تجاوزت تحركات السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي في الفضاء الخليجي، التي شملت الرياض والمنامة والدوحة وأبو ظبي، تلك الأطر التقليدية للزيارات الرسمية المعتادة أو اللقاءات البروتوكولية التي تمليها وشائج القربى والتاريخ المشترك؛ إذ انبثقت من رؤية استراتيجية عميقة ترتكز على الاشتباك الدبلوماسي الفعال، في توقيت شديد الحساسية من عمر المنطقة؛ ففي اللحظة التي كانت تلوح فيها في الأفق بوادر صراع إقليمي واسع النطاق، وتتصاعد حدة التجاذبات والممارسات المنذرة بمواجهة كبرى لا تتوقف ولا تهدأ بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، سعت السياسة المصرية إلى صياغة موقف عربي موحد يمتلك القدرة على كبح جماح التصعيد، ومنع انزلاق الشرق الأوسط نحو هاوية لا تُحمد عقباها، مما يمنح هذه الجولة صبغة خاصة؛ إذ تساعد في حماية الأمن القومي العربي من تقلبات الصراعات الدولية العاصفة.
يبرز بوضوح أن نداءات الوعيد المتبادلة تطيح بلغة التفاهم الرصينة وتُبدد معها فرص الحوار المتزن، ومن هذا المنطلق بادرت القاهرة بتفعيل أدوات دبلوماسيتها الهادئة في توقيت بالغ الحساسية لترسخ حقيقة جيوسياسية ثابتة، جوهرها أن أمن الخليج العربي يتخطى كونه شعاراً خطابياً ليصبح ركيزة جوهرية تمثل المدى الاستراتيجي الأصيل للأمن القومي المصري، إذ تستشعر الدولة المصرية بوعي تاريخي أن هذه المنطقة امتداد حيوي لا ينفصل عن استقرارها الذاتي، وما انفكت السياسة المصرية تؤكد صياغة علاقات متوازنة مع سائر الأطراف، وهي علاقة تنبع من قيم رفيعة ترتكز على الاحترام المتبادل وتجنب التدخل في الشؤون السيادية، مع تغليب المصالح العربية الكبرى في سائر مساراتها، مما يضفي على الدور المصري سمة الحكيم الذي يسعى لجمع الشتات وسط لجة من الاضطرابات الإقليمية العاتية.
اجتاز القائد المصري تلك الأجواء المشبعة بغيوم التوتر والاضطراب، التي لم تعد توفر للملاحة الجوية أدنى ضمانات السلامة والاستقرار، ليؤكد في خطوة جسورة مسبوقة بوعي استراتيجي عميق، مدى التلاحم المصيري مع الأشقاء في برهة فارقة؛ ومن هنا يبرز هذا التحرك بوصفه رسالة قاطعة موجهة إلى كافة القوى الإقليمية والدولية على حد سواء، مفادها أن الدولة المصرية تأبى الانكفاء، أو الوقوف موقف المشاهد الصامت تجاه أيَّة محاولات تستهدف النيل من سيادة الأوطان الشقيقة، أو تقويض أركان أمنها الراسخة، بل هو تعهد تاريخي بالذود عن مقدرات المنطقة وحماية مستقبل شعوبها التي تتوق للسلام، مما يعيد تأكيد الريادة المصرية التي تعتبر استقرار المحيط العربي جزءاً أصيلاً من ثوابت أمنها القومي الشامل في مواجهة الأمواج السياسية المتلاطمة التي تعصف بالإقليم.
اقترنت التحركات الدبلوماسية الرئاسية بمكاشفة تجاوزت فيها القاهرة أطر الإدانة التقليدية أو الشجب المعتاد، لتصيغ موقفاً مصرياً حازماً يرفض بوضوح تام سائر التعديات الإيرانية، وهو ما جرى نقله بصرامة ومسؤولية إلى الجانبين الإيراني والأمريكي على حد سواء؛ ومن هنا تبرز الرؤية المصرية بوصفها انحيازاً مطلقاً لصون أمن الخليج العربي واستقراره الراسخ، معلنةً في الوقت ذاته رفضاً قاطعاً لمحاولات اتخاذ المنطقة مسرحاً للصراعات البينية، أو ساحة لتصفية الحسابات الدولية، التي تجري بمعزل عن مصالح الشعوب، مما يرسخ دور الدولة المصرية كحائط صد منيع يذود عن مقدرات الأشقاء، ويؤكد أن ثوابت الأمن القومي العربي وحدة واحدة لا تقبل التجزئة، أو المساومة.
حشدت القاهرة طاقات دبلوماسيتها في فترة زمنية اتسمت بتضارب جلي في الخطاب السياسي للإدارة الأمريكية؛ حيث تراوحت المواقف بين الوعيد بتقويض البنى التحتية للطاقة الإيرانية، وبين نزوعٍ موازٍ يميل نحو تقليص الزخم العسكري وتغليب مسارات التهدئة؛ وفي أتون هذا التباين، برزت الدولة المصرية بوصفها القوة القادرة على جبر التناقضات، وصياغة توازن رصين يحول دون انزلاق الإقليم نحو مواجهات غير محسوبة العواقب.
يستند المدى الحيوي للعلاقات الوثيقة التي تربط القاهرة بواشنطن، بالتوازي مع قنوات الاتصال الرصينة والنامية مع طهران، والارتباط المصيري المتجذر بكيان الخليج العربي، إلى واقع سياسي منح الثقل المصري صفة القناة الأكثر موثوقية لابتكار موجة آمنة للحوار البناء وسط لجة الاضطرابات؛ إذ يعزز هذا التموضع الفريد من محورية الدور المصري بوصفه حجر زاوية أصيلاً في صيانة الاستقرار الإقليمي، وقوة دبلوماسية قادرة على تحويل بؤر التوتر المستعرة إلى مساحات رحبة للتفاهم الذي يراعي المصالح العليا للأمة العربية، ويذود عن توازن القوى في هذه البقعة الحيوية من العالم، مما يرسخ مكانة الدولة المصرية كصمام أمان يحول دون انزلاق المنطقة نحو مسارات مجهولة العواقب، ويؤكد قدرتها الفائقة على صياغة معادلات سياسية توازن بين الالتزامات الاستراتيجية ومقتضيات السلم والأمن القوميين في أشد اللحظات التاريخية تعقيداً.
تتسم اللحظة الراهنة بخطورة بالغة، تبرز ملامحها في مؤشرات رقمية تعكس زلزالاً اقتصادياً ضرب مفاصل الطاقة العالمية بشدة؛ حيث تؤكد التقارير الدولية تراجعاً حاداً في معدلات الإنتاج اليومي جراء تصاعد العمليات العسكرية، ما وضع الاستقرار المالي العالمي في أتون عواصف عاتية؛ إذ لم تنحصر الأضرار الجسيمة في حدود القوى المنخرطة في الصراع، بل امتدت شظاياها لتطال منشآت حيوية ومناطق طاقة استراتيجية في أرجاء الشرق الأوسط، وهو ما أفضى إلى اضطرابات حادة في سلاسل الإمداد وتذبذب غير مسبوق في الأسعار، في انعكاس مباشر لحالة التوجس التي تهيمن على الأسواق الدولية مع كل تهديد يمس أمن الممرات الملاحية وعلى رأسها مضيق هرمز.
تتصاعد المخاطر الأمنية في السياق الراهن لتتخطى حدود الصدامات التقليدية نحو مسارات كارثية تمس جوهر الأمن النووي والبيئي للمنطقة برمتها؛ حيث يضع التلويح باستهداف منشآت حيوية كمفاعلي ديمونة ونطنز الإقليم بأسره أمام شبح التسربات الإشعاعية العابرة للحدود السياسية؛ ومن ثم يعيد هذا التهديد الوجودي تأكيد صوابية الرؤية المصرية الداعية بحزم إلى حتمية إخلاء الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل، وتجريد كافة الأطراف الإقليمية من القدرات النووية العسكرية تلافياً لمنزلقات مهلكة قد تطيح بمقومات الحياة في ظل حالة الاندفاع وراء غريزة الصراع التي طغت على صوت الحكمة في لحظات التأزم العاصفة.
أفضى التوتر المحتدم في مضيق هرمز إلى واقع اقتصادي بالغ القسوة على صعيد الملاحة الدولية، تجسدت ملامحه في الارتفاع المطرد لتكاليف التأمين البحري وأجور الشحن، ما ضاعف من وطأة معدلات التضخم العالمي المرتفعة بالأساس؛ إذ يتجاوز الضغط الميداني على الممرات المائية الحيوية تهديد تدفقات الطاقة ليمس العصب الحيوي للتجارة الدولية، ويرفع كلفة المعيشة في دول نائية عن ساحة الصراع، ومن هنا تنبثق التحركات الدبلوماسية المصرية المكثفة كضرورة استراتيجية لتهدئة حدة المواجهات وتوفير مسارات بديلة للحوار، سعياً لإنقاذ المنطقة من سيناريوهات الفوضى الشاملة التي قد تفرزها صدامات غير مأمونة العواقب، وهو ما يرسخ دور القاهرة كفاعل محوري في صيانة الاستقرار العالمي وحماية سلاسل الإمداد من الانهيار وسط أمواج التجاذبات الإقليمية العاتية.
تفرض حالة السيولة الاستراتيجية التي يموج بها الإقليم ضرورة حتمية لإعادة صياغة أدوات الأمن القومي العربي وفق رؤية استشرافية شاملة، حيث برهنت النزاعات القائمة على أن أي اضطراب يشهده الخليج العربي تنسحب آثاره الارتدادية فوراً لتطال أمن البحر الأحمر وحوض شرق المتوسط في ترابط عضوي؛ ومن هنا تنبثق المقاربة المصرية بوجوب إخلاء المنطقة برمتها من أسلحة الدمار الشامل، وفي مقدمتها إسرائيل، لضمان تقويض فكرة القوة النووية كأداة للتهديد أو الابتزاز صوناً لميزان القوى من الاختلال القاتل. وبينما تنغمس أطراف الصراع في تصدير أزماتها عبر التصعيد العسكري، يظل النهج الدبلوماسي الرصين هو الملاذ الأوحد لإخماد فتيل الحرب، إذ لم يعد تحكيم صوت العقل نافلة سياسية، بل أضحى حتميةً وجودية، فالحروب لا تخلف سوى ندوب غائرة في وجدان الشعوب ومقدراتها، بينما يظل الحوار هو السبيل لتشييد واحة من الاستقرار المستدام تليق بتطلعات المنطقة وطموحاتها المشروعة.. ودي ومحبتي لوطني وللجميع.