أحمد المالكى

التوسّل بين نور العلم وغبار المعارك

الأربعاء، 25 مارس 2026 12:13 م


في زمنٍ تتكاثر فيه الأصوات وتقلّ فيه البصائر، لم يعد الخلاف الفقهي كما كان عند سلف الأمة- رضي الله عنهم- ساحةً رحبةً لتلاقح العقول وتكامل المدارك، بل تحوّل في كثير من صوره المعاصرة إلى معركة تصنيف - وهذا شرٌ مستطير - يُختزل فيها الإنسان في موقف أو تبني رأيٍ فقهي، وتُحاكم فيها النيات قبل الأقوال، وتُرفع فيها الشعارات على حساب التحقيق، وعدم اتباع المذاهب الفقهية المتبوعة إلا ما كان موافقًا للهوى وفقط.

ولعل من أبرز القضايا التي كُتب لها أن تُستنزف في هذا السياق المضطرب ، والزمن النّكد الذي نحياه: مسألة التوسّل بالنبي صلى الله عليه وسلم والصالحين، التي لم تكن يومًا أزمة علم، بل صارت أزمة وعي وعلم؛ إذ انتقل النقاش فيها من مسألة فقهية يتم تناولها في قاعات الدرس إلى مسألة تلوكها ألسنة العوام ، ومن ميزان الدليل إلى منطق الانتماء، ومن تحرير محل النزاع إلى صناعة نزاع جديد لا ينتهي.


وإذا أردنا أن نعيد الأمور إلى نصابها، وجب أن نقرر ابتداءً أن جمهور فقهاء المذاهب الأربعة ، وأقول : جمهور فقهاء المذاهب الأربعة المتبوعة، قد ذهبوا إلى جواز التوسّل بالنبي صلى الله عليه وسلم في حياته وبعد مماته، وكذلك بالأولياء والصالحين، وهو ما نُقل عن أئمة المذاهب الفقهية المتبوعة في روايات معتبرة عنهم، وهي في صميم نسيج تراثهم الفقهي، حيث نجد الإمام المحقق الحنفي ابن عابدين يصرّح بصحة القول عن أبي حنيفة: «لا بأس أن يتوسل الرجل بالنبي صلى الله عليه وسلم في دعائه»، مع تنبيهٍ منهجي دقيق عند الحنفية في التفريق بين صيغ التوسل، إذ كرهوا قول (بحق الأنبياء) من جهة تقريرهم أنه لا حق للمخلوق على الخالق، وهذا أراه من باب الأدب مع الله تعالى، لا من باب الإلزام بالحكم الشرعي، فلا يُتجاوز به إلى القول بالتحريم.


ومع ذلك، فقد أجاز العلماء التوسل بقول: «أسألك بنبيك»، وهو تفريق دقيق يكشف عن عقلٍ أصوليٍّ يزن بين دلالات الألفاظ ومقاصد المعاني، ولا يُنزل الأحكام على مجرد الظواهر دون نظر.


وهذه المسالك لا يتبين وجهها إلا لمن تمرّس باصطلاحات الفقهاء، وأدرك طرائقهم في الاستنباط، إذ لكل علمٍ لغته، ولكل فنٍّ مفاتيحه، ومن لم يُحسن فهم اللسان، تعذّر عليه إدراك البيان.


ثم يتسع المشهد أكثر عند متأخريهم، كالكمال بن الهمام، الذي يذكر التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في سياق الزيارة والدعاء بوصفه أمرًا مشروعًا لا إشكال فيه.


قال- رحمه الله -  :« ثم يقول في موقفه: السلام عليك يا رسول الله، ويسأل الله تعالى حاجته متوسلا إلى الله بحضرة نبيه عليه الصلاة والسلام».


[ابن الهمام: فتح القدير، ١٠/ ٦٤].


وقال العلامة -رحمه الله-: «والتوسل بآل البيت جائز، بل هو من أفضل أنواع التوسل، لمكانتهم عند الله».


[رد المحتار، ٣/ ٢١٣].

وعند السادة المالكية، يتجلى الأمر بوضوح أكبر في تقرير الإمام العلم النفراوي استحباب التوسل بالأنبياء والأولياء، مستندًا إلى عموم قوله تعالى: {وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ}، وإلى ما استقر عليه عمل الصحابة، ثم تأتي الرواية المشهورة عن الإمام مالك مع أبي جعفر المنصور، حين سأله: أأستقبل القبلة أم أستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟


فكان جواب الإمام محمّلًا برؤية عقدية وروحية عميقة: « وَلم تَصْرفْ وَجْهَكَ عَنْهُ وَهُوَ وَسِيلَتُكَ وَوَسِيلَةُ أَبِيكَ آدَمَ عيه السَّلَامُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ بَلِ اسْتَقْبِلْهُ واسْتَشْفِعْ بِهِ فَيُشَفِّعهُ اللَّهُ قَالَ اللَّهُ تعالى :{وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظلموا أنفسهم} الآيَةَ».


[ الشفاء بتعريف حقوق المصطفى:٢/٤١]

وهو جواب لا يُقرأ بوصفه مجرد فتوى، بل باعتباره تعبيرًا عن وعيٍ بمقام النبوة ومكانتها في التوسل المشروع، دون أن يخرج ذلك عن إطار التوحيد المنضبط.
وقال النفراوي أيضًا - رحمه الله- :«ويستحب التوسل بآل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنهم من أعظم الوسائل إلى الله». [النفراوي: الفواكه الدواني، ٢/ ١٧].


وقال العلامة ابن الحاج المالكي :[وَأَمَّا عَظِيمُ جَنَابِ الْأَنْبِيَاءِ، وَالرُّسُلِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ فَيَأْتِي إلَيْهِمْ الزَّائِرُ وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ قَصْدُهُمْ مِنْ الْأَمَاكِنِ الْبَعِيدَةِ، فَإِذَا جَاءَ إلَيْهِمْ فَلْيَتَّصِفْ بِالذُّلِّ، وَالِانْكِسَارِ، وَالْمَسْكَنَةِ، وَالْفَقْرِ، وَالْفَاقَةِ، وَالْحَاجَةِ، وَالِاضْطِرَارِ، وَالْخُضُوعِ وَيُحْضِرْ قَلْبَهُ وَخَاطِرَهُ إلَيْهِمْ، وَإِلَى مُشَاهَدَتِهِمْ بِعَيْنِ قَلْبِهِ لَا بِعَيْنِ بَصَرِهِ لِأَنَّهُمْ لَا يَبْلَوْنَ وَلَا يَتَغَيَّرُونَ، ثُمَّ يُثْنِي عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَيْهِمْ وَيَتَرَضَّى عَنْ أَصْحَابِهِمْ، ثُمَّ يَتَرَحَّمُ عَلَى التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إلَى يَوْمِ الدِّينِ، ثُمَّ يَتَوَسَّلُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِهِمْ فِي قَضَاءِ مَآرِبِهِ وَمَغْفِرَةِ ذُنُوبِهِ وَيَسْتَغِيثُ بِهِمْ وَيَطْلُبُ حَوَائِجَهُ مِنْهُمْ وَيَجْزِمُ بِالْإِجَابَةِ بِبَرَكَتِهِمْ وَيُقَوِّي حُسْنَ ظَنِّهِ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُمْ بَابُ اللَّهِ الْمَفْتُوحِ، وَجَرَتْ سُنَّتُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي قَضَاءِ الْحَوَائِجِ عَلَى أَيْدِيهِمْ وَبِسَبَبِهِمْ، وَمَنْ عَجَزَ عَنْ الْوُصُولِ إلَيْهِمْ فَلْيُرْسِلْ بِالسَّلَامِ عَلَيْهِمْ، وَذِكْرِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ حَوَائِجِهِ وَمَغْفِرَةِ ذُنُوبِهِ وَسَتْرِ عُيُوبِهِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُمْ السَّادَةُ الْكِرَامُ، وَالْكِرَامُ لَا يَرُدُّونَ مَنْ سَأَلَهُمْ وَلَا مَنْ تَوَسَّلَ بِهِمْ، وَلَا مَنْ قَصَدَهُمْ وَلَا مَنْ لَجَأَ إلَيْهِمْ هَذَا الْكَلَامُ فِي زِيَارَةِ الْأَنْبِيَاءِ، وَالْمُرْسَلِينَ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عُمُومًا».


[المدخل في فصل زيارة القبور 1 – 257]


أما الشافعية، فقد قرر العلامة الشربيني سنّية التوسل بالأنبياء والأولياء، مستندًا إلى حديث الأعمى الذي علّمه النبي ﷺ أن يقول: «اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد»، وهو نصٌ واضح في مشروعية هذا الباب، ويعضده ما ذكره الإمام النووي من أن التوسل بالصالحين في الدعاء هو المشهور، لا بوصفه بدعة حادثة، بل باعتباره ممارسة دينية مستقرة داخل النسق الفقهي.


قال الإمام النووي رحمه الله : «ومن أدعية الاستسقاء: اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارًا، وأرسل السماء علينا مدرارًا، ويتوسلون بالصالحين فيدعون على أيديهم، وهذا هو المشهور».


[الأذكار، ص ١٨٤].

وكذلك الحنابلة، حيث ينص ابن قدامة على أنه: «ولا بأس بالتوسل بالصالحين في الدعاء، وقد روي عن الإمام أحمد أنه قال: لا بأس أن يتوسل الرجل بالنبي صلى الله عليه وسلم في دعائه" [المغني، ٣/ ٢٧٦]


ويصرّح ابن مفلح بجواز التوسل بالأنبياء والأولياء بعد موتهم، «ولا بأس بالتوسل بالصالحين في الدعاء، وقد روي عن الإمام أحمد أنه قال: لا بأس أن يتوسل الرجل بالنبي صلى الله عليه وسلم في دعائه».
[المغني، ٣/ ٢٧٦].

وهو تقرير يكشف أن المسألة لم تكن يومًا محل إنكار مطلق داخل المدرسة الحنبلية نفسها، كما يُصوَّر أحيانًا.

وإذا انتقلنا من تقريرات الفقهاء إلى أدلة الجمهور، وجدنا أنفسنا أمام منظومة متكاملة لا يمكن اختزالها في قراءة مبتسرة؛ فحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الاستسقاء، حين قال: «اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا…»، يقدّم شاهدًا عمليًا على فهم الصحابة للتوسل، وقد علّق عليه ابن حجر بأنه دليل على جواز التوسل بالصالحين، وهو فهم صادر عن مدرسة الحديث ذاتها، ثم يأتي أثر عثمان بن حنيف رضي الله عنه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، حيث علّم رجلاً أن يدعو بالدعاء المعروف:«اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد»، وهو تصرف صادر عن صحابي راوٍ لحديث الأعمى، مما يقطع بأن فهمه للنص لم يكن مقصورًا على حال حياة النبي صلى الله عليه وسلم فقط، بل رآه ممتدًا في معناه ودلالته.


ويكتمل البناء بحديث الأعمى نفسه، الذي لم يقتصر فيه النبي صلى الله عليه وسلم على الدعاء المباشر، بل علّم الرجل صيغة توسّل واضحة، ثم بما رُوي في توسل آدم عليه السلام، ثم بما استقر عليه عمل المسلمين قرونًا متطاولة، حتى قال الشعراني: إن ذلك جارٍ عند جميع المسلمين إلا من شذ، وهو تعبير يلخّص حالة الإجماع العملي إن صحّ التعبير.

غير أن المشكلة في حقيقتها لا تكمن في هذه الأدلة، فهي موجودة ومبثوثة في بطون الكتب، وإنما في طريقة التعامل معها؛ إذ تحوّل النقاش من دراسة هذه النصوص وتحليلها ضمن سياقها الأصولي إلى اختزالها في مواقف مسبقة، يُنتقى لها ما يؤيدها ويُترك ما سواه.


وهنا يظهر الخلل المنهجي بوضوح: ليس عجزًا عن الوصول إلى الدليل، بل عجزًا عن إدارة الدليل، ومن ثمّ، يصبح التوسل الذي هو في أصله مسألة اجتهادية ساحة لتصفية الحسابات الفكرية، بدل أن يكون نموذجًا يُحتذى في كيفية إدارة الخلاف.

إن أخطر ما في هذا التحول أنه لا يستهلك الجهد العلمي فحسب، بل يُنتج وعيًا مشوّهًا لدى الأجيال؛ وعيًا يظن أن الدين سلسلة من المعارك، لا منظومة من القواعد، وأن الانتصار للرأي أهم من الوصول إلى الحق، وأن التصنيف أسرع طريق للهيمنة، لا أقصر طريق للضلال.


وفي ظل هذا المناخ، تتراجع قيمة التأصيل، ويُستبدل بها خطاب سريع، حاد، ومشحون، يحقق انتشارًا لحظيًا، لكنه يخلّف فراغًا معرفيًا عميقًا.


من هنا، فإن إعادة الاعتبار لمسألة التوسل لا تكون بإعادة الجدل حولها، بل بإعادة وضعها في إطارها الصحيح: إطار الخلاف المعتبر الذي يُدار بالعلم، لا بالصوت العالي، وبالتحقيق، لا بالتجريح، فالقضية ليست أن تُقنع الناس برأيٍ معين بقدر ما هي أن تُعلّمهم كيف يفكرون داخل المنهج، وكيف يفرّقون بين القطعي والظني، وبين محل الاتفاق ومحل النزاع، وبين الغلو والتعظيم المشروع.

وفي نهاية مقالي ، يبقى السؤال الحقيقي: هل نريد أن نكون أمة تُحسن إدارة خلافها، أم أمة تُتقن صناعة خلاف جديد كل يوم؛ لأن الفارق بين الاثنين ليس في حجم الأدلة، بل في طريقة النظر إليها؛ فإما عقلٌ يبني على العلم فيتسع، وإما عقلٌ يختزل فيضيق، وبين الاتساع والضيق يتحدد مصير الوعي كله.

فاللهم يا مجيب السائلين، ويا ملاذ الخائفين، نسألك بنور وجهك الذي أشرق له الكون، وبجاه نبيك المصطفى محمد صلوات الله وسلامه عليه، خيرِ من صلى وصام، وطاف بالبيت وقام.


اللهم إنا نتوسل إليك بآل بيته الأطهار، الأبرارِ الأخيار، وبصحبته الكرام، القادةِ الأعلام:

بصدق أبي بكر الصديق، وصحبته في كل ضيق.
وبعدل عمر الفاروق، وقوله الحق المنطوق.
وبحياء عثمان ذي النورين، وجامعِ القرآن بين الدفتين.
وبشجاعة علي الكرار، وبحرِ العلوم والأسرار.

اللهم وبحق العشرة المبشرين بالجنة، أهلِ الفضل والمنة: بطلحة الخير، والزبير الحواري، وسعدِ الزهري، وسعيدِ التقي ، وعبدِ الرحمن بن عوف الزاهد، وأبي عبيدةَ أمينِ الأمة الشاهد.

اللهم بجاه هؤلاء الصالحين، وبعبيدك المخلصين، اقضِ لنا الحوائج، ونور لنا المناهج، واجعل لنا من كل همٍ فرجًا ، ومن كل ضيقٍ مخرجًا.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة