حازم حسين

جغرافيا ماكرة وتاريخ لا يرحم الأغبياء

الأحد، 29 مارس 2026 02:00 م


الحقيقة فى مكان آخر؛ لا مع إيران، ولا الولايات المتحدة وإسرائيل، وثلاثتهم يعيثون فى المنطقة فسادا، ويُعرّضون حاضرها ومستقبلها لخضّة تفوق الاحتمال، وربما تكون مقدمة للأسوأ الذى لم يأتِ بعد.


ما تفجّرت الحرب إلا لأن نتنياهو أرادها. هكذا كانت الجولة الأولى صيف العام الماضى، ولم يختلف الأمر فى الثانية حاليا.
على أن الجمهورية الإسلامية سعت إليها حثيثا، أو لم تبذل أى جهد واعٍ لتجنّبها؛ فأوعزت لأذرعها بالطوفان وما بعده من بِرَك دمٍ وأوهام، إلى أن استُدرجت بكامل جسدها لقعر المستنقع.


طُعمٌ ألقاه لها الشيطان الأصغر؛ فاصطادها الأكبر. وكلاهما وُرِّط على غير هواه، وتأخذه العزّة بالإثم: الملالى يدّعون البأس والجاهزية والثبات كذبًا، وترامب ينسب الواقعة لنفسه؛ لا لشىء إلا حفظ ماء الوجه.


دخلت المواجهة شهرها الثانى، أو تكاد. الوتيرة منخفضة نسبيا على خلفية المُهلة الأمريكية وجهود الوسطاء، وتل أبيب على أطراف أصابعها، تنفخ فى النار، وتتحسّب لموعد الإطفاء الاضطرارى


مُنِحَت الجمهورية الإسلامية يومين قبل تدمير محطات الطاقة، زِيدَت إلى خمسة؛ ثم عشرة أيام تنتهى الاثنين بعد المقبل.
وظاهر الصورة أن واشنطن أفرغت حمولة غضبها، أو تتعثّر فيها، ولديها رغبة جادة فى وقف الاستنزاف، والبحث عن مخارج مقبولة ومُقنعة.
غير أن المعنى الضدّ قابل للاستحضار أيضًا، اتّصالا بالخلفية وسابق الخبرات؛ فقد أُرخِى ستار التفاوض مرّتين؛ ليكون مُجرّد فسحة لشراء الوقت، وخداع الخصم، واختراع المُبادأة من رحم سياق مكشوف تماما.


هدّدت مُتحدثة البيت الأبيض بالويل والثبور؛ ما لم تقتنع طهران بالهزيمة وتتصرّف على أساسها. وبشّرت بأن سيّدها المستر دونالد جاهز لضربة أقوى، وسيفتح عليها أبواب الجحيم.


وفى الجُملة التالية، توصّلت لتخريجة لا يُمكن إلا أن تتوقف أمامها، وهى باختصار: قتلنا المُرشد الأعلى، ولا أحد رأى القيادة الجديدة؛ إذن فقد جرى تغيير النظام.


يُضاف لذلك ما كرّره الرئيس نفسه غير مرّة، عن إنجاز الأهداف الحربية المقصودة كلها، وتحقيق انتصار لا غبار عليه فى أرض فارس.
يُستَشَف من فحوى الإشارات المتواترة؛ أن الإدارة تسعى لإنجاز اتفاق، وربما تسير إلى الاحتفال بالنصر وتجميد الميدان من جانب واحد.
وبالدرجة نفسها؛ ربما تكون بصدد التحضير لمفاجأة فى الكواليس، وستتكشّف الوقائع فيما بعد العشرة الأيام.
سُحِبَت حاملة طائرات من الاثنتين بالمنطقة، وسيُعوّض عنها بثالثة تصل فى الفترة المقبلة.
لدى الولايات المتحدة أصول عسكرية كُبرى فى المنطقة، ونحو أربعين ألف جُندى، أُضيفت لهم مؤخّرا عدّة آلاف من المظلّيين ومشاة البحرية، ويجرى الحديث عن عشرة آلاف آخرين.


والحسبة كلها لا تكفى لغزو البرّ الرئيسى لإيران، ولا حتى السيطرة على حشد الجُزر الواسع فى الخليج العربى ومضيق هُرمز، أو حتى فتحه بالقوّة.
لا حسم حتى الآن، ويتعذّر على الطرفين. غير أنهما قادران على استنزاف بعضهما، وإطالة أمد النزف؛ قبل الالتجاء إلى الحلول نفسها بكُلفة أعلى.
فخ يعلق فيه الجميع؛ ويبحثون عن مخارج مشروطة: إسرائيل تطلب إطاحة النظام وإكمال ترسيم المنطقة، وذلك ليس ممكنا فى القريب.
إيران غرضها ترشيد الخسائر، وأخذ ضمان بعدم التكرار، مع رفع كُلفته.


وترامب يسعى لتخفيف عبء الاقتصاد، وتثبيت مكاسب الميدان، وانتشال "هرمز" من أن يكون بطاقة حمراء دائمة فى أيدى حرس الثورة.
والمضيق مُعضلة جغرافية، وتحميه الطبوغرافيا. ثلاثون كيلو مترا خُمسها تصلح للملاحة، ونحو عشر جُزرٍ تتخلله، وإطلالة حاكمة من سلسلة جبال زاجروس.
بموارد قليلة يُمكن إرباك الممرّ، وتصعب السيطرة على مسرح عمليات يمتد 500 كيلو متر، فضلا على 1300 كيلو تقريبا فى الخليج، وتصلح منصّة لتهديد الملاحة.


كل تصعيد زائد سيكون خطيئة إيرانية مضاعفة؛ والمشهد صار متوالية من أخطائها؛ لعل أفدحها إطلاق أربعة أخماس الصواريخ والمُسيّرات على العرب، وأقل من خُمسٍ لإسرائيل.


ما رفع الملالى راية فلسطين لوجه القضية، ولا تدخلوا فى المنطقة لمصلحتها. خرّبوا أربع عواصم أو يزيد، وكانوا يتباهون، وما يزال العراق ولبنان رهينتين للميليشيات.


كان محور المُمانعة استثمارًا شخصيًّا، والأذرُع دفاعات متقدمة. النووى ليس مطلوبًا للتحصين؛ بل للتهديد. بالضبط كما جرى توظيف الباليستى ضد الخليج قبل الصهاينة.


غايتها أن ترفع كُلفة المواجهة؛ بما يُجبر الآخرين على احتوائها بالأثمان التى تطلبها.
ابتزاز لدول الاعتدال، واقتسام مغانم مع الآخرين. وسبق أن حاربت العراق بسلاح إسرائيل، وتوغّلت فيه وقطّعت أوصاله تحت راية أمريكية.
لا يُلدَغ المؤمن من جُحرٍ مرّتين؛ ما يُعرّض إيمان الملالى للتشكيك بالنظر إلى لدغتى يونيو وفبراير، وقد تكون الثالثة على الأبواب.
حرب ظالمة من مُبتداها لخاتمتها. ظلمت إيران نفسها والجوار، وظُلِم شعبها من نظامه والغزاة، وتُظلَم المنطقة العربية من الثلاثة.
ستتحقق الصفقة، وستعوض واشنطن بعض دول المنطقة عن تغييبها، بضمانات أمنية أو مزايا فى التسليح.
الصهاينة رابحون، وستتعاظم أرباحهم بارتماء وافدين جدد فى أحضانهم.. أما المُمانَعة فتلفظ أنفاسها، والجغرافيا الماكرةُ تئنُّ وتنزف، والتاريخ، كعادته، لن يرحم الأغبياء.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة