى عندما يتم ذلك ضمن أطر قانونية ومالية شفافة.

ويضيف أن التحركات الصينية، بما فيها الدعم المالي، تتم دائما ضمن أطر قانونية واضحة وعلنية، إلا أن تحالفا من بعض الدول الغربية يعمد إلى الاعتراض في الخفاء، وتحريض دول ضعيفة الإمكانات على الاعتراض العلني ضد بكين، في مشهد يعكس ازدواجية المعايير داخل النظام الدولي.

ويشير إلى أن العدالة والشفافية والمساواة غابت منذ زمن عن معظم المنظمات الدولية، والصين أدركت هذه الحقيقة مبكرا، وهو ما يفسر اتجاهها إلى تأسيس أو دعم مؤسسات رديفة ضمن أطر متعددة، مثل مجموعة بريكس، ومنظمة شنجهاي للتعاون، ورابطة دول جنوب شرق آسيا "آسيان"، إضافة إلى مبادرة الحزام والطريق، لافتا إلى أن هذا التوجه يعكس قناعة صينية متزايدة بعدم التعويل الكبير على منظمات دولية ابتعدت بوضوح عن روح تأسيسها وأهدافها الأصلية.

ويوضح أن الصين ليست حديثة العهد بخيبات الأمل داخل النظام الدولي، وإحباطها سبق حتى الإجراءات التي اتخذها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لافتا إلى أن بكين لا تسعى إلى منافسة أحد على الصدارة، سواء دولا أو منظمات دولية، كما أن الحكومة الصينية تعمل بأقصى إمكاناتها للوصول إلى أعلى مستويات الموثوقية عندما يتوفر ذلك ضمن أسس قانونية وتوافقية واضحة، وحين يتعذر هذا المسار، فإنها بالتعاون مع حلفائها المعنيين تلجأ إلى إيجاد أطر ومنظمات رديفة، كخيار عملي لضمان الاستمرارية وتحقيق الأهداف المشتركة بعيدا عن ازدواجية المعايير.

 

الاستثمارات الصينية

لا يخفى الاستثمارات الصينية الضخمة في مبادرات مثل منظمة شانجهاي للتعاون التي شهدت تبادلا تجاريا تجاوز 512 مليار دولار عام 2024، وتنفذ بكين آلاف المشروعات التنموية الثنائية، مما يجعلها منافسا رئيسيا في مجال المساعدات الدولية، بالإضافة إلى تعزيز نفوذها في الأمم المتحدة، وذلك لدعم  دورها كقوة عظمى، وتشكيل نظام دولي جديد يساهم في تطبيع مكانتها عالميا.

مساعدات الصين الخارجية
مساعدات الصين الخارجية

 

وبحسب "صفحة الرأي العالمي - Project syndicate "، فمنذ عام 2000، أنفقت الصين 843 مليار دولار على المساعدات الثنائية، وهو مماثل للمبلغ الذي تقدمه الولايات المتحدة، أكبر مانح للمساعدات الخارجية في العالم، كما مولت خلال العقدين الأخيرين 13.427 مشروعا في مجال المساعدات الثنائية في 165 دولة، مما يجعلها أكبر لاعب جديد في هذا المجال.

 

وتؤكد لوسيانل باسم الباحثة بمركز ترو للدراسات والتدريب، أن القرارات الأمريكية تساهم بشكل مباشر في سياسات بكين مؤخرا المتمثلة في إنشاء مؤسسات ومنظمات دولية شبيهة للمنظمات الدولية المتعارف عليها، وبالتالي فهي فرصة جيدة للتمدد الصيني من خلال هذه المؤسسات وقد نجد في المستقبل تنافس بين هذه المؤسسات في كفاءتها فيما بعد.

حجم دعم الولايات المتحدة والصين وروسيا للمنظمات الدولية
حجم دعم الولايات المتحدة والصين وروسيا للمنظمات الدولية

 

وتضيف في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن انسحاب الولايات المتحدة من عشرات المنظمات الدولية يعني بشكل أو بآخر انتهاء الشكل الجديد من الاحتلال، إذ هذه المؤسسات ما هي إلا امتداد لسياسات الاحتلال سابقا، وبالتالي ضعفها يُعني ضعف الهيمنة المفروضة على هذه الدول، موضحة أن هذا القرار ينحسر في كونه قرار رئاسي في فقط إدارة ترامب مما يعني أنه مع فترة رئاسية أخرى قد نجد قرار رئاسي آخر بالتواجد كما كان من قبل في هذه المؤسسات.

وتشير إلى أن القرار يمثل تغيرا في السياسة الخارجية الأمريكية التي شكلت هي بذاتها النظام الدولي الحالي المكون بشكل أساسي من هذه المنظمات الدولية المتعددة التي تساعدها بشكل أو بآخر بفرض هيمناتها على الدول الأخرى، وبالأخص دول العالم الثالث، لافتة إلى أن هناك وسائل أخرى ستستخدمها إدارة ترامب في فرض الهيمنة الأمريكية بشكل آخر مثل العقوبات المفرطة على فنزويلا وإيران وبسط سيطرتها من خلال التمويه والتهديد بقوتها العسكرية مثل ما أيضا حدث في كراكاس ويحدث بشكل أو بآخر مع طهران حاليا.

وأعد "مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة"، دراسة في 3 مارس 2025 بعنوان "أنماط وآليات القوة الصينية في منظمة الأمم المتحدة"، أكد فيها أن الصين عملت على توسيع نفوذها داخل منظمة الأمم المتحدة ووكالاتها، في خضم مساعيها لإحداث تحولات القوة في النظام الدولي، حيث ركزت سياساتها على تعزيز معايير عدم التدخل في الشؤون الداخلية والنسبية الثقافية في مجال حقوق الإنسان، واستخدمت وكالات التنمية التابعة للأمم المتحدة للترويج للتكنولوجيات والممارسات الصينية؛ إضافة إلى مشاركة بكين في عمليات حفظ السلام التابعة للمنظمة كجزء من التأثير في مجال السلم والأمن الدولي.

دراسة مركز المستقبل عن دور الصين في الأمم المتحدة
دراسة مركز المستقبل عن دور الصين في الأمم المتحدة

 

وأضافت الدراسة، أن الصين تهدف إلى تعظيم الاستفادة من قوتها المتباينة في تعزيز تأثيرها داخل تلك المنظمة، خاصة أنه في السنوات العشر الماضية، سعت بكين إلى إعادة تشكيل الأمم المتحدة، مستغلة خفض الدول الغربية التمويل المتعدد الأطراف، مما شكل فرصة نحو توسيع مشاركة التنين، حيث ارتفعت مساهماته في الميزانية العادية للأمم المتحدة وميزانية حفظ السلام بما جعلها ثاني أكبر مساهم في العالم، لذلك تعددت مساحة التأثير له داخل أروقة الأمم المتحدة.

ويوضح نعمان أبو عيسى، عضو اللجنة المركزية للحزب الديمقراطي الأمريكي، أن انسحابات واشنطن ستخلق فراغا في القوة الناعمة في العالم، والطبيعة لا تحب الفراغ، وسيملئها الصين أو روسيا أو حتى دول نامية أخرى مثل (BRICS) كالبرازيل أو إندونيسيا أو دول صاعدة في هذا المجال.

الدور الصيني في دعم المنظمات الدولية
الدور الصيني في دعم المنظمات الدولية

 

ويؤكد أن هذا الفراغ سيشجع الدول، على سبيل المثال في القارة الأفريقية أو في وسط آسيا، أن تطور اقتصادها وتطور مؤسساتها والمنظمات الصحية في بلادها لملء هذا الفراغ، متابعا :" عندما تحاول ملء هذا الفراغ ستحتاج إلى مساعدة تكنولوجية أو مساعدة مادية، وبالطبع ستكون الصين جاهزة لملء هذا الفراغ لأن بكين لديها فائض مالي في التجارة ومستعدة لأن تكون لها أذرع في القارتين للاستمرار في أن تكون متفوقة على الولايات المتحدة في الحصول على المعادن الثمينة التي ستحدد المصنوعات المستقبلية ومن يسيطر عليها في العقود القادمة".

 

روسيا البديل القوي

تبرز روسيا كأحد الأطراف الساعية إلى استغلال الفراغ الذي خلفته واشنطن داخل منظومة العمل متعدد الأطراف، في إطار سعي موسكو المستمر لإعادة تثبيت حضورها كقوة دولية مؤثرة، حيث يُنظر إلى هذا التطور باعتباره فرصة للدب الروسي لتعزيز نفوذه السياسي والدبلوماسي، خاصة في المنظمات التي تلعب دورا في قضايا الأمن والطاقة والتنمية الدولية.

موسكو قد تستغل خطوات واشنطن الأخيرة للعمل على تكثيف حضورها داخل المنظمات الدولية التي تراجعت فيها المشاركة الأمريكية، عبر الدفع بممثليها لشغل مواقع قيادية أو التأثير في آليات اتخاذ القرار، بما يسمح لها بتوسيع هامش حركتها الدبلوماسية ومواجهة الضغوط الغربية، كما يمكن لروسيا توظيف هذا الفراغ لإعادة طرح رؤيتها الخاصة لنظام دولي "متعدد الأقطاب"، يقلل من الهيمنة الأمريكية ويمنح القوى الكبرى الأخرى دورا أكبر في إدارة الشؤون العالمية.

وتستغل روسيا الانسحاب الأمريكي لتعزيز نفوذها في مناطق تشهد تنافسا دوليا حادا، مثل الشرق الأوسط، وإفريقيا، وآسيا الوسطى، من خلال استخدام المنظمات الدولية كمنصات لإضفاء شرعية على تحركاتها السياسية والأمنية، أو لتوسيع نطاق تعاونها مع دول تبحث عن بدائل للشراكات الغربية التقليدية، كذلك هذا الفراغ قد يمنح موسكو مساحة أوسع لتعزيز أدواتها في القوة الناعمة، سواء عبر الخطاب الدبلوماسي المناهض للهيمنة الأمريكية، أو من خلال تقديم نفسها كطرف يدافع عن سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وهي رسائل تجد صدى لدى الدول النامية.

تظل قدرة روسيا على ملء الفراغ الأمريكي محدودة نسبيا مقارنة بالصين، بسبب التحديات الاقتصادية والعقوبات المفروضة عليها نتيجة الحرب الروسية الأوكرانية، لكن انسحاب واشنطن يتيح لموسكو فرصة لتعظيم مكاسبها السياسية والدبلوماسية، والمساهمة في إعادة تشكيل توازنات النظام الدولي خلال المرحلة المقبلة.

وبحسب تقرير للبنك الدولى عبر موقعه الرسمي، سجلت المساعدات الإنمائية الروسية الدولية الثنائية والمتعددة الأطراف ارتفاعا ملحوظا في السنوات الأخيرة، لتصل إلى قرابة 1.188 مليار دولار في عام 2017، بعد أن كانت حوالي 100 مليون دولار في عام 2004، شاملة مساهمات عبر البنك الدولى،  كما تشارك موسكو في المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة، ومنظمة التجارة العالمية، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ومنظمة التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ APEC، ورابطة الدول المستقلة CIS.

تقرير على موقع البنك الدولى حول دور روسيا الإنمائي حول العالم
تقرير على موقع البنك الدولى حول دور روسيا الإنمائي حول العالم

 

وأعلن البنك المركزي الروسي عن وصول الاحتياطيات الدولية إلى مستوى قياسي بلغ 729.5 مليار دولار بحلول أكتوبر 2025، وتعتمد في دعمها على تعزيز الشراكات الاقتصادية والاستراتيجية، حيث تساهم في التنمية الدولية مع التركيز على مناطق نفوذها والدول الحليفة.

المساعدة الإنمائية الروسية الرسمية

وأكد تقرير البنك الدولى – أطلعنا عليه – أنه خلال الأزمة المالية العالمية 2008-2009، بلغت مساهمات روسيا في المساعدات التنموية 785 مليون دولار، وفي الفترة نفسها، أطلقت موسكو آلية تعاون مبتكرة للاستجابة للأزمات، وهي الصندوق الأوراسي للاستقرار والتنمية، بتعهدات روسية بلغت 7.5 مليار دولار، وكانت جزء من المساعدات التنموية الرسمية عبر قنوات متعددة الأطراف، تشمل مجموعة البنك الدولي، ومنظومة الأمم المتحدة، ومبادرات عالمية كبرى، وصناديق مخصصة لأغراض محددة.

الدعم الروسي الإنمائي حول العالم
الدعم الروسي الإنمائي حول العالم

 

وأوضح أن روسيا عززت دورها العالمي من خلال التزامها الموسع بآليات التنمية متعددة الأطراف، حيث منذ عام 2004، زادت موسكو بشكل مطرد من مساعداتها للمؤسسة الدولية للتنمية، ودعمت عددا من مبادرات التنمية العالمية من خلال المساهمة في مختلف الوكالات متعددة الأطراف، بما في ذلك الصناديق الاستئمانية التي يديرها البنك الدولي للإنشاء والتعمير.

وأشار إلى أن روسيا تعد شريكا للمؤسسة الدولية للتنمية منذ عملية التجديد التاسعة لمواردها عام 1997، وشكلت الدورة السابعة عشرة للمؤسسة الدولية للتنمية محورا رئيسيا لانخراط موسكو مع البنك الدولي عام 2013، حيث قدمت دعمها للمؤسسة الدولية للتنمية على المستوى الوزاري مستفيدة من رئاستها لمجموعة العشرين، واستضافت اجتماع تجديد موارد المؤسسة الدولية للتنمية في موسكو في ديسمبر 2013.

وأوضح أن روسيا تمتلك 22 صندوقا استئمانيا تابعا للمؤسسة الدولية للتنمية / البنك الدولي للإنشاء والتعمير، منها 14 صندوقا نشطا حاليا، وبلغ إجمالي التعهدات لهذه البرامج ما يقارب 267 مليون دولار، وتركز الصناديق الاستئمانية الروسية التي يديرها البنك الدولي للإنشاء والتعمير على مجالات مكافحة الأمراض المعدية، وجودة التعليم الأساسي، وتوفير الطاقة، والاستجابة لأزمات الغذاء، وبرامج الدعم الاجتماعي.

الدور الروسي في دعم المنظمات الدولية
الدور الروسي في دعم المنظمات الدولية

 

من جانبها تؤكد الدكتورة لانا بدفان، أستاذ الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة موسكو، أن دول مثل الصين وروسيا قد تجد في هذا الانسحاب الأمريكي فرصة لتعزيز نفوذها في المنظمات الدولية، لافتة إلى أن هذه الدول يمكن أن تسعى إلى فرض رؤيتها الخاصة على القضايا العالمية، مما قد يؤدي إلى صراعات جديدة حول القيم والمبادئ الأساسية التي تحكم العلاقات الدولية.

وتضيف في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، من موسكو، أن قرارات ترامب تمثل تغيير في السياسة الخارجية، وخطوة نحو إعادة تشكيل النظام الدولي بأسره، وهذا الوضع الجديد يتطلب من المجتمع الدولي أن يكون أكثر استعدادا للتعاون والتنسيق لمواجهة التحديات العالمية، بدلا من الانزلاق نحو الفوضى والانقسام، مشيرة إلى أن الانسحاب الأمريكي يعد تحولا جذريا في السياسة الخارجية لواشنطن، ويعكس توجها نحو القومية والانغلاق الذي قد تكون له تداعيات عميقة على النظام الدولي ويفتح المجال أمام إعادة تشكيل القوى العالمية، وهو ما ستستغله روسيا.

وتشير إلى أن هذا الانسحاب قد يؤدي إلى إعادة تشكيل التحالفات التقليدية، خاصة أن الدول الحليفة التي شعرت بالقلق من هذا القرار قد تبحث عن شراكات جديدة، مما يخلق تحالفات غير متوقعة قد تؤثر على الاستقرار العالمي، موضحة أن هذا قد يجعل العالم أكثر انقساما، حيث تسعى كل مجموعة من الدول إلى تعزيز مصالحها الخاصة، مثل كندا عندما اتجهت إلى تقوية علاقاتها وشراكاتها مع الصين.

وتوضح أستاذ الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة موسكو، أن الانسحاب من المنظمات الدولية قد يؤثر سلبا على الاقتصاد العالمي، لأن التعاون الدولي هو مفتاح لمواجهة الأزمات الاقتصادية، مثل الأزمات المالية أو الأوبئة، وضعف التعاون قد يؤدي إلى تفاقم الأزمات، مما يؤثر على النمو الاقتصادي في الدول النامية والمتقدمة على حد سواء، لافتة إلى أن هذه الخطوة تهدد أيضا بتقويض النظام الدولي القائم على القواعد التي تأسست بعد الحرب العالمية الثانية، وتعتمد على التعاون الدولي لمواجهة التحديات العالمية مثل التغير المناخي، والأمن، والصحة العامة، وغياب القيادة الأمريكية قد يؤدي إلى تفكك هذا النظام، مما يتيح لدول أخرى مثل الصين وروسيا تعزيز نفوذها، وبالتالي تغيير موازين القوى العالمية.

 

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة