شعب الله المختار.. كيف قرأ التراث الإسلامى فكرة تفضيل بنى إسرائيل؟

السبت، 28 مارس 2026 08:00 م
شعب الله المختار.. كيف قرأ التراث الإسلامى فكرة تفضيل بنى إسرائيل؟ تفسير ابن كثير

أحمد إبراهيم الشريف

عاد مصطلح شعب الله المختار إلى المناقشات الثقافية والدينية مدفوعًا بسياقات سياسية وإعلامية متشابكة، وبينما ينسب هذا المفهوم فى جذوره إلى التراث اليهودي، فإن السؤال الذى يفرض نفسه فى السياق العربى والإسلامى هو: كيف نظر التراث الإسلامى إلى هذه الفكرة؟ 

ينطلق التراث الإسلامى فى تعامله مع هذه القضية من نصوص قرآنية واضحة، أبرزها قوله تعالى "يا بنى إسرائيل اذكروا نعمتى التى أنعمت عليكم وأنى فضلتكم على العالمين"، هذه الآية تمثل نقطة البداية فى فهم موقع بنى إسرائيل داخل التصور الإسلامي، لكنها لم تفهم فى كتب التفسير بوصفها إعلانًا عن تفوق مطلق أو دائم، بل بوصفها تفضيلًا مرتبطًا بظرف تاريخى محدد.

فقد ذهب كبار المفسرين إلى أن هذا التفضيل مقيد بزمن معين، وليس عامًا على كل الأمم فى كل العصور، ونقل الطبرى فى تفسيره عن مجاهد أن المقصود بـ"العالمين" هم أهل زمانهم، وهو ما أكده أيضًا فى تفسير قوله تعالى "ولقد اخترناهم على علم على العالمين"، المعنى نفسه كرره القرطبى حين قال إن التفضيل إنما هو على عالمى زمانهم، وكذلك البغوى الذى ذهب إلى التفسير ذاته.

هذه القراءة التفسيرية لا تبدو مجرد تفصيل لغوي، بل تعكس تصورًا أعمق فى التراث الإسلامي، يقوم على أن التفضيل الإلهى ليس صفة ثابتة لجماعة بعينها، بل حالة مرتبطة بالسياق، تتقدم وتتراجع وفقًا للالتزام أو الانحراف.

ويشرح المفسرون أن سبب هذا التفضيل لم يكن العرق أو النسب، بل ما أعطى لبنى إسرائيل من نعم، فى مقدمتها كثرة الأنبياء فيهم، وإنزال الكتب السماوية عليهم، ونجاتهم من فرعون، وإقامة الملك فيهم فى مراحل معينة، ابن كثير يشير بوضوح إلى أن هذا التفضيل جاء بسبب "ما جعل الله فيهم من الأنبياء والرسل، وما أنزل عليهم من الكتب"، وهو تفسير ينقل الفكرة من كونها "اختيارًا عرقيًا" إلى كونها "تكليفًا دينيًا ووظيفة تاريخية".

لكن هذا التفضيل، كما يظهر فى النصوص نفسها، لم يكن ضمانًا دائمًا، إذ يقدم القرآن صورًا متعددة لنقد بنى إسرائيل بسبب مخالفة الأوامر، وتحريف النصوص، ونقض العهود، وهذا يعنى أن الامتياز لم يكن مطلقًا، بل مشروطًا بالالتزام، وأنه يمكن أن يُسلب حين ينتفى شرطه.

فى مقابل ذلك، يضع القرآن قاعدة عامة تتجاوز كل التصنيفات القومية، فى قوله تعالى: "إن أكرمكم عند الله أتقاكم"، هذه الآية تمثل تحولًا حاسمًا فى ميزان التقييم، إذ تنقل مركز الثقل من الجماعة إلى الفرد، ومن النسب إلى السلوك، الطبرى يفسر هذه الآية بأن الأكرم عند الله هو الأتقى، لا الأشرف نسبًا، بينما ينقل ابن كثير أن الناس ينقسمون إلى بر تقى كريم على الله، وفاجر شقى هين عليه.

وبهذا المعنى، لا يحتفظ التراث الإسلامى بفكرة "الشعب المختار" بوصفها امتيازًا أبديًا، بل يعيد صياغتها داخل منظومة أوسع تقوم على المساواة فى التكليف، والتفاضل فى العمل.

ومن المهم هنا التمييز بين "التفضيل" و"الاختيار" كما يستخدمان فى الخطاب الديني، فبينما قد يفهم "الاختيار" فى بعض التقاليد بوصفه عهدًا دائمًا، فإن التفضيل فى التصور الإسلامى يبدو أقرب إلى حالة تاريخية مرتبطة بوظيفة محددة، تنتهى بانتهاء شروطها. ولذلك، لا يتحدث التراث الإسلامى عن جماعة لها حق حصرى دائم فى القرب من الله، بل عن أمم تتعاقب على حمل الرسالة، ويظل المعيار النهائى هو الالتزام.

هذا الفارق الجوهرى ينعكس أيضًا فى الموقف من الاستخدامات الحديثة للمفهوم. ففى الخطاب السياسى المعاصر، تستخدم فكرة "شعب الله المختار" أحيانًا لتبرير سياسات أو مواقف، وهو ما يثير اعتراضات واسعة، أما فى التراث الإسلامي، فإن هذا النوع من التوظيف لا يجد أساسًا، لأن الفكرة نفسها لا تُفهم بوصفها امتيازًا دائمًا يمكن نقله من النص الدينى إلى الواقع السياسي.

ومن هنا، يمكن القول إن التراث الإسلامى قد تعامل مع بنى إسرائيل بوصفهم أمة لها مكانة تاريخية فى مسار النبوة، لكنه فى الوقت نفسه لم يمنحهم صفة التفوق الأبدي، ولم يجعل هذا التفضيل معيارًا دائمًا فى تقييم البشر.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة