هناك حاجة للنظر إلى الزيارات السريعة التى يقوم بها الرئيس عبدالفتاح السيسى لدول الخليج، باعتبارها متعددة الأهداف، فهى تأكيد لدعم مصر للدول الشقيقة فى الخليج والتضامن معها، وهى مواقف حاسمة ومستمرة طوال الأسابيع الثلاثة للحرب، وفى نفس الوقت تحمل داخلها مساعى لإنهاء الحرب التى أصبحت تداعياتها الاقتصادية باهظة على دول العالم والإقليم.
تأتى جولات الرئيس عبدالفتاح السيسى الأخيرة، التى شملت السعودية والبحرين، وقبلها قطر والإمارات، تأكيدا للموقف المصرى المبدئى الرافض لاندلاع الحروب أو المساس بسيادة الأشقاء، وأن مصر تعتبر أمن الخليج العربى «خطا أحمر» وامتدادا للأمن القومى المصرى، وهى الرسالة التى تم إبلاغها بوضوح لكل الأطراف الإقليمية والدولية بما فى ذلك الجانب الإيرانى والولايات المتحدة، حيث أبلغ الرئيس السيسى الموقف المصرى الرافض لاعتداءات إيران على دول الخليج للرئيس الإيرانى بزشكيان، الذى أعلن أكثر من مرة أن إيران تعتبر الدول المحاورة قريبة واعتذر مرة عن إطلاق الصواريخ عليه.
معروف أن مصر مع المملكة العربية السعودية ودول إقليمية سعوا إلى عدم وصول الأمور للحرب، لكن تغلبت غرائز الحرب، ولا تزال مصر تدفع نحو إنهاء هذه الحرب بكل الصور، تقليلا للخسائر الضخمة التى يتكبدها الاقتصاد وزيادة أسعار النفط والطاقة، بجانب استمرار السيناريوهات الأسوأ، فى حالة استمرار استهداف محطات الطاقة أو آبار الغاز والبترول.
كل يوم يمر على الحرب الإسرائيلية الأمريكية مع إيران يحمل معه جديدا، وبالرغم من تعتيم أطراف الحرب على خسائرهم، فإن التفاصيل المعلنة تشير إلى خسائر ضخمة لكل الأطراف، خاصة الجانب الإسرائيلى الذى يتلقى العدد الأكبر من الصواريخ الإيرانية، فى شواهد على تراجع أعداد الصواريخ الإيرانية بشكل عام، وعلى الخليج بشكل خاص، بينما تضاعفت على إسرائيل، وحسب ما أفادت به هيئة البث الإسرائيلية، فقد أدى القصف الإيرانى على مدينة عراد جنوب إسرائيل إلى تدمير حى كامل، مما أسفر عن أكبر عدد من المصابين منذ بداية الحرب، وهناك تقارير غير رسمية عن أعداد ضخمة من القتلى، فى حين أعلن الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، قصف ثلاث منشآت نووية إيرانية وأن موقع فوردو قد انتهى.
فى الوقت نفسه، استمرت التناقضات فى تصريحات الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، ولم يعرف المتابعون هل تتجه تصريحات ترامب للتهدئة أم أنها تتجه للتصعيد، حيث قال ترامب: إن الولايات المتحدة تدرس «تقليص» جهودها العسكرية فى إيران، فى الوقت الذى أبحر فيه آلاف من جنود المارينز نحو المنطقة، مما ترك مصير الحرب الدائرة منذ ثلاثة أسابيع غامضا، وقالت صحيفة واشنطن بوست: إن ترامب، عبر إعلانه على وسائل التواصل الاجتماعى عن احتمال انسحابه من الحرب فى إيران، سعى إلى زيادة الضغط على حلفاء واشنطن لتولى دور أكبر فى تأمين شحنات النفط فى مضيق هرمز، وهو أمر يزداد إلحاحا مع ارتفاع أسعار الطاقة، وفى الوقت نفسه، قال ترامب مهددا: إذا لم تفتح إيران مضيق هرمز بشكل كامل خلال 48 ساعة فسنضرب وندمر محطاتها المختلفة لتوليد الطاقة، وأضاف أن الهجمات الأمريكية على قطاع الطاقة الإيرانى ستبدأ بأكبر منشأة ما لم تفتح طهران مضيق هرمز خلال 48 ساعة.
وردت إيران بتهديد أن تضرب محطات الطاقة والاتصالات الإسرائيلية والأمريكية بالمنطقة، وهو ما قد يضاعف من تكلفة وأسعار الوقود والتضخم الناجم عن هذا، بجانب أن استهداف مواقع حساسة مثل ديمونة أو مفاعل نطنز، تشير إلى خطر التسربات الإشعاعية والخطر على المنطقة كلها، وتشير إلى ضرورة السعى لنزع أسلحة الدمار من كل دول المنطقة، وعلى رأسها إسرائيل، لخطورة استمرار بقاء القوة النووية فى أيدى أى طرف إقليمى.
من هنا يمكن النظر للمساعى المصرية، وجولات الرئيس عبدالفتاح السيسى للسعودية والبحرين وقطر والإمارات، وتأكيد مساندة ودعم سلطنة عمان والكويت، بجانب السعى لهدنة تتيح فرصة التفاوض لإنهاء الحرب، وقد أعلنت وزارة الخارجية الإيرانية على لسان وزير الخارجية، عباس عراقجى، خلال اتصال مع نظيره الهندى، ضرورة ممارسة ضغوط على من وصفهم بـ«المعتدين» لوقف الهجمات وضمان عدم تكرارها، وهو ما قد يحمل مؤشرا على رغبة فى إنهاء الحرب، على العكس من التصريحات التى يطلقها الطرفان، ويؤكدان فيها الإصرار على مواصلة الحرب التى توقع خسائر ضخمة، وفى حال استمرارها، تتضاعف الخسائر العالمية فى قطاعات حيوية، فضلا عن سيناريوهات الأسوأ لمواجهات قد لا نضمن نتائج تنفيذها.

السيسى والخليج والأمن الإقليمى