ثمة مدن لا نعيش فيها، بل هي التي تعيش فينا، والإسكندرية في هذا البوستر ليست مجرد مكان، بل هي حالة من الفن والذاكرة الجمعية التي تعيد تشكيل علاقتنا بالمكان. حين اختار القائمون على مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير "الترام" بطلاً لبوستر هذا العام، لم يكن الغرض مجرد استدعاء شكل تراثي، بل كان الهدف هو القبض على "الزمن" نفسه. إننا أمام رؤية بصرية تعيد الاعتبار للتفاصيل الصغيرة التي نصادفها كل يوم، فتحولها من وسيلة مواصلات عابرة إلى وسيلة لنقل الذاكرة عبر الأجيال. هذا التمهيد ليس مجرد مقدمة، بل هو دعوة لتأمل كيف يمكن لبوستر مهرجان أن يكون "فيماً قصيراً" بذاته، يحكي عن مدينة تقاوم النسيان بالسينما، تتمسك بهويتها في وجه التغير، ليصبح الفن هو الملاذ الأخير لكل ما نخشى ضياعه.
من هذه النقطة تحديدًا يأتي بوستر مهرجان الإسكندرية السينمائي الدولي للفيلم القصير هذا العام كمساحة بصرية مشحونة بما هو أبعد من مجرد إعلان لحدث فني، إذ ينجح في استدعاء حالة مركبة من الانبهار والحنين في آنٍ واحد، مستندًا إلى ذاكرة مدينة تتنفس السينما بقدر ما تتنفس البحر، حيث يغدو التصميم هنا فعلًا تأويليًا يتجاوز التوثيق إلى صناعة الرمز. لا يتعامل الأفيش مع الإسكندرية كخلفية جغرافية باردة، بل ككائن حيّ تتداخل فيه الأزمنة، حيث يتحول ترام الإسكندرية، ذلك الرمز اليومي البسيط، إلى أيقونة دلالية تُحيل إلى تاريخ ممتد من الحكايات والتغيرات والتحولات الاجتماعية، مشكلاً جسراً يربط بين حداثة الشكل وعراقة المضمون. الترام هنا ليس مجرد وسيلة نقل، بل حامل لذاكرة جماعية، عابر للأجيال، ومرآة لإيقاع المدينة الذي ظل ثابتًا رغم تبدل ملامحه.
إن المعالجة البصرية التي تمزج بين الواقعي والمتخيل تمنح الأفيش طابعًا شاعريًا، كأننا أمام لقطة سينمائية لا تُسجّل ما كان فقط، بل تعيد تخيّله وتمنحه حياة جديدة، فهذه الفلسفة البصرية تعيد صياغة "الزمن المفقود" في إطار كادر فني لا يعرف الأفول. هذا التداخل بين الحقيقة والخيال يوازي تمامًا وظيفة السينما ذاتها، فكما يعيد الأفيش إحياء الترام الغائب، تعيد الأفلام إحياء لحظات اندثرت، وتمنحها فرصة أخرى للبقاء في الوعي الجمعي، ليتحقق بذلك انتصار الصورة على غياب المادة. هنا يتحول الغياب إلى حضور مضاعف، وتصبح النوستالجيا ليست مجرد حنين سلبي، بل فعل مقاومة ضد النسيان، وآلية استنطاق للمسكون في الذاكرة السكندرية.
اللافت أن هذا الانبهار البصري لا ينفصل عن حسّ عاطفي دافئ، إذ يوقظ الأفيش شعورًا خفيًا بالانتماء، حتى لمن لم يعايش هذا الترام في ذروته، مما يؤكد أن الصورة حينما تكتنز بالصدق تصبح ملكية عامة للمشاعر. إنه ينجح في خلق ذاكرة بديلة، أو بالأحرى ذاكرة متخيلة، تُشعر المتلقي بأنه جزء من هذا التاريخ، وهو ما يُحسب لفكرة موني محمود وتنفيذ كيرلس مكسيموس، حيث يتجلى وعي بصري قادر على توظيف الرمز المحلي في خطاب إنساني أوسع، محولاً الخصوصية الجمالية للمكان إلى لغة عالمية يفهمها عشاق الفن السابع.
وفي سياق أوسع، لا يمكن فصل هذا الأفيش عن روح المهرجان ذاته، هذا الحدث المهم الذي بات نموذجًا لجدية المبادرات الشبابية في المشهد السينمائي المصري، وهو ما يعزز من قيمة المؤسسة الفنية التي لا تكتفي بالعرض بل تصنع الهوية البصرية لمدينتها. حيث يقف خلفه فريق يعمل بإصرار واضح على ترسيخ حدث يليق بمدينة الإسكندرية، من بينهم: محمد محمود (رئيس المهرجان)، ومحمد سعدون (مدير المهرجان)، وموني محمود (المدير الفني)، إلى جانب فريق أوسع يواصل العمل بشغف جماعي يعكس إيمانًا حقيقيًا بالسينما كقوة ثقافية قادرة على البقاء والتأثير. هذا الإصرار على الاستمرار، عامًا بعد عام، في تنظيم حدث نوعي يليق بمدينة بحجم الإسكندرية، مدينة ارتبط اسمها بتاريخ طويل مع الصورة والحكي، يعكس وعيًا حقيقيًا بأهمية السينما كفعل ثقافي، وليس مجرد ترف فني، فهي هنا ذاكرة موازية تحمي ملامح المدينة من التآكل الزمني.
هذا الإصرار يتجسد في كل تفصيلة، بدءًا من اختيار بوستر يحمل هذا القدر من العمق، وصولًا إلى البرنامج السينمائي الذي يسعى إلى مواكبة الحراك العالمي في السينما والثقافة، دون التفريط في الخصوصية المحلية.
هكذا يبدو الأفيش، في جوهره، بيانًا بصريًا عن علاقة السينما بالذاكرة، وعن قدرة الصورة على مقاومة الفقد، وعن مدينة لا تزال، رغم كل شيء، تحتفظ بروحها في التفاصيل الصغيرة التي يعيد الفن صياغتها بهيئة مغايرة. وبين الانبهار الأولي والحنين المتسلل، ينجح في أن يضعنا أمام حقيقة بسيطة لكنها مؤثرة: ما يختفي من الواقع لا يختفي بالضرورة من الوجدان، طالما هناك من يملك شغف إعادة روايته، وطالما ظلت السينما هي الحارس الأمين على أحلامنا المجسدة فوق الورق.