حازم حسين

«جودو» الضائع بين واشنطن وطهران

الأحد، 22 مارس 2026 02:00 م


العبث سيد الموقف. كأننا إزاء نص من مسرح اللا معقول، يعكس عُمق الضياع والاغتراب عن المكان والزمان، بأضعاف ما كان عليه رواد المدرسة الأدبية والفنية المعروفة، فى بدايتها عقب الحرب العالمية الثانية.


ربما كان جنون هتلر السبب المباشر؛ غير أن الحكايات سلسلة مشبوكة فى بعضها. طالب صربى يغتال ولى عهد النمسا فى سراييفو؛ فتندلع حرب كونية. وتسوية تُبقى الجمر متقدا تحت الرماد، تترتب عليها العودة إلى اشتعال النار وإحراق الأيدى فى أقل من ثلاثة عقود.


تبدو الحال الراهنة قريبة الشبه بالماضى؛ ولو من بعيد. عادت الولايات المتحدة إلى قصف إيران بعد أقل من ثمانية أشهر، وللمهمة ذاتها التى احتفلت بإنجازها فى يونيو الفائت، مع ارتباك أكبر وتكاليف مضاعفة، ومخطط عسكرى أُعد على عجل، وبدون أية رؤية سياسية من الأساس.


والضحية تُقرر عامدة أن تكون جانيا فى قصص الآخرين، فتطوّح الصواريخ والمُسيّرات الانتحارية على الجوار الخليجى الآمن، مضحيّة فى أبسط التقديرات بالتعاطف ومزايا الوساطة البيضاء، ومُبرهنة فى أعلاها على سردية الخطر الوجودى، وأنها طرف لا يُؤتمن على البلاد والبشر.


ما قدّم الغزاة دليلا على خطورة البرنامج الباليستى للجمهورية الإسلامية؛ فتطوع الحرس الثورى بتقديمه. ولو مددنا الخط على استقامته؛ فالنووى فرع على أصل الانفلات، والأذرع الميليشية طالما لعبت أدوارا سيئة فى الإقليم، وما منع من تكرارها حتى الآن إلا العجز وثقل التداعيات.


والحال؛ أن أكبر نجاحات الأمريكيين فى الجولة الحالية، تتلخص فى دفعهم الإيرانيين للتدليل على استحالة التعايش مع محيطهم، فضلا على الانكشاف وتظهير أزمات نظام عجوز، بينما تُفترَض فيه الفتوّة والعافية، وما أغلق عقده الخامس بعد.


وباستثناء ذلك؛ فقد أخفق سيد البيت الأبيض بخفة متناهية؛ لأنه انطلاق بلا خطة فى الذهاب أو خارطة للرجوع. واعتمد تقنية الإرباك والإغراق بالتصريحات والمواقف المتضاربة فى غير مكانها؛ إذ لا تكتمل فاعليتها إلا مع خصوم عقلاء، ولديهم ما يخشون منه أو عليه، وكلاهما لا ظل له فى طهران.


كان ظهر المرشد الأعلى ملتصقا بالجدار أصلا، وبدلا من منحه مجالا للحركة والخوف، اتُّخذ قرار بهدم البناء كاملا على رأسه.


وإلى توطيد الرمزية وعقيدة الاستشهاد؛ فقد امتزجت مشاعر الغضب وجُرح الكرامة، مع رغبة الثأر، والنزعة الكربلائية وطقوس التطبير وإيذاء الذات، تحت عمامة صقورية يرفها الولد بديلا عن الوالد، وجنرالات بدلاء لن يتوانوا عن أى خبال يؤكد أنهم ليسوا أقل من الأصلاء الراحلين.


إيران أصعب من أن تُهزَم من الجو، وأخطر من تحديها أو إبقائها مع وفرة فى التهديد وندرة فى الخيارات. نسختها القوية ضارة ومؤذية، والضعيفة أشد ضررا وإيذاء، ولا سبيل لتغييرها إلا من داخلها، وفى غير استفزاز للهوية الفارسية، أو تكثيف لصيغة التطويق واللعب فى التوازنات من الخارج.


ثلاثة أسابيع من القصف المكثف، مئات القتلى وآلاف الأهداف ومئات آلاف الأطنان من القذائف، ولا شىء تغير تقريبا. خفتت أصوات المعتدلين، وتصاعد صخب المتطرفين، وقبضة الأجهزة الأمنية على حالها، والاقتصاد كان فى الحضيض أصلا. عض أصابع مع جثة باردة؛ وليس غريبا أن يصرخ الأحياء!
رفعت واشنطن العقوبات عن النفط الإيرانى المحمول على عشرات الناقلات فى عرض البحر. تقول تقديرات إنه فى حدود 140 مليون برميل، وتصل به غيرها إلى 170 مليونا: قرابة ثلثى فاقد المنطقة منذ اندلاع الحرب، يوازى استهلاك العالم ليومين أو أقل قليلا، ونحو جملة صادرات الجمهورية الإسلامية لشهرين أو يزيد.


بطاقة خضراء غير متوقعة، سبقتها أخرى أُشهرت لروسيا مع افتتاح خامس سنوات حربها الأوكرانية، ومزيد من التسهيلات لفنزويلا، وإلغاء قانون جونز بشأن حركة الناقلات الأجنبية بين الموانى الأمريكية.


يتخبط ترامب ورجاله. روبيو قال مبكرا إن الضربة جاءت بعد علم بخطط إسرائيل، وخشية التعرض لانتقام إيرانى ضد الأصول العسكرية فى المنطقة. يُبشّر الرئيس ويُنفّر فى الجملة نفسها، ويُروّج الأمر ونقيضه، ما ينمّ عن افتقاد الرؤية وارتجال القرارات.


ضُربت الأهداف الحربية فى جزيرة خرج، على بُعد 15 ميلا من سواحل إيران؛ كما لو كان تحضيرا لاحتلالها والسيطرة على 90% من إمدادات البلاد النفطية.


يُسرّب موقع أكسيوس وينفى المتحدثون، بالتزامن مع إشارات عن طلب 200 مليار دولار تمويلا، فى حرب تتكلف قرابة المليار يوميا، ما يعنى التلويح بسبعة أشهر تنتهى على أعتاب الانتخابات النصفية.


لا منطق، ولا إمكانية قطعا. مجرد تهديد ساذج، ورغبة فى الترويض، تحفز مخابيل الجانب الآخر على رفع الكُلفة.


أما المسارات والبدائل؛ فإنها فى علم الغيب، تتنزّل على ذهن رجل الصفقات لحظيا، ويصعب تحليلها، ناهيك عن التنبؤ بها.


أوردت تقارير أن مبيعات النفط الإيرانى تصاعدت منذ الحرب. وها إنتاج شهرين يُغسَل، ويُسمَح بتسويقه لزبائن أكثر، دون خصم اضطرارى بسبب العقوبات، ودون إضافة نقطة واحدة للأسواق!


والسبب؛ أنه من جملة المعروض أصلا، كانت تشتريه الصين وغيرها، فصار متاحا للجميع، ومخصوما من الإمدادات العالمية. تستفيد الجمهورية بالفارق، ولن ينطفئ لهيب الأسعار عالميا.


فى انتظار جودو الذى لن يأتى، كما فى نص صمويل بيكيت بالغ الشهرة، لا أحد أكثر بؤسا من تيار "ماجا"؛ لأن أمريكا لم تعد أولا، حتى لو نُحّيت جانبا شبهة التورط فى حرب غير مبررة، بموجب خديعة أو استدراج من نتنياهو، كما لمّح مدير المركز الوطنى لمكافحة الإرهاب "جو كينت" فى استقالته.


لا وجه للمقارنة. الفارق شاسع للغاية، والولايات المتحدة لا تخسر المعارك؛ غير أنها تخسر الحروب، كما حدث فى فيتنام.


ولا يعنى ذلك أن الملالى ربحوا أيضا؛ لكنها مواجهة من النوعية التى يُهزَم فيها الطرفان، ويدفع العالم كله تكلفة نزقهما مرتين: فى حلقة النار؛ ثم فى ورشة الإطفاء والتعافى والإعمار لاحقا.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة