لطالما كانت مصر "ولادة"، ولطالما ظل رحم هذه الأرض الطيبة يمنح الدنيا معجزات لا تنتهي؛ فبين حنجرة تزلزل القلوب في "دولة التلاوة"، وأنامل ترسم الخلود في "دولة الفنون"، تظل العبقرية المصرية هي الثروة التي لا ينضب معينها، والمنجم الذي لا يصدأ ذهبه.
اليوم، ومن قلب الرؤية السياسية الواعية، تأتي توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي بدراسة إطلاق برنامج "دولة الفنون والإبداع"، لتكون الشقيقة الكبرى والمتممة لبرنامج "دولة التلاوة"، وكأن الدولة المصرية تقرر أن تمسح الغبار عن لآلئها المكنونة في أزقة القرى ونجوع المدن.
هذا التوجيه الرئاسي ليس مجرد "كشاف" يسلط الضوء على موهبة هنا أو هناك، بل هو تدشين لجمهورية "القوى الناعمة" في ثوبها الجديد.
فإذا كانت مصر قد علمت الدنيا أصول الترتيل والترنيم، فهي اليوم تعلن أن "دولة الفنون" هي الجناح الآخر الذي سيحلق به العقل المصري نحو آفاق التميز.
إنها دعوة للتنقيب عن "زويل" جديد في مختبرات الصغار، و"أم كلثوم" شابة في بيوت العائلات البسيطة، و"بيلييه" أسمر في حوارينا الشعبية، فالموهبة في مصر ليست ترفاً، بل هي "جين" وراثي يتناقله الأبناء كابراً عن كابر.
إن إطلاق هذا البرنامج الضخم يعكس إيماناً عميقاً بأن "الاستثمار في البشر" هو التجارة الرابحة التي لا تعرف الخسارة، وأن المبدعين هم "الكتيبة" التي تحمي هوية الوطن وتصيغ وجدانه وتواجه القبح بالجمال، والظلام بالنور.
نحن أمام استراتيجية "استكشاف متجرد"، لا تحابي أحداً ولا تترك عبقرياً خلف الركب؛ بل تمتد يديها لتنتشل الجمال من الصمت، وتحول الموهبة الخام إلى طاقة نور تضيء سماء الجمهورية الجديدة.
مصر، التي عرفت الفن قبل أن يعرف العالم الكتابة، تفتح اليوم أبوابها لميلاد "دولة المبدعين"، لتؤكد أننا لسنا مجرد دولة تمر بالمستقبل، بل نحن الدولة التي "تصنع" المستقبل بأيادي أبنائها الموهوبين. فتحية لكل خاطر أبدع، وكل صوت صدح، وكل عقل ابتكر، وتحية لقائد أدرك أن عظمة الأوطان لا تقاس فقط بالمباني، بل بما تنجبه الأرحام من عقول تضيء دروب الإنسانية بفيض من الإبداع والجمال.