تجمع تجربة الشاعرة هاجر عمر بين مجالين متداخلين هما الشعر وعلم النفس، حيث ينعكس هذا التداخل على رؤيتها للإنسان والعالم، وعلى طبيعة كتاباتها التي تمزج بين الحس الجمالي والوعي المعرفي، وفي هذا الحوار، نتوقف عند ملامح هذه التجربة، ونحاول استكشاف علاقتها بالشعر بوصفه تعبيرًا إبداعيًا، وبعلم النفس كأداة لفهم الذات والآخر، إلى جانب عدد من المحطات التي شكلت مسارها الإنساني والإبداعي.
ــ بداية.. كيف تعرفين نفسك اليوم شاعرة تكتب من قلب التجربة أم أخصائية نفسية ترى العالم عبر اللغة أم مزيج لا يمكن فصله بين الاثنين؟
للشعر طاقة قادرة على الإحاطة بالمعرفة وتكثيفها، بل وإعادة صياغتها في صور ورموز تتجاوز المباشر واليومي، وفي المقابل، يحاول علم النفس فهم السلوك الإنساني وتحليله والتنبؤ به، وتظل الصحة النفسية هي الجانب الأكثر أهمية فيه لاتصالها المباشر بالمشكلات النفسية وطرق معالجتها.
هذا الجانب العلمي منضبط إلى حد كبير وفقًا لطبيعة العلم ومناهجه، بينما الشعر هو تحليق بلا قيود، أو تحليق برغم القيود، وستظل العلاقة بينهما علاقة جدلية، شدا وجذبًا، توترًا خلاقًا لا ينتهي، ويمكنني القول إنني أفدت من الشعر والعلم معًا، وامتزجت بهما امتزاجًا لا يسمح بالفصل أو التصنيف الحاد.
ــ متى شعرت لأول مرة أن الشعر لم يعد مجرد كتابة بل ضرورة وجودية لا يمكن الهروب منها؟
منذ المرحلة الثانوية، في ذلك العمر الذي نحلم فيه بمستقبلنا ونكون تصوراتنا الأولى عنه، في هذا التوقيت المبكر، رأيتني شاعرة بوضوح مدهش، شعرت أن هذا هو مستقبلي وقدري وغايتي، بل معنى حياتي نفسه، لم يكن الشعر خيارًا بين خيارات، بل كان الطريق الوحيد الذي رأيته مفتوحًا أمام روحي.
ــ حصولك على ماجستير في الصحة النفسية ودبلومات متخصصة في الإرشاد والتمكين الثقافي.. كيف انعكس هذا العمق النفسي على لغتك الشعرية وبنائك للصورة والوجع؟
لم أفد من العلم في صياغة الصورة المبتكرة، ولا في الإيقاع، ولا في البعد الجمالي أو التأثيري المباشر للقصيدة، هذه المساحات يحكمها الذوق والموهبة والتجربة الفنية بالدرجة الأولى.
لكن العلم منحني عمقا في البعد المعرفي، ذلك البعد الذي غالبًا ما يختفي في طبقات النص المستورة، أو يشع من خلالها دون تصريح، إنه حضور خافت، لكنه فاعل، يضيف كثافة دلالية ووعيًا مركبًا بالنفس والآخر والعالم.
ــ هل يمكن القول إن قصيدتك تكتب أحيانًا بوصفها جلسة علاج نفسي لكِ أو للقارئ؟
استخدام الشعر والفن والموسيقى في العلاج النفسي أمر شائع، ولا تكاد تخلو منه البرامج العلاجية الحديثة ومع ذلك، أنا لا أكتب الشعر لغرض علاجي مباشر، بل استجابة لنداءات جمالية وعاطفية، ولأسئلة فلسفية ومعرفية تؤرقني، وإن كان للنص طاقة شفائية، أو يمكن توظيفه ضمن خطة علاجية، فهذا أمر آخر يعتمد على العلم والتجربة والقياس، لا على نية الشاعر وحدها.
ــ بحكم دراستك وعملك في مجال التمكين الثقافي لذوي الاحتياجات الخاصة.. هل تؤمنين بأن الشعر يمكن أن يكون أداة دمج ثقافي حقيقية لهذه الفئات وليس مجرد تعاطف جمالي؟
بكل تأكيد، تخيل معي أن شخصًا ما تم تمكينه ثقافيًا ومعرفيًا، ألا ترى أن قدرته على التعبير عن نفسه والتواصل مع مجتمعه ستزداد؟، الشعر بوصفه أداة تعبير ووعي، يدعم الثقة بالنفس، ويعزز الإحساس بالقيمة، ويصب في تفاعل خلاق بين الفرد ومحيطه، هنا لا يكون الشعر ترفًا، بل ضرورة إنسانية.
ــ لك عدد كبير من الدواوين الشعرية كيف تنظرين اليوم إلى مسارك الشعري؟
الأمر أشبه بسلم من الضوء، أصعده عتبة عتبة أنظر دائمًا إلى الأعلى، إلى الأفق الأبعد، بينما أضع خطوتي بثقة مع كل تجربة شعرية جديدة، لا أتعجل الوصول، ولا أتنكر لما مضى، فكل درجة كانت لازمة لما بعدها.
ــ هل تشعرين أن كل ديوان كان ضرورة مرحلية أم أن بعض الكتب جاءت بوصفها مغامرة فنية؟
المغامرة الفنية ضرورة في كل قصيدة، لأنها اختبار دائم للغة والرؤية، أما الديوان، فينبغي أن يمثل مرحلة من الوعي، نعيشها بعمق ثم نتجاوزها إلى مرحلة أخرى أكثر اتساعًا ونضجًا.
ــ ما أكثر مرحلة شعرية تشعرين أنها شكلتك إنسانيًا قبل أن تشكلك فنيًا؟
بعد عودتي من مسابقة أمير الشعراء، ومع وفاة والدي، وجدت في الشعر ملاذًا، وأداة للصلة بمن رحلوا، ورسالة ومسئولية ينبغي تحملها والثبات عليها، في تلك المرحلة، لم يكن الشعر ترفًا فنيًا، بل سندًا روحيًا ومعنويًا.
ــ حصلت على العديد من الجوائز الأدبية.. فهل الجائزة اعتراف أم مسئولية؟
المسئولية هي التي تقودك إلى الجائزة، والاعتراف الحقيقي تحصل عليه بشعرك قبل أي جائزة، أما الجائزة نفسها، فلا تمثل أكثر من لافتة مضيئة توضع على محل الجواهر، الضوء يلفت الانتباه، لكن القيمة الحقيقية في الداخل.
ــ كيف تنظرين إلى مشاركتك الأخيرة في مهرجان الشارقة للشعر العربي في دورته الـ22؟ وماذا أضافت لك هذه التجربة على المستويين الإبداعي والإنساني؟
مشاركتى فى مهرجان الشعر العربى كانت تجربة ملهمة بكل المقاييس، تحت رعاية حاكم الشارقة، المحب لمصر وأهلها، والراعي المستنير للثقافة والأدب.
الأصدقاء والأساتذة المشاركون في المهرجان كانوا نخبة من العلامات الشعرية المضيئة في العالم العربي، وقد حظيت بتقدير كبير واحتفاء صادق بتجربتي الشعرية، وهو ما أضاف لي الكثير إنسانيًا وإبداعيًا.
ــ هل ترين أن مهرجان الشارقة للشعر العربي قادر على صناعة حوار حقيقي بين الشعراء؟
بكل تأكيد فقد تم توفير كل السبل من تخطيط وتنظيم ورعاية، بما يسمح بحوار فعال ومثمر، يتجاوز المجاملات إلى النقاش الجاد والتفاعل الحقيقي.
ــ برأيك.. ما الدور الذي يجب أن تلعبه المؤسسات الثقافية في دعم الشعر الحقيقي بعيدًا عن المجاملات؟
الشفافية، ووضوح المعايير، وعدم الخضوع لا للمجاملة ولا للابتزاز، هي ما يمنح المؤسسة الثقافية قوتها، هذا النهج يحفز الجميع على تطوير تجاربهم الشعرية والأدبية، وهم موقنون أن الحق سيصل إلى مستحقيه، لا خضوعًا لمجاملة، ولا رضوخًا لابتزاز الحاقدين من أصحاب الصوت العالي والإبداع الفقير.
ــ أخيرًا.. لو طلب منك أن تكتبي سطرًا شعريًا واحدًا يلخص رحلتك بين الشعر وعلم النفس والحياة… ماذا تقولين؟
إني ممغنطةٌ وروحي حرّةٌ
في قيدها، وأطيرُ في أغلالي