أغلب الاستوديوهات التحليلية المنصوبة على صفحات التواصل الاجتماعى لا علاقة لها بالحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، وكثير منها يدخل ضمن قوائم الخيالات والهبد، ويستند إلى معلومات بعضها مزيف أو غير معلوم المصدر، وكل فريق من مشجعى مباريات الحرب يتبنى معلومات تناسب أمنياته أو تخيلاته. المفارقة أن الكثير من هذه الأخبار والمعلومات المفبركة يتم نسبها إلى مصادر ومواقع أو وكلات أنباء، ولا يخضعها السادة المشيرون للعقل أو المنطق، وبالتالى تغيب أى قدرة على قراءة الأمر، بجانب دخول الذكاء الاصطناعى فى اللعبة وظهور فيديوهات ومشاهد مصنوعة بسذاجة ومع هذا يقع فى شباكها مشجعو الحرب.
قبل يومين انطلقت شائعة منسوبة لوكالات الأنباء عن مقتل رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، بالقصف، بعد ساعات من إعلان مقتل المرشد الأعلى لإيران على خامنئى، وبالطبع فإن مقتل أى شخص أمر ليس مستبعدا، لكن الواقع أن الخبر كان منسوبا لوكالات معروفة لم تذع الخبر ولم يكن موجودا على صفحاتها، لكن هناك كثيرون تعاملوا معه على أنه صحيح، وأعادوا نشره مرات، مع تهليل وتصفيق، وكان هذا نموذج من أخبار كثيرة انتشرت عن كلا المعسكرين بلا أصل ولا أساس، ومنها تصريح منسوب لوزير دفاع إيران يؤكد فيه أن إيران لديها قنابل نووية وسوف تستعملها، والخبر مصدره صفحة يوتيوب بائسة، مثل من أطلقها، والمدهش أن السادة المضحكين أعادوا نشر الكذبة، وصدقوها، وكأنهم من كوكب آخر خارج نطاق العقل.
نقول هذا لنشير إلى أن الكثير مما ينشر هو بعض الحقيقة وما تسمح به أطراف الحرب، وكل طرف يحاول إطلاق حربه النفسية، بإعلان انتصاراته، بينما نحن أمام حرب وارد فيها الخسائر من كلا الطرفين بشكل واضح، وفيما يتعلق بالوضع فى إيران، واضح أن هناك توسيع رقعة الحرب، فى منطقة الخليج ضد الإمارات والكويت والبحرين والسعودية وقطر، ووصل الأمر إلى سلطنة عمان التى تمثل طرفا فى المفاوضات على مدى شهور، وهذا التوسع فى قصف دول عربية بدعوى أن القصف يستهدف قواعد أمريكية لا يمنع من أن إيران تخسر الكثير من دول المنطقة وتدعم وجهة النظر القائلة بأن الهيمنة أحد أهداف مساعى طهران على مدى عقود، ونفس الأمر ينطبق على ما فعله حزب الله بإطلاق صواريخ تجاه فلسطين المحتلة، الأمر الذى منح إسرائيل ذريعة لقصف لبنان، الذى يجد شعبه نفسه مرة أخرى طرفا فى حرب ليس له فيها أى مصالح.
ثم إن حزب الله نفسه عجز عن تنفيذ ما قال إنه مساندة غزة، وخسر بشكل مأساوى، وتم اختراقه وتفجير قياداته، وقتل الأمين العام السيد حسن نصر الله، وخلفائه، وقيادات الحزب، وبالتالى فإن دخول حزب الله فى هذه المواجهة، يضاعف من خسائر لبنان، ولا يمكن أن يمثل أى نوع من المساندة لإيران، فضلا عن كونه سوف يمنح إسرائيل فرصة لمزيد من العدوان على لبنان، وقد كشفت تجربة حرب العامين أن إسرائيل أصبحت تخوض حربا على أكثر من جبهة، ثم إن هذه الحرب فيها الولايات المتحدة.
نحن هنا نحاول قراءة ما يجرى بعيدا عن استقطابات مدرجات الكرة، وبالطبع فقد اعترفت الولايات المتحدة بسقوط طائراتها فوق الكويت بنيران صديقة، وسواء كانت نيران صديقة أو صواريخ فهى خسارة كبيرة للولايات المتحدة، التى واجهت حاملات الطائرات هجمات، وأيضا قواعدها بدول الخليج، كما أصابت الصواريخ الإيرانية مناطق ومواقع مهمة فى إسرائيل وتل أبيب والقدس وغيرها، وطبعا هناك تكتيم إسرائيلى على الخسائر، مثل غياب أى تقارير واضحة حول خسائر إيران وما تملكه من صواريخ ومدى الدمار والخسائر.
كلا الطرفين يخفى خسائره إن وجدت حفاظا على السرية والنفسية، لكن المثير أن الحرس الثورى أعلن أنه لم يقصف أرامكو فى السعودية، وأن الفاعل هو إسرائيل بطريقة استخبارية والهدف الإيقاع، لكن هذه البيانات من الحرس الثورى قد تكون صحيحة أو غير صحيحة، لأن الحرس يطلق الصواريخ باتجاهات مختلفة، ويمنح أمريكا مبررا ومعها إسرائيل بتبرير الحرب.
وامتدادا للهبد غير الاستراتيجى فإن أحد ضاربى الودع، الذى يزعم أنه تنبأ بالحرب، أصابته لوثات الكاميرا وبدأ يوجه نصائح وتوجيهات ونظريات تنطلق من تمجيد التفوق الإسرائيلى فى الحرب، بينما يتغافل عن خسائر هذا المعسكر، ثم إنه يمد توقعاته وتحليلاته إلى اتجاهات وزوايا الهبد، لأنه يظن أن اللايكات من جمهور الترسو ، الذين يصدقون الكلام المنسوب لوزير دفاع إيران عن النووى، أو مقتل نتنياهو، أو أن إيران تخفى المرشد وسوف تخرجه فى مفاجأة تكتيكية.
نقول هذا لنلفت النظر إلى أن هناك عالما موازيا من الأكاذيب والمعلومات المفبركة، وعلى من يريد تشجيع هذا المعسكر أو ذاك، أن يحاول إعمال العقل، وعدم الغرق فى أوهام وخيالات وخزعبلات الهبد المفبرك، وربما على بعض من يجلسون فى مقاعد تشجيع المعسكر الإيرانى، بعد أن قضوا عامين يشجعون معسكر الطوفان، بينما أغرقهم الطوفان مع من صنعوه، فى حروب الخاسرين. وربما على السادة مشجعى كرة الحرب، أن يعملوا عقولهم بعيدا عن الدونية التى يعانون منها.
والهدف فى النهاية هو الفهم، بعيدا عن مدرجات الانحياز المستمر، التى تعبر عن أزمات يعانى منها من يكذبون على أنفسهم طوال الوقت بلا توقف.
