على عتبات محاكم الأسرة المكتظة بالحكايات والأوجاع، لم تعد قضايا الخلع تقتصر على الأسباب التقليدية من ضرب أو إهمال أو بخل، بل برزت في الآونة الأخيرة وقائع غريبة تسببت في زلزال داخل البيوت المستقرة، وهي "الزوج المتصابي".
هذا الرجل الذي يقرر فجأة، وبعد سنوات طويلة من العشرة والإنجاب، أن يتمرد على عمره، ويرتدي ثياب المراهقة المتأخرة، ضارباً بوقار الشيب وهيبة الأبوة عرض الحائط.
هنا، لم تجد الزوجات مفراً من اللجوء إلى منصة القضاء، مطالبات بالخلع، ليس كرهاً في الرجل، ولكن رفضاً للإهانة النفسية والاجتماعية التي تسبب بها هذا "المراهق الخمسيني" الذي أضاع بوصلة الوقار.
حكايات سيدات مع الزوج المراهق
وقفت "هدى"، السيدة التي تجاوزت الخمسين من عمرها بقليل، بملامح يكسوها الوقار والحزن في آن واحد، تحكي هدى أمام القاضي بمرارة تقطر من كل كلمة عن تحول زوجها "المهندس المتقاعد" إلى شخص غريب لا تعرفه.
تقول هدى والدموع تخنق صوتها إن زوجها الذي قضت معه ثلاثين عاماً من الكفاح، تحول فجأة بعد زواج ابنتهما الكبرى إلى مراهق يطارد الموضة في أقصى صورها، وبدأ يرتدي ملابس شبابية لا تليق بسنه، ويقضي الساعات أمام المرآة يصبغ شعره ويجري عمليات تجميل لإخفاء التجاعيد.
لم يتوقف الأمر عند الشكل، بل امتد إلى السلوك، حيث بدأ يرتاد أماكن السهر الشبابية، ويلاحق الفتيات في عمر بناته على مواقع التواصل الاجتماعي بكلمات غزل رخيصة.
شعرت هدى أن تاريخها معه يُمسح بـ "أستيكة"، وأن وقارها كأم وجدة مهدد بسب تصرفاته الصبيانية التي جعلتها أضحوكة بين الأقارب والجيران، فكان الخلع هو طوق النجاة الوحيد لصيانة ما تبقى من كرامتها.
وفي حكاية أخرى لا تقل مأساوية، نجد "سلوى"، التي لم تتحمل رؤية زوجها وهو يصور مقاطع "تيك توك" راقصة مع فتيات صغيرات، مدعياً أنه لا يزال في ريعان الشباب.
تحكي سلوى بأسلوب يقطع القلب كيف أن زوجها أهمل ميزانية المنزل ومصاريف تعليم أبنائه في الجامعات، لينفقها على سهرات وهمية وهدايا لفتيات يبتزونه عاطفياً ومادياً.
تقول سعاد إن صدمتها لم تكن في الخيانة بحد ذاتها، بل في "التفاهة" التي وصل إليها شريك عمرها، الذي كان في نظر أبنائه القدوة والمثل الأعلى.
لقد تحول بيتهم إلى ساحة من المشاجرات اليومية بسبب سلوكه "المتصابي"، الذي وصل إلى حد إحراج ابنه في مدرسته عندما ظهر بملابس غريبة وتصرفات صبيانية أمام زملائه.
هنا، أدركت سلوى أن هذا الرجل لم يعد يصلح ليكون رباً للأسرة، وأن البقاء معه هو مشاركة في جريمة تدمير نفسية الأبناء، فرفعت لواء الخلع لتعلن نهاية فصل من المهزلة الأخلاقية التي عاشتها.
خلل نفسى وأزمة منتصف العمر
هذه النماذج ليست مجرد قصص عابرة، بل هي جرس إنذار اجتماعي يشير إلى خلل نفسي يسمى أحياناً "أزمة منتصف العمر"، حيث يشعر الرجل بقطار العمر يفلت من بين يديه، فيحاول التشبث بأذيال الشباب بطرق غير سوية.
إن الزوج المتصابي لا يدرك أن الجمال الحقيقي يكمن في نضج العمر ووقار الشيب، وأنه بنزواته المراهقة تلك، لا يشتري الشباب، بل يبيع الاحترام فالزوجة التي صمدت معه في سنوات الشدة، تتوقع منه في هذا العمر السكينة والوقار، وليس المنافسة على "اللايكات" وصور السيلفي مع المراهقين.
روشتة لتفادى مشاكل الزوج المتصابى
ولأننا في "اليوم السابع" نحرص دائماً على تقديم الحلول بجانب رصد الأوجاع، نضع بين أيديكم "روشتة" نفسية واجتماعية للتعامل مع هذا النوع من الأزمات قبل أن تصل إلى باب المحكمة.
أولاً، لابد من الحوار الهادئ والمبكر عند ملاحظة أولى علامات "التصابي"، وإشعار الزوج بتقدير زوجته لرجولته ونضجه، لأن التصابي غالباً ما يكون رد فعل لشعور داخلي بالنقص أو الخوف من الشيخوخة.
ثانياً، يجب على الزوجة أن تشارك زوجها اهتمامات جديدة تتناسب مع عمرهما، وتكسر روتين الحياة الذي قد يدفعه للبحث عن الإثارة في أماكن خاطئة.
ثالثاً، ضرورة تدخل الحكماء من العائلة لتنبيه الزوج إلى خطورة تصرفاته على صورته الذهنية أمام أبنائه والمجتمع. رابعاً، إذا كان التصابي ناتجاً عن اضطراب نفسي، فلا حرج من استشارة مختصين في العلاقات الأسرية لمحاولة إعادة الاتزان النفسي للرجل.
وأخيراً، إذا استنفدت الزوجة كل سبل الإصلاح، ووجد نفسه أمام رجل يصر على العيش في ثوب المراهق ويحطم وقار البيت، فإن الخلع هنا يصبح حلاً شرعياً وقانونياً للمرأة التي تأبى أن تكون طرفاً في مسرحية هزلية تسيء لكرامتها وتاريخها.
إن محاكم الأسرة تضج بهذه المآسي التي توضح كيف يمكن لـ "لحظة طيش" متأخرة أن تهدم بيوتاً بُنيت بالصبر والعرق على مدار عقود، وصرخات الزوجات في طلب الخلع من الزوج المتصابي هي صرخات من أجل "الوقار المفقود"، ودعوة لكل رجل أن يحترم سنه وتاريخه قبل أن يجد نفسه وحيداً، منبوذاً، ومخلوعاً من قلوب أحبته قبل أن يخلعه القضاء من حياتهم.