في ظل المرحلة الراهنة من الصراع شديد التعقيد الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، دون وجود أفق واضح لحسم عسكري شامل. فإن هذا النمط من الصراعات تحكمه في الغالب معادلات توازن القوى أكثر من مسألة الحسم المباشر، الأمر الذي يفتح المجال أمام القوى الإقليمية الكبرى وفي مقدمتها جمهورية مصر العربية للعب أدوار الوساطة وإدارة الأزمة. خاصةً في ظل حقيقة أن التحرك المصري لا يقوم على الانخراط في محاور صدامية، بل على إعادة ضبط التوازنات. فالقاهرة تدرك أن أي انزلاق إلى مواجهة شاملة سيهدد الأمن الإقليمي، خاصة في ملفات الطاقة والملاحة والاستقرار الداخلي للدول العربية على عمومها.
ومن هنا، يبرز الدور المصري الفاعل والهام الذي يمكن أن يلعبه الرئيس عبدالفتاح السيسي عبر ثلاث محاور رئيسية، يتمثل الأول منها في الوساطة السياسية، حيث يمكن لمصر أن تسعى لتقريب وجهات النظر بين الأطراف المتصارعة، مستفيدةً من علاقاتها المتوازنة مع مختلف القوى، وهو ما يصفه المحللون السياسيون بأنه الوساطة الفعالة في ظل تعقيد المشهد.
أيضًا، يتمظهر دور الوساطة المصري من خلال الدفع نحو الحل الدبلوماسي، خاصةً في ظل تأكيد القاهرة باستمرار، عن ضرورة اللجوء للحوار والتفاوض عوضًا عن التصعيد العسكري، مع طرح أفكار أخرى تتمثل في ترتيبات إقليمية شاملة لما بعد الأزمة.
في حين يتمثل دور الوساطة الثالث في منع الانهيار الإقليمي، عبر التحذير من سياسات التصعيد، سواء من الجانب الإيراني أو الإسرائيلي، لما لها من تداعيات إنسانية وأمنية واسعة. وبهذا المعنى، تلعب مصر دور صمام الأمان، الذي لا يملك أدوات الحسم، لكنه يمتلك أدوات منع الانفجار الذي إن قدر الله وحصل، فإن تداعياته الاقتصادية فقط ستتجاوز المنطقة لتطال اقتصاديات العديد من دول العالم، ناهيك عن التداعيات السلبية الأخرى.
وكان أن شهدت المنطقة خلال الأيام الماضية تحركًا مصريًا كان باعثه هو إحياء مفهوم الأمن العربي الجماعي، كبديل عن الاعتماد الكامل على القوى الدولية، وهو مايمكن لي وصفه؛ بهندسة الأمن العربي الجماعي. فالقاهرة في تقديري تتحرك عبر تكثيف التنسيق العربي، حيث تراهن على العمل الجماعي لاحتواء التصعيد، وطرح رؤية مشتركة لما بعد الأزمة. كما إن تحركها عبر رئيسها عبدالفتاح السيسي متمثلًا في دبلوماسية الجولات السريعة من خلال تحركات دبلوماسية مكثفة، خاصة تجاه دول الخليج. ينبئ عن صياغة رؤية وموقف خليجي مصري مشترك، ودعوة لترتيبات إقليمية جديدة تشمل إعادة صياغة العلاقات الأمنية والسياسية في المنطقة بعد انتهاء موجة التصعيد الحالية.
حقيقةً، إن المتأمل للدور الذي لعبته الدبلوماسية المصرية ممثلةً في رئيسها السيسي خلال الأيام القريبة المنصرمة، عبر جولات خليجية متتابعة شملت المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، ودولة قطر، ومملكة البحرين، سيدرك بأنه يهدف بشكلٍ رئيس لتنسيق المواقف وتأكيد وحدة المصير، كما أن هذه الجولات قد كانت أيضًا تحمل – في نفس الوقت - رسائل سياسية واضحة أبرزها رفض الاعتداءات على الدول العربية، والدعوة لوقف التصعيد فورًا.
إلى جانب تثبيت مبدأ استراتيجي يتمثل - في تقديري- في أطروحة أن أمن الخليج هو من أمن مصر، وهو مبدأ استراتيجي يعكس ذلك التداخل العميق بين الأمنين المصري والخليجي. ومن هنا فهذه التحركات المصرية لا تهدف فقط إلى التضامن، بل إلى بناء جبهة سياسية متماسكة قادرة على التأثير في مسار الأزمة.
إن الدور الراهن الذي تضطلع به مصر في تقديري سيمتد ليتخذ أشكالاً متعددة؛ تتمثل في دعم سياسي ودبلوماسي عبر توحيد المواقف في المحافل الدولية والإقليمية، إلى جانب دعمٍ أمني محتمل يشمل التعاون الاستخباراتي واللوجستي، وربما العسكري وفق طبيعة التهديد وطلب الدول المعنية وإن كنت استبعد أن يستطيل ويتصاعد أمد الأزمة ليصل الأمر لطلب خليجي لتدخل عسكري مصري. بالإضافة لدور آخر لايقل أهميةً عما سبق متمثلُا في منع الاختراقات الإقليمية، من خلال مواجهة أي محاولات لزعزعة الاستقرار أو خلق انقسامات داخل الصف العربي. وهذا الدعم بدوره سيعزز مكانة مصر باعتبارها عمق استراتيجي للخليج العربي، في مقابل التحديات القادمة سواء من إيران أو غيرها من دول العالم.
وعلى الرغم، من وعينا الكامل بأن هناك العديد من القيود التي قد تعمل على الحد من الدور المصري كتعقيد الصراع الدولي خاصةً حين تتداخل مصالح قوى كبرى، ما يقلل من قدرة أي طرف إقليمي على فرض حلول، إلى جانب تعدد بؤر التوتر من غزة، إلى لبنان وسوريا، الأمر الذي يفرض على مصر توزيع جهودها على عدة ملفات في آن واحد. إلا أن هذه القيود في نظري لم ولن تمنع من الحفاظ على موقعها كوسيط موثوق، عبر رئيسها عبد الفتاح السيسي، الذي يقود هذا التوجه عبر دبلوماسية نشطة، تستند إلى إدراك عميق بأن استقرار الخليج هو امتداد مباشر للأمن القومي المصري. وعلى الرغم من تعقيدات الموقف وغيره كتعقيدات الجغرافيات والسياسة وتشابك المصالح الدولية، فأن الرهان الحقيقي في تقديري ليس على من سينتصر في الحرب، بل على من سينجح في منعها من التحول إلى فوضى شاملة، وهو الدور الذي تسعى القاهرة لترسيخه اليوم.
__