نقلت لي صديقة حالة من التفاؤل العارم سادت بيئة عملها فور تعيين مدير جديد؛ خلفاً لمديرٍ سابق بلغ سن التقاعد، كان الموظفون يعلقون آمالًا عريضة على هذا القادم الجديد؛ آملين في تصحيح المسار، وإرساء قواعد العدالة التي افتقدوها طويلًا.
ومع ذلك، مرت الأشهر الثلاثة الأولى دون أي تغيير يذكر، حتى لو كان قرارًا بسيطًا يعيد الثقة. ومع مرور الوقت تلاشت روح الأمل في قلوب الموظفين، وعاد الجميع إلى روتينهم القديم محبطين كما كانوا من قبل.
مع كل تغيير قيادي، لا يتغير المدير فقط بل تتغير التوقعات، يأتي اسم جديد على الباب، فتُضاء في قلوب الموظفين شمعة صامتة "لعلها البداية التي انتظرناها".
القيادة الجديدة ليست مجرد منصب يُشغل، بل فرصة نفسية وتنظيمية لإعادة ضبط المعادلة داخل المؤسسة، في تلك اللحظة الأولى، يكون العاملون في أعلى درجات الاستعداد للتصديق، وأعلى درجات الرغبة في منح الثقة، إنها لحظة نادرة يُعاد فيها توزيع الأمل.
لكن ماذا يحدث عندما تمر الأسابيع، ثم الشهور، دون إشارة؟
توصلت أدبيات الإدارة والسلوك التنظيمي إلى أن الأمل قد يتحول إلى مورد تنظيمي مؤثر في المراحل الأولى لأي تغيير إداري، ففي تلك اللحظات تتشكل حالة تُعرف بـ "الزخم المبكر"؛ حيث ترتفع التوقعات، ويزداد استعداد العاملين للتعاون والدعم بدرجة تفوق المعتاد.
ويُفسَّر هذا السلوك جزئيًا بما يُعرف في علم النفس بـ "تأثير الهالة"؛ إذ يميل الموظفون إلى إسقاط مجموعة من الصفات الإيجابية على القائد الجديد، فيرونه منقذًا مرتقبًا قادرًا على تصحيح الأوضاع، ونتيجة لذلك يرتفع سقف التوقعات أحيانًا إلى مستويات قد تتجاوز الواقع الفعلي.
غير أن هذه التوقعات المرتفعة لا تبقى في إطار الانطباعات فقط، بل سرعان ما تدخل مرحلة الاختبار العملي؛ إذ يبدأ الموظفون في مراقبة سلوك القائد الجديد بحثًا عن إشارات تؤكد أو تنفي تلك الصورة المتفائلة، وتتفق هذه الحالة مع ما طرحته "إيمي إدموندسون"، الباحثة في جامعة هارفارد، في دراساتها حول "الأمان النفسي"؛ إذ تؤكد أن سلوك القائد "خاصة في بداياته" يعمل كمغناطيس يحدد اتجاه شعور الفريق بالأمان؛ فالموظفون يمارسون فعليًا ما يسميه العلم "مراقبة الإشارات"؛ فهم لا يكتفون بسماع ما يقوله المدير، بل يراقبون بدقة ردود فعله الأولى: كيف يتفاعل مع النقد الصريح؟ كيف يتعامل مع الخطأ؟ وهل ينصت للجميع أم لقلة مختارة؟
ومن هنا تكتسب المرحلة الأولى من قيادة المدير أهمية استثنائية؛ فالأيام التسعون الأولى تمثل ما يمكن تسميته "رأس المال السياسي "للقائد ففي هذه الفترة تتشكل الانطباعات النهائية حول قدرته على تحويل التوقعات إلى واقع، وإذا لم تُترجم هذه التوقعات إلى قرارات وأفعال ملموسة، تصبح استعادة الثقة لاحقًا أكثر صعوبة؛ إذ يظهر خطر "الجمود"، فالموظف لا يكره القرار الخاطئ بقدر ما يكره "اللا قرار"، لأن غياب الفعل يقتل الطموح ويدفع الموظفين تدريجيًا إلى العودة إلى نمط العمل الآلي.
وهذا التراجع ليس مجرد شعور عابر، بل هو مسار ملموس يمكن وصفه بـ "منحنى الأمل التنظيمي"؛ إذ ترتفع التوقعات في البدايات إلى ذروتها، ثم تبدأ في الانهيار إذا غابت الخطوات العملية، وبحسب تقارير شركة "Gallup"، فإن هذا الأمل ليس رفاهية، بل هو أحد أهم المحركات التي يبحث عنها الموظفون في قادتهم؛ لما له من أثر مباشر في رفع مستويات الاندماج الوظيفي أو القضاء عليها تمامًا.
غير أن غياب الإشارات القيادية الداعمة لا يترك الأمور كما هي؛ فالأوضاع لا تبقى محايدة، بل تبدأ الثقة في التراجع قبل أن تترسخ. ومع مرور الوقت يتحول الأمل الذي شعر به الموظفون في البداية إلى حذر وتردد، وينخفض استعدادهم للمبادرة، ويعود ما يُعرف بالصمت التنظيمي ليظهر من جديد داخل بيئة العمل.
يبقى السؤال الجوهري: لماذا يتردد بعض القادة الجدد في اتخاذ الخطوة الأولى؟ تتعدد الأسباب، بين الرغبة في تجنب التصادم مع إرث الماضي، أو التوجس من تبعات القرارات المُتسارعة، وصولاً إلى الغرق في التفاصيل الإجرائية على حساب البُعد الإنساني، والاعتقاد الواهم بأن الوقت كفيل بإحداث التغيير. لكن الحقيقة أن الوقت وحده لا يُصلح ثقافة، كما أن الصمت لا يرسخ عدالة.
قد يظن القائد أنه في مرحلة "دراسة الوضع"، بينما يقرأ الموظفون صمته كرسالة إحباط مفادها: "لا شيء سيتغير"؛ فالمشكلة أحيانًا لا تكمن في غياب القرار، بل في غياب الرسالة. أحيانًا، لا ينتظر الفريق ثورة إدارية، بل يحتاج إلى "إشارات رمزية" تؤكد أن النهج قد اختلف؛ سواء عبر جلسة إنصات صادقة، أو مراجعة لقرار مثير للجدل، أو وضع خارطة طريق مُعلنة تعيد بناء جسور الثقة.
أيها القادة الجدد..
حين دخلتم مكاتبكم لأول مرة، لم تدخلوا وحدكم، دخل معكم أمل صامت يسكن عيون العاملين، كانوا ينتظرون إشارة، كلمة، موقفًا أي شيء يقول لهم أن العدالة ليست شعارًا مؤجلًا.
تذكروا أن العدالة لا تبدأ بقرار إداري، بل تبدأ بإعلان نية واضح، وأن أول ثلاثة أشهر ليست فترة مراقبة فقط، بل هي فترة تأسيس الثقة.
إن لم تُشعلوا أنتم شمعة الأمل، فلا تندهشوا إن تعود المؤسسة إلى عتمتها المعتادة.
فالقيادة ليست تغيير اسم على الباب.. بل تغيير إحساس داخل القلوب.