قال الدكتور حسين عبد البصير، مدير متحف آثار مكتبة الإسكندرية، إن اقتراح الرئيس عبد الفتاح السيسي بإطلاق برنامج وطني للفنون والإبداع على غرار دولة التلاوة خطوة شديدة الأهمية، بل ويمكن اعتبارها لحظة مفصلية في إعادة صياغة الوعي الثقافي المصري المعاصر، فكما نجحت "دولة التلاوة" في ترسيخ قيمة الصوت القرآني بوصفه تراثًا حيًا وروحا ممتدة في وجدان المصريين، فإن نقل هذه الفكرة إلى مجال الفنون والإبداع يفتح آفاقًا رحبة أمام اكتشاف وصقل المواهب، وإعادة الاعتبار للقوة الناعمة المصرية التي طالما كانت إحدى ركائز الريادة الحضارية لمصر.
وأوضح حسين عبد البصير، في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن مصر منذ فجر التاريخ، لم تكن مجرد أرض للحضارة، بل كانت مصنعًا للإبداع الإنساني، فمن جدران المعابد في الأقصر إلى نقوش المقابر في سقارة، ومن روائع الأدب الكلاسيكي إلى إبداعات السينما والموسيقى الحديثة، ظل المصري يعبر عن ذاته عبر الفن في أسمى صوره، وبالتالي، فإن إنشاء برنامج وطني منظم يهدف إلى اكتشاف ورعاية المبدعين ليس ترفا، بل ضرورة حضارية وثقافية.
أهمية المشروع
وتابع حسين عبد البصير، تكمن أهمية هذا المشروع في عدة مستويات متداخلة، أولها، المستوى التعليمي والتربوي، حيث يمكن لمثل هذا البرنامج أن يعيد تشكيل وعي الأجيال الجديدة، فيغرس فيهم تقدير الجمال، وقيمة التعبير، وأهمية الخيال الخلاق، فالفن ليس مجرد هواية، بل هو أداة لبناء الإنسان المتوازن، القادر على التفكير النقدي، والحلم، والتجديد.
وأشار حسين عبد البصير إلى أن المستوى الثاني، فهو اجتماعي، إذ يمكن للفنون أن تكون وسيلة فعالة لاحتواء طاقات الشباب وتوجيهها نحو الإبداع بدلًا من الانزلاق في مسارات سلبية، وإن منصة وطنية للإبداع ستمنح الفرصة للمواهب من مختلف المحافظات، من القرى والنجوع قبل المدن الكبرى، ليُسمع صوتهم ويُرى إبداعهم، مما يعزز من العدالة الثقافية ويكسر المركزية.
وأضاف حسين عبد البصير، وعلى المستوى الثالث، الاقتصادي، لا يمكن إغفال أن الصناعات الإبداعية أصبحت اليوم أحد أهم مصادر الدخل القومي في العديد من دول العالم، فبرامج اكتشاف المواهب، إذا أُديرت باحترافية، يمكن أن تتحول إلى منصات لإنتاج نجوم في مجالات الغناء، والتمثيل، والكتابة، والفنون التشكيلية، مما ينعكس إيجابًا على الاقتصاد الثقافي والسياحي.
وأكد عبد البصير "غير أن نجاح هذا المشروع يتطلب رؤية واضحة وآليات تنفيذ دقيقة، فلا يكفي إطلاق برنامج إعلامي عابر، بل يجب أن يكون جزءا من استراتيجية ثقافية شاملة، تتكامل فيها مؤسسات الدولة، من وزارات الثقافة والتعليم والإعلام، إلى الأكاديميات والمعاهد الفنية، كما ينبغي أن يدار البرنامج بعيدا عن النمطية والسطحية، وأن يمنح مساحة حقيقية للابتكار والتجريب".
ورأى حسين عبد البصير أنه من الضروري أن يستلهم هذا البرنامج روح الأصالة المصرية، دون أن ينغلق على ذاته فالمطلوب هو مزيج ذكي بين التراث والمعاصرة، بين الجذور والانفتاح على العالم، تماما كما فعل المصري القديم حين مزج بين العقيدة والفن، فخلق أعمالًا خالدة لا تزال تبهر العالم حتى اليوم.
واختتم عبد البصير بقوله: يمكن القول إن هذا الاقتراح، بداية لعصر جديد من النهضة الثقافية في مصر، عصر يعيد للفن مكانته كقوة ناعمة، وكأداة لبناء الإنسان، وكجسر يربط بين الماضي العريق والمستقبل الواعد، إنها دعوة لإعادة اكتشاف الذات المصرية، لا في الكتب فقط، بل في الأصوات، والألوان، والحكايات التي لم ترو بعد.