ضياء الغندور

الصراع في الشرق الأوسط.. حرب معلوماتية

الخميس، 26 مارس 2026 04:20 م


في خضم الضجيج الإعلامي المتصاعد حول المواجهة في الشرق الأوسط، تتدفق روايات متناقضة تتراوح بين إعلان انتصارات حاسمة وانهيارات كاملة، وبين نفي قاطع لكل ما يُتداول. وفي قلب هذا الصخب، يبرز سؤالان يبدوان حاسمين: هل تم تدمير القواعد الأمريكية في المنطقة بالفعل، وهل تعرضت القيادة الأمريكية، وعلى رأسها Donald Trump، لتضليل دفعها إلى الانخراط في صراع لم تستعد له بشكل كافٍ.

لفهم ما يجري، لا بد من التمييز بين الوقائع القابلة للتحقق وبين السرديات الدعائية التي تُستخدم كسلاح موازٍ في الحروب الحديثة. الحديث عن تدمير “معظم” القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط يظل حتى اللحظة غير مدعوم بأدلة مستقلة يمكن التحقق منها، سواء عبر صور أقمار صناعية موثوقة أو تقارير رسمية صادرة عن وزارة الدفاع الأمريكية. القواعد الأمريكية المنتشرة في الخليج ليست مجرد منشآت عسكرية تقليدية، بل هي بنية معقدة متعددة الطبقات، تضم أنظمة إنذار مبكر ورادارات متقدمة وشبكات استخباراتية مترابطة يصعب شلّها بالكامل بضربات صاروخية، حتى وإن كانت كثيفة

هذه القواعد تؤدي دوراً يتجاوز الهجوم المباشر، فهي جزء من شبكة دفاعية إقليمية مترابطة تدعم منظومات مثل Iron Dome وArrow missile defense system، حيث تسهم في تقليص زمن الإنذار المبكر وتعزيز قدرة الاعتراض. وعليه، فإن أي تعطيل جزئي لبعض هذه الأنظمة قد ينعكس على كفاءة الاستجابة الدفاعية، لكنه لا يعني بالضرورة انهياراً كاملاً أو فقداناً للسيطرة الجوية

في المقابل، فإن ما يبدو للبعض تراجعاً في فعالية الدفاعات الجوية الإسرائيلية يمكن تفسيره ضمن سياق مختلف، وهو ما يُعرف بتكتيك الإغراق أو التشبع الصاروخي، حيث يتم إطلاق أعداد كبيرة من الصواريخ في وقت متزامن لإرباك أنظمة الدفاع، حتى الأكثر تطوراً. في مثل هذه الحالات، يصبح اختراق بعض الصواريخ أمراً متوقعاً حسابياً، ولا يشكل دليلاً قاطعاً على انهيار المنظومة الدفاعية بقدر ما يعكس ضغطاً عملياتياً عالياً

أما فيما يتعلق بالقدرات الصاروخية الإيرانية، فمن الواضح أن طهران تعتمد على مزيج من الكثافة العددية والتدرج التقني، بدءاً من صواريخ أقل دقة تُستخدم للإرهاق والاستنزاف، وصولاً إلى منظومات أكثر تطوراً من حيث الدقة والمدى. ومع ذلك، فإن كثيراً من الادعاءات المرتبطة بسرعات “فرط صوتية” أو قدرات استثنائية ما زالت تعتمد بدرجة كبيرة على التصريحات الرسمية، وهي بطبيعتها جزء من الحرب النفسية، ولا يمكن التعامل معها كحقائق مؤكدة دون تحقق مستقل

الحديث عن تراجع الوجود العسكري الأمريكي في الخليج أو نقله إلى مناطق أخرى لا يمكن اعتباره دليلاً على ضعف بقدر ما قد يكون انعكاساً لإعادة تموضع تكتيكي يهدف إلى تقليل المخاطر وتعزيز المرونة العملياتية. الاستراتيجية الأمريكية تاريخياً تقوم على القدرة على الحركة وإعادة الانتشار، وليس التمركز الثابت الذي يسهل استهدافه

وفي ما يتعلق بالسؤال الثاني حول ما إذا كانت القيادة الأمريكية قد تعرضت لتضليل، فإن الإجابة ليست بهذه البساطة. منظومات صنع القرار في الولايات المتحدة لا تعتمد على مصدر واحد للمعلومات، بل على شبكة معقدة من أجهزة الاستخبارات والتقييمات العسكرية. ومع ذلك، فإن التاريخ يُظهر أن سوء التقدير الاستراتيجي وارد دائماً، ليس بالضرورة نتيجة خداع مباشر، بل أحياناً بسبب قراءة غير دقيقة لنوايا الخصم أو قدراته

التحول من الضربات الدقيقة إلى استهداف أوسع للبنية التحتية، إذا ثبت حدوثه، لا يعني بالضرورة فشلاً استخباراتياً، بل قد يعكس تحولاً في قواعد الاشتباك أو محاولة لفرض كلفة اقتصادية ونفسية أكبر على الخصم. هذا النمط من التصعيد استخدمته قوى عديدة عبر التاريخ عندما سعت إلى تغيير ميزان الردع، وليس فقط عندما كانت في موقع ضعف

في المحصلة، لا توجد حتى الآن أدلة قاطعة على تدمير شامل للقواعد الأمريكية في الشرق الأوسط، كما لا يمكن الجزم بوجود خداع استراتيجي واسع النطاق دفع الولايات المتحدة إلى صراع غير محسوب. ما يجري على الأرض يبدو أقرب إلى صراع معقد متعدد المستويات، تختلط فيه العمليات العسكرية بالحرب المعلوماتية، وتُستخدم فيه الرواية بقدر ما يُستخدم الصاروخ

وفي مثل هذه الصراعات، لا يكون الحسم دائماً للأقوى تسليحاً، بل للأكثر قدرة على الصمود وإدارة الموارد وامتصاص الصدمات، حيث تتحول الحرب من مواجهة سريعة إلى اختبار طويل للنَفَس الاستراتيجي، وهو العامل الذي سيحدد في النهاية ملامح التوازن في المنطقة بأكملها




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة