يشهد عيد الفصح في أوروبا هذا العام 2026 أجواءً مميزة تجمع بين التقاليد الدينية العريقة والاحتفالات الشعبية، وسط استنفار واسع من قبل الحكومات والجهات المحلية لضمان سلامة المواطنين والزوار، في وقت تتأثر فيه الأنشطة الاقتصادية بارتفاع أسعار الطاقة والسلع الأساسية، ما يضيف تحديات جديدة على الدول الأوروبية.
إيطاليا وارتفاع أسعار الخدمات السياحية
في إيطاليا، حيث تُعتبر الاحتفالات الدينية جزءًا لا يتجزأ من الثقافة الوطنية، بدأت المدن الكبرى مثل روما وفلورنسا بتنظيم استعراضات أسبوع الآلام التقليدية، بما فى ذلك مواكب الصلب والمسيرات الدينية التي تجذب آلاف الزوار المحليين والأجانب.
وأعلنت السلطات الإيطالية تخصيص ميزانيات إضافية لتعزيز الأمن والنقل العام خلال الفترة من 24 مارس وحتى عيد الفصح، مع رفع أسعار بعض الخدمات السياحية بين 5 و15% نتيجة الطلب المرتفع وتكاليف الطاقة المتزايدة.
إسبانيا
وفي إسبانيا، تشهد مدن مثل إشبيلية وملقة تنظيم مواكب عيد الفصح احتفالات تقليدية التي تعد من أكبر الاحتفالات في أوروبا، حيث يشارك آلاف المواطنين والزوار في المسيرات التي تتخللها عروض موسيقية وشعائر دينية.
وتشير البيانات، إلى أن متوسط أسعار الفنادق ارتفع بنسبة تتراوح بين 12 و18% مقارنة بالعام الماضي، بينما سجلت أسعار تذاكر النقل الداخلي ارتفاعًا طفيفًا نتيجة زيادة تكاليف الوقود والطاقة.
فرنسا
أما في فرنسا، فاستعدت المدن الكبرى مثل باريس وليون لاستقبال السياح خلال أسبوع الآلام عبر تنظيم فعاليات ثقافية ودينية متعددة، بالإضافة إلى الأسواق المحلية التي تعرض المنتجات التقليدية مثل الشوكولاتة والخبز الفرنسي والمنتجات اليدوية. وبالرغم من ارتفاع الأسعار بنحو 10%، إلا أن الطلب على الفنادق والمطاعم ظل مرتفعًا، مما يعكس رغبة السياح في الحفاظ على التقاليد رغم ضغوط التضخم.
ألمانيا
في ألمانيا، تتزامن الاحتفالات الدينية مع سوق عيد الفصح الذي يشهد إقبالًا كبيرًا على منتجات الشوكولاتة والحلويات المحلية، خاصة في مدن مثل ميونخ وهامبورغ. وقد أعلنت السلطات الألمانية عن خطة شاملة لتعزيز النقل العام ومواقف السيارات، مع توقع زيادة بنسبة 8 إلى 12% في أسعار الخدمات السياحية والمرافق العامة نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة وأسعار المواد الخام.
الغلاء وتضارب الأسعار
على الجانب الاقتصادي، يبدو مشهد أسبوع الآلام لعام 2026 وكأنه قصة مدينتين مختلفتين تمامًا داخل أوروبا الواحدة.
تتجه الأسعار إلى الارتفاع الملحوظ في معظم الوجهات الرئيسية، ففي إشبيلية، يُتوقع أن تصل العائدات السياحية إلى أكثر من 40 مليون يورو خلال أيام قليلة فقط، مدفوعة بارتفاع أسعار الإقامة والمطاعم.
أما في منتجعات جزر الكناري (Canary Islands) مثل ماسبالوماس، فالمشهد أكثر تفاوتًا؛ فبينما تتراوح أسعار الليلة في الفنادق الفاخرة بين 165 و210 يورو مع زيادة سنوية تصل إلى 6%، لا تتجاوز أسعار المناطق الأقل تطويرًا 110 يورو، مما يخلق فجوة ربحية كبيرة داخل الوجهة نفسها.
الأزمة تضرب إسبانيا: ارتفاع الوقود وشلل السكك الحديدية
على الرغم من التفاؤل بحجوزات مرتفعة، تواجه إسبانيا أزمة حقيقية قد تفسد الموسم، و أدت التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط إلى ارتفاع أسعار وقود الطائرات والبنزين، مما انعكس على أسعار التذاكر الجوية والسفر البري.
الضربة الأكبر جاءت من تعطل خط القطار فائق السرعة (AVE) الرابط بين مدريد ومالقة (Málaga)، والذي لن يتم إعادة افتتاحه قبل نهاية أبريل، أي بعد انتهاء أسبوع الآلام بالكامل . هذه الكارثة اللوجستية دفعت اتحادات الفنادق في الأندلس (FAHAT) إلى التحذير من خسائر قد تتجاوز 300 مليون يورو في المنطقة وحدها.
ووصف وزير السياحة الأندلسي، أرتورو برنال، الوضع بأنه "كارثة"، متوقعًا انخفاضًا في الحجوزات يتراوح بين 25% و30%، مع خسائر تقديرية لمدينة مالقة وحدها تصل إلى 200 مليون يورو.
روما: أزمة سكن وسياحة مفرطة
بعيدًا عن تكاليف السفر، يعاني العاصمة الإيطالية من أزمة إسكان حادة فاقمها عام اليوبيل. ارتفعت الإيجارات بنسبة 10% هذا العام، حيث يقوم الملاك بطرد المستأجرين لتحويل الشقق إلى إيجارات سياحية قصيرة الأجل (BnB)، مما أثار غضب السكان الذين يضطرون للخروج من وسط المدينة . يتوقع وصول حوالي 32 مليون حاج هذا العام، مما يزيد الضغط على خدمات المدينة التي تعاني أصلاً من نقص في وسائل النقل وجمع القمامة، ليصبح السؤال الأكبر: هل ستنجح البنية التحتية في استيعاب هذا الزخم دون انهيار الخدمات الأساسية؟.
موسم المفارقات
يبدو أن أسبوع الآلام في أوروبا 2026 سيكون موسماً مليئاً بالمفارقات. فبينما تشهد الدول احتفالات مهيبة واستعدادات لوجستية متطورة تعكس عمق التراث الديني والثقافي، يعاني الزوار والمواطنون على حد سواء من ارتفاع التكاليف وانهيار جزئى في شبكات النقل وأزمات السكن.
ومن الناحية الاقتصادية، يشهد أسبوع الآلام في أوروبا 2026 تأثيرات واضحة نتيجة التضخم وارتفاع أسعار الطاقة، حيث أكدت تقارير اقتصادية أن تكلفة الغذاء والوقود والطاقة ارتفعت بنسب تتراوح بين 7 و15% في معظم الدول الأوروبية مقارنة بالعام الماضي، ما أثر على القدرة الشرائية للمواطنين والسياح على حد سواء. ورغم هذه الضغوط، أكدت الجهات السياحية أن زيادة أعداد الزوار الدوليين والمحليين ساهمت في تعويض بعض الفجوات الاقتصادية، خاصة في المدن التي تعتمد على الدخل السياحي بشكل كبير.