ناهد صلاح

أحمد قعبور .. ويبقى الأثر

الجمعة، 27 مارس 2026 03:20 م


يرحل الكبار وتبقى أصواتهم جسوراً تعبر بنا فوق انكسارات الواقع وصخب الشعارات. كنتُ مجرد طفلة صغيرة تشكّل وعيها على إيقاع الأغنية الملتزمة، إيقاع مطربين وموسيقيين لديهم تجربة فنية استثنائية رفضت الانصياع لمنطق السوق، منهم اللبناني أحمد قعبور الذي رحل عنا مؤخراً، ففي البدء كانت أغنيته الشهيرة "أناديكم"، ثم كانت رحلته من أزقة بيروت إلى الفضاء العربي الأوسع، بأغنيات كانت وثيقة حية على زمن كامل من الحب، والألم، والمقاومة بالجمال، من هذا المنطلق، أدركتُ مبكراً أن الفن لا يسكن الحناجر فحسب، بل يسكن المصائر أيضاً.

بالنسبة لي، لم تكن الأغنية يومًا مجرد صوتٍ يمرّ في الخلفية، بل كانت طريقة لفهم العالم، محاولة مبكرة للإمساك بمعنى ما يحدث حولي، أنا ابنة تلك المرحلة التي تشكّل وعيها على الأغاني الملتزمة، في مصر كنت أستمع إلى الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم، حيث امتزج الغناء بالسخرية اللاذعة والاحتجاج الصريح، في لبنان تعرّفت إلى أصوات مثل مارسيل خليفة وخالد الهبر وأحمد قعبور، الذين حملوا الأغنية إلى مساحة أكثر شاعرية ووجعًا، بينما جاءت من المغرب تجربة ناس الغيوان بما فيها من روح جماعية نابضة، ومن سوريا صوت سميح شقير الذي بدا وكأنه يغنّي من قلب الجرح مباشرة.
وغيرهم كثيرون ممن لم يكونوا مجرد فنانين، بل شهودًا على زمنٍ كامل، حيث نلاحظ هنا أن هذه الأصوات لم تكن مجرد تيارات غنائية متجاورة، بل كانت تشكل "جغرافيا بديلة" للوطن العربي، توحدها الآلام وتفرقها الأساليب التعبيرية بين المباشرة المصرية والرمزية اللبنانية.
هؤلاء جميعًا لم يشكّلوا فقط ذائقتي الموسيقية، بل أعادوا صياغة علاقتي بالفن نفسه، علّموني أن الأغنية يمكن أن تكون موقفًا، وأن الصوت قد يحمل قضية، وأن اللحن ليس دائمًا للمتعة، بل أحيانًا للنجاة.
معهم تعلّمت أن الفن لا ينفصل عن المجتمع، وأن ما نسمعه يمكن أن يترك أثرًا عميقًا في ما نؤمن به، وفي الطريقة التي نرى بها أوطاننا، بكل ما فيها من حب وألم وتناقض، وهو وعي مبكر بأن الجمالية في الفن الملتزم لا تنبع من الزخرفة اللحنية، بل من قدرة اللحن على ملامسة جوهر الحقيقة الإنسانية.
يمثل رحيل أحمد قعبور لحظة فارقة في الذاكرة الثقافية العربية، ليس فقط بوصفه غياب صوت غنائي ارتبط بوجدان جيل كامل، بل باعتباره انطفاء تجربة فنية شديدة الخصوصية، أعادت تعريف العلاقة بين الأغنية بوصفها شكلًا جماليًا، وبينها كوسيلة تعبير عن الهمّ الإنساني العام. لأن قعبور لم يكن مجرد فنان يؤدي نصوصًا ملحنة، بل كان مشروعًا فنيًا قائمًا على التداخل بين الشعر والسياسة والوجدان، حيث تتحول الأغنية من مساحة للتلقي إلى مساحة للتفكير والمساءلة.
من هنا، فإن قراءة تجربته لا يمكن أن تنفصل عن السياق التاريخي الذي نشأ فيه، ولا عن اختياراته الجمالية التي وضعته في موقع خارج التصنيفات السائدة، كما لا يمكن فصل حضوره عن تلك اللحظة العربية المثقلة بالتحولات، حيث جاء خبر وفاته بعد صراع مع المرض ليعيد وضع اسمه في سياق جيل نقل الأغنية من حيّز الاستهلاك إلى أفق أوسع، جعلها وسيلة تماس حي مع الواقع وأسئلته المفتوحة، يمكن القول إن رحيله يغلق قوساً لزمن كان فيه المثقف المشتبك بالواقع هو المركز، قبل أن تزيحه ثقافة "الترند" السطحية.
من الصعب إدراج قعبور ضمن مدرسة غنائية تقليدية، إذ لم يكن مطربًا بالمعنى الطربي الكلاسيكي، كما لم يكن فنانًا تجاريًا يسعى إلى الانتشار الواسع عبر أدوات السوق. لقد بدا أقرب إلى "الراوي" الذي يغني، حيث تتقدم الحكاية على الاستعراض الصوتي، ويغدو الأداء وسيلة لنقل المعنى لا غاية في ذاته، هذه الرؤية التحليلية تقودنا لفهم أن قعبور كان يمارس "أنثروبولوجيا الغناء"، أي توثيق حكايات الناس البسطاء وتحويلها إلى نغم عابر للزمن. ورغم أن صوته قد لا يُصنف تقنيًا ضمن الأصوات الكبرى، فإن ما حمله من صدق إنساني منح تجربته قوة تأثير استثنائية، تفوقت أحيانًا على إمكانيات صوتية أكثر احترافًا.
هذا الصدق تحديدًا هو ما جعل أعماله تتجاوز معيار الجودة التقنية إلى معيار الأثر، وهو معيار أكثر تعقيدًا واستدامة.  لعل خصوصية تجربته تنبع من تداخلها العميق مع سياقها، إلى درجة يصعب معها فصل الصوت عن المرحلة، إذ بدت أغنياته انعكاسًا مباشرًا لواقع مأزوم، محاولة دؤوبة لإعادة صياغته بلغة قادرة على البقاء، بينما انشغل ببناء علاقة مختلفة مع المتلقي، علاقة تبحث عن المعنى في التفاصيل الصغيرة التي غالبًا ما تتوارى خلف صخب الشعارات الكبرى.
وإذا كان هذا التداخل بين الفن والسياق سمة أساسية في تجربته، فإن جذوره تعود إلى تكوينه المبكر، فقد وُلد في بيروت عام 1955، في مدينة كانت تعيش توترها الخاص بين حداثة متعثرة وتاريخ مثقل بالصراعات، وهو ما انعكس على حساسيته الفنية التي تشكلت في بيئة ثقافية ترى في الفن امتدادًا للشأن العام لا انفصالًا عنه.
دراسته في معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية، وانخراطه المبكر في المسرح، منحاه وعيًا مركبًا بوظيفة الفن، جعله يتجه منذ بداياته نحو الإنسان في لحظاته الصعبة، لا نحو الصورة اللامعة للفنان.
من خلال مشاركته في تجارب مثل "الكورس الشعبي"، حيث كان الغناء يُقدّم في أماكن الاحتكاك المباشر مع الواقع، بين الجرحى واللاجئين، ترسخ لديه تصور للأغنية بوصفها فعل مرافقة للحدث لا تعليقًا عليه، فصار صوته وثيقة موازية للوقائع، لا أعلى منها ولا منفصلًا عنها، وهنا يكمن الفرق الجوهري بين فن "المسافة" وفن "الالتصاق" بالناس الذي تبناه قعبور.
في أعماله، يتجلى حضور واضح للقصيدة، خصوصًا في بعدها العامي والإنساني، حيث لا تُستخدم اللغة بوصفها أداة مباشرة للتعبير، بل كحامل دلالي كثيف يعيد تشكيل العلاقة بين المستمع والنص. لم يكن قعبور يقدم خطابًا سياسيًا مباشرًا أو شعاريًا، بل كان يراهن على خلق حالة وجدانية تضع المتلقي في قلب التجربة، بدل أن تفرض عليه موقفًا جاهزًا.
هذا ما نلحظه بوضوح في أغنيته الأشهر "أناديكم"، التي تجاوزت حدود العمل الفني لتتحول إلى ذاكرة جماعية، وإلى شكل من أشكال التعبير الوجداني عن القضية الفلسطينية، حيث استطاع بعبقريته اللحنية البسيطة أن يحوّل كلمات توفيق زياد من المباشرة السياسية إلى إبتهال إنساني:"أناديكم/أشد على أياديكم/وأبوس الأرض من تحت نعالكم/وأقول أفديكم". قد ارتبطت هذه الأغنية بسياقات سياسية مفصلية، من بينها الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، حيث تحولت إلى نشيد يتردد في التظاهرات والفعاليات التضامنية، واستمرت حاضرة في الوجدان العربي مع كل لحظة توتر، إلى جانب أعمال أخرى مثل "يا نبض الضفة" و"سموني لاجئ". تكمن قوة هذه الأغنية في قدرتها على تحقيق توازن نادر بين العاطفة والفكرة، إذ لا تنزلق إلى المباشرة، ولا تغرق في التجريد، بل تبني مساحة مشتركة بين الفن والسياسة، تجعل المستمع شريكًا في المعنى.
تكشف "أناديكم" عن جوهر مشروع قعبور الفني، القائم على تحويل الشعر إلى طاقة إنسانية قابلة للانتقال عبر الزمن. فهي ليست مجرد أغنية مرتبطة بسياقها التاريخي، بل نص مفتوح يعاد تأويله مع كل جيل، وهو ما يفسر قدرتها على البقاء في الذاكرة حتى لدى من لم يعاصر لحظة إنتاجها، وهذا ما يسمى نقدياً بـ"الفن عابر الأجيال" الذي يكتسب شرعيته من صدقه لا من ضجيجه، ألم تزل أغنية مثل "يا رايح صوب بلادي" ملائمة لأيامنا هذه؟:"يا رايح صوب بلادي دخلك وصللي السلام/بلغ أهلي وولادي مشتقلن رف الحمام/سلي امي يا منادي بعدا ممنوعة الأحلام/وقلا أياما ببالي والله بتعز الايام".
هذا الامتداد الزمني لا يتحقق إلا في الأعمال التي تتجاوز شرط اللحظة، وتنجح في ملامسة ما هو إنساني وعابر للسياقات. غير أن هذه الأغنية (أناديكم)، على أهميتها، ألقت بظلها على بقية تجربته، حتى كادت تختزلها في الوعي العام، رغم أن مشروعه الغنائي كان أوسع وأكثر تنوعًا، امتد من الألبومات المبكرة،"أناديكم" ظهرت في العام (1976) وأعقبتها تجارب لاحقة حافظ فيها على انحيازه الإنساني، كما في "نحنا الناس": شوارع المدينة مش لحدا/ شوارع المدينة لكل الناس/ رصيف البحر مش لحدا/ رصيف البحر لكل الناس/ نحنا الناس/ نحنا شجر الشوارع/ نحنا حكايا الرصيف...، مرورا بأعمال مثل: "يا نبض الضفة، سموني لاجيء، جنوبيون" وصولًا إلى "والله طلعناهم برا" من كلماته وألحانه، أغنية الفرح بخروج الجيش الصهيوني من لبنان عام 2000، وصولا إلى أغنيات أخرى اتسمت بهدوء أكبر دون أن تفقد جوهرها.
رحلة طويلة ازدهرت في سياق الحرب الأهلية اللبنانية والتحولات السياسية التي أعقبتها، حيث حافظ قعبور على خط فني واضح يقوم على الانحياز للإنسان بوصفه القيمة العليا. مع اندلاع الحرب عام 1975، وجد في صوته وسيلة للتعبير عن وجدان الجماعة، فترسخ لديه تصور للغناء بوصفها موقفًا، وللموسيقى بوصفها لغة حياة لا ترفًا.. لم ينجرّ إلى الاستقطابات الحادة، لم يستخدم فنه كأداة دعائية، بل كوسيلة للتعبير عن الألم الجمعي.
هذا الموقف وضعه في موقع إشكالي، إذ جعله أحيانًا خارج دائرة الضوء، خصوصًا في ظل هيمنة الأغنية الاستهلاكية السريعة، لكنه في الوقت ذاته منحه مكانة خاصة لدى جمهور نوعي يرى في الفن قيمة أخلاقية قبل أن يكون منتجًا ترفيهيًا. هنا تظهر إحدى مفارقات تجربته: أنه كلما ابتعد عن السوق، اقترب أكثر من جوهر الفن، فالعزلة الاختيارية للفنان الملتزم هي في الحقيقة شكل من أشكال المقاومة الثقافية.
تتسم أعمال قعبور ببساطة لافتة في التكوين الموسيقي، حيث غالبًا ما يعتمد على العود أو توزيعات محدودة، في اختيار يبدو للوهلة الأولى تقشفيًا، لكنه في جوهره قرار جمالي واعٍ يهدف إلى منح الكلمة مركزية أكبر. هذه البساطة لا تعكس فقرًا في الإمكانيات، بل وعيًا بوظيفة الموسيقى بوصفها شريكًا في إنتاج المعنى، لا غطاءً عليه.  في زمن تعقدت فيه صناعة الموسيقى، وازدادت فيه هيمنة التقنيات، ظل وفيًا لفكرة أن التأثير لا يحتاج إلى كثافة صوتية بقدر ما يحتاج إلى صدق في التعبير. 
انعكس هذا الوعي أيضًا في تنوع مساراته، إذ لم يقتصر حضوره على الغناء، بل امتد إلى المسرح والسينما والتلفزيون، فشارك في أعمال مثل "ناجي العلي" (1992) إخراج عاطف الطيب، وغيره من أعمال درامية، كما انخرط في تجارب تلفزيونية وموسيقية موجهة للجمهور العام، محققًا توازنًا بين الالتزام والبعد الشعبي، دون أن يفقد هويته.
كما وسّع تجربته لتشمل مجالات أقل صخبًا لكنها أكثر تأثيرًا، مثل الفن الموجه للأطفال، حيث لحّن مئات الأعمال ضمن مشاريع مسرح الدمى والبرامج التلفزيونية، مقدمًا نموذجًا مبسطًا في الشكل، عميقًا في الرسالة، ومؤكدًا أن الالتزام لا يقتصر على القضايا الكبرى، بل يشمل أيضًا تشكيل وعي الأجيال الجديدة، لم يكن انخراطه في الأغاني الرمضانية أو الشعبية خروجًا عن خطه، بل امتدادًا له في سياق يومي، يجعل الفن جزءًا من الحياة لا خطابًا منفصلًا عنها.
غير أن هذه الاختيارات نفسها ساهمت في الحد من انتشاره جماهيريًا، إذ بقي خارج التيار السائد الذي تفرضه آليات السوق. يمكن قراءة هذه الإشكالية من زاويتين متكاملتين: الأولى أن طبيعة مشروعه الفني، القائم على الشعر والموقف، لا تتوافق مع شروط الاستهلاك السريع، والثانية أن السوق ذاته لم يكن مهيأ لاستقبال هذا النوع من الفن. في كلتا الحالتين، يبدو أنه دفع ثمن استقلاله، لكنه في المقابل احتفظ بنقاء تجربته، رافضًا أن يتحول صوته إلى علامة تجارية، ومفضلًا أن يبقى وفيًا لقيم العدالة والإنسان.
ما يميز تجربة قعبور في النهاية هو تعامله مع الفن بوصفه فعلًا أخلاقيًا، لا مجرد نشاط إبداعي، فهو لم يسعَ إلى تمثيل القضايا بقدر ما سعى إلى أن يكون صادقًا تجاهها، وهو فرق جوهري بين الفن الذي يرفع الشعارات، والفن الذي يعيشها. هذا الوعي الأخلاقي هو ما يمنح أعماله قدرتها على الاستمرار، حتى في زمن تغيرت فيه أشكال التعبير وتبدلت أولويات الجمهور. برحيله، لا يخسر المشهد الثقافي العربي مجرد فنان، بل يخسر نموذجًا نادرًا لعلاقة متوازنة بين الفن والضمير، بين الجمال والمعنى. مع ذلك، فإن إرثه لا يُقاس بعدد الأغاني أو الحفلات، بل بقدرته على ترك أثر طويل المدى في الوعي الجمعي.
لقد أثبت قعبور أن الأغنية يمكن أن تكون أكثر من مجرد لحن وكلمات، يمكن أن تكون موقفًا، وسؤالًا، وذاكرة. وربما في هذا تحديدًا تكمن أهميته: أنه أعاد للأغنية معناها الأول، بوصفها تعبيرًا عن الإنسان، لا عن السوق، وعن الحقيقة، لا عن الزيف. وفي زمن تتآكل فيه الحدود بين الفن والاستهلاك، يبقى صوته شاهدًا على إمكانية أخرى للفن، أكثر صدقًا، وأكثر بقاءً، وهو ما يجعله حاضراً في غيابه، تماماً كالأصوات العميقة التي تسكن الذاكرة ولا تغادرها أبداً.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة