الشك يفسر لصالح المتهم.. الأسباب القانونية لبراءة المتهم بالتحرش بـ"فتاة الأتوبيس"

الأربعاء، 25 مارس 2026 02:46 م
الشك يفسر لصالح المتهم.. الأسباب القانونية لبراءة المتهم بالتحرش بـ"فتاة الأتوبيس" بيان وزارة الداخلية بشأن واقعة فتاة الاتوبيس

كتب: أحمد قنديل

شهدت الأوساط الاجتماعية خلال الساعات الماضية، تفاعلًا واسعًا مع الحكم الصادر ببراءة شاب من اتهام بالتحرش بفتاة داخل إحدى وسائل النقل العام، ما أثار ضجة واسعة عبر منصات التواصل الاجتماعي بين المستخدمين، وذهبت مخيلات البعض لاختلاق الروايات حول تفسير القانون وتطبيقه.

مبدأ قضائي راسخ: اليقين لا الظن

ولكن على خلاف السياق، هذا الحكم أعاد التأكيد على عدد من المبادئ الراسخة في الفقه والقضاء الجنائي، وفي مقدمتها أن الأحكام الجنائية تُبنى على اليقين الجازم لا على الظن أو الاحتمال.

مرتكزات الحكم: الشك الموضوعي يعرقل الإدانة

أوضح المحامي بالاستئناف العالي، علاء عبدالنبي خليفة، بمطالعة الأسس التي استندت إليها محكمة الدرجة الأولى في قضائها بالبراءة، يتضح أن البناء القانوني للحكم قام على عدة مرتكزات متساندة، شكّلت في مجموعها حالة من الشك الموضوعي تجاه الواقعة الذي حال دون تكوين عقيدة يقينية بثبوت الاتهام.

تحريات المباحث: قرينة لصالح المتهم

وأضاف خليفة، جاءت تحريات المباحث – وذلك على الرغم من محدودية حجيتها القانونية كون قضاء النقض حدد الاستناد إليها كقرينة لا ترقى لمستوى الدليل وأنها لا تعبر إلا عن رأي مجريها – ولكنها جاءت لتثير الشك في حدوث الواقعة وتصب في صالح دفوع المتهم، لتقرر أن المتهم بالفعل وجه عبارات تحمل معاني السب للمجني عليها – ولعل ذلك ما رأيناه في مقطع الفيديو المنتشر للواقعة جميعا، علمًا بإن التحريات أشارت إلى إنه لم يتوصل لأن العبارات كان القصد منها الحصول على منفعة جنسية، وإنما اقتصرت – على فرض صحتها – على توجيه عبارات سب وقذف للمجني عليها، وهو توصيف قانوني مغاير تمامًا لجريمة التحرش التي حُركت على أساسها الدعوى الجنائية ضد المتهم، والتي يتطلب تحققها توافر القصد الجنائي للحصول على منفعة جنسية كركن معنوي جوهري.

غياب دليل الملاحقة والسلوك الدال على التحرش

كما أفادت التحريات بعدم الجزم بشأن أقوال المدعية حول تتبع المتهم لها وملاحقتها - وفق أقوالها، وهو عنصر سلوكي كثيرًا ما يُستدل به على توافر نية التحرش.

شهادات الشهود ترجح كفة الدفاع

ورغم أن قضاء محكمة النقض قد استقر على أن تحريات الشرطة لا تعدو أن تكون مجرد رأي لمجريها، ولا ترقى بذاتها إلى مرتبة الدليل الكامل، إلا أن المحكمة أخذت بها كقرينة تعزز باقي عناصر الدعوى، لا سيما حين جاءت متسقة وتتضافر مع أقوال شهود العيان على الواقعة أمام النيابة العامة خلال التحقيقات، وقد أسهمت شهادات الحاضرين للواقعة أمام النيابة العامة بدور حاسم في ترجيح كفة الدفاع، إذ أقروا أمام جهات التحقيق أو في تصريحات إعلامية معاصرة للواقعة – بعدم صحة ادعاء التحرش، مرجحين اختلاق الواقعة من قبل الفتاة، وتكتسب هذه الشهادات أهميتها من صدورها في توقيت الحدث، بما يقلل من احتمالات التأثر أو التبدل.

تضارب أقوال المجني عليها يضعف الاتهام

ولم تقف أسباب البراءة عند هذا الحد، بل امتدت إلى ما شاب أقوال المجني عليها من تضارب بيّن، حيث نسبت إلى المتهم في مواضع مختلفة أفعالًا متباينة، فذكرت تارة واقعة سرقة، وتارة أخرى واقعة تحرش، ثم إضافتها لاحقًا خلال تصريحات إعلامية لسرد وقائع ملاحقة مكررة، وهو ما ألقى بظلال من الشك على روايتها وأفقدها قدرًا من الاتساق اللازم للاعتماد عليها كدليل اتهام، علمًا بأن محكمة النقض استقرت على مبدأ أنه يجب أن  تستخلص المحكمة الحقيقة من الأقوال المتضاربة استخلاصًا سائغًا أو منطقيًا لا تناقض فيه.

خلو الأوراق من دليل يقيني جازم

ونوه المحامي بالاستئناف العالي، إلى إنه تأكيدًا لجماع ما تقدم، خلصت المحكمة إلى أن أوراق الدعوى قد خلت من دليل يقيني جازم يثبت ارتكاب المتهم لجريمة التحرش بأركانها القانونية.

تطبيق القاعدة الذهبية: الشك لصالح المتهم

وتأسيسًا على ذلك، طبّقت المحكمة المبدأ الأصيل في القانون الجنائي، وهو أن الشك يُفسر لصالح المتهم، باعتباره أحد تجليات قرينة البراءة التي تلازم الإنسان حتى تثبت إدانته بدليل قاطع لا يداخله ريب، وهو ما استقر عليه قضاء محكمة النقض في العديد من أحكامها.

نموذج تطبيقي لتحقيق العدالة الجنائية

وشدد المحامي، علاء عبد النبي، على أن هذا الحكم يمثل نموذجًا تطبيقيًا لكيفية موازنة محكمة الموضوع بين عناصر الإثبات والنفي، وتقديرها للأدلة والقرائن في ضوء سلطتها التقديرية، وصولًا إلى تكوين عقيدتها على نحو يحقق العدالة الجنائية، ويحمي في الوقت ذاته الأفراد من الإدانة على أساس الشك أو الاستنتاج.

ادعاء الفتاة بنيتها الاستئناف.. من يملك حق الاستئناف؟

وحول مقطع الفيديو الذي نشرته الفتاة بالأمس حول اعتزامها الاستئناف، علق، مؤكدًا أن السلطة الوحيدة المخولة لاستئناف البراءة في الأحكام الجنائية هي النيابة العامة لا غيرها، ولا يكون للشاكية حق إلا تقديم طلب مسبب للنيابات الكلية والاستئناف وفي حال رفضه يمكنها تقديمها الطلب للنائب العام لاستئناف الحكم كذلك يجوز رفض طلبها، بشرط تقديم الطلب قبل مرور 30 يوم من صدور الحكم.

فرص الاستئناف الجنائي ضعيفة دون أدلة جديدة

ولفت إلى أن الحق القانوني الوحيد المخول إلى الشاكية، هو استئناف الحكم مدنيًا لطلب التعويض، مرجحًا أن حتى في حال استئناف الحكم من قبل النيابة العامة، دون الاستناد على أدلة جديدة، ستكون الفرص ضعيفة لإدانة المتهم في واقعة التحرش، رجوعًا إلى أن محكمة المستأنف مكونة من 3 قضاة، وفي حين أن محكمة الدرجة الأولى أصدرت قرارها قيامًا على الشك، فكذلك لا يجوز إدانة المتهم في درجة المستأنف إلا بإجماع الآراء من هيئة المحكمة.

المسار المدني: التعويض وتقدير المحكمة

وأردف المحامي بالاستئناف العالي علاء خليفة، بالنسبة في حال لجوء الشاكية للادعاء المدني طلبًا للتعويض، فهذا أمر يعود إلى تقدير المحكمة المدنية لأوراق الدعوى، علمًا بأن المتهم لا توجد أي أوراق تدينه بشأن اتهامه بالتحرش، ولكن قد يكون هناك أثر ما وفق تقدير المحكمة بشأن واقعة السب والقذف، التي أكدتها تحريات المباحث ووثقتها المدعية بمقطع فيديو.

0879fed7-cd80-40af-b038-06827a0f4192
علاء عبد النبي خليفة المحامي بالاستئناف العالي ومجلس الدولة


 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة