محمود عبد الراضى

رحيل "سفير النوايا الطيبة".. مات وهو يتأهب لـ "التراويح"

الجمعة، 20 مارس 2026 03:19 م


دائماً ما يهمس القدر في آذاننا بأن الموت لا يختار إلا الطيبين، كأنه بستاني محترف ينتقي أزهى الورود في عز نضارتها ليضمها إلى جواره، هكذا كان الرحيل الصادم للدكتور أبو القاسم عبد الحفيظ، ذاك الشاب الذي كان يضج بالحياة، ويشع طاقة إيجابية تكاد تجعله يطير من فرط النشاط والحيوية بين الناس.

رحل "أبو القاسم" ابن العم الذي غادر دنيانا مبكراً في سن السابعة والأربعين، تاركاً خلفه سيرة عطرة تفوح بالمسك والوقار، في مشهد جنائزي مهيب لم يشهد له رصيف "العريش" مثيلاً.

تأخذنا الذاكرة إلى سنوات خلت، حين كان والده عمنا العزيز، مربي الأجيال الأستاذ عبد الحفيظ، يأتي من أقصى الشمال في العريش، ليعود إلى مسقط رأسه في قريتنا شطورة شمال سوهاج، كان الصيف يحمل معه "الثلاثي المهذب" سامح وعلي وأبو القاسم، أولئك الفتيان الذين تشربوا الأدب والوقار من منبع والدهم الصافي، كنا نقضي معهم ساعات طويلة لا تُنسى وسط الخضرة اليانعة، وعلى ضفاف النيل الهادئ الذي شهد على أحاديثهم العذبة وأخلاقهم الرفيعة التي كانت تسبق أعمارهم الصغيرة وقتها.

بعد رحيل الأب، لم ينقطع النهر، بل أكمل الأبناء المسيرة على درب والدهم وعمهم الرائع عبد الرحمن عبد الراضي، وانخرط "أبو القاسم" في مدرسة "جبر الخواطر" والصلح بين الناس، كان الدكتور عبد الحفيظ يقطع الكيلومترات الطويلة والبعيدة، لا تثنيه مشقة ولا يوقفه تعب، ليكون حاضراً في جلسات الصلح، يداوي جراح الخصومات بكلماته اللينة، ويطفيء نيران الفتن بحكمته الفطرية، كان يجد متعته الحقيقية في رؤية المتخاصمين وهم يتعانقون، حتى وإن سرقته هذه المهام النبيلة لساعات وأيام من بناته الأربع "سندس وجومانة وسلسبيل وشيماء"، فكان يرى أن تأمين مستقبل بناته يبدأ بترك إرث من المحبة والذكرى الطيبة بين الناس.

وفي لحظات الختام، كان القدر ينسج له نهاية تليق بصفاء قلبه، ففي شهر رمضان المبارك، وبينما كان يؤم المصلين في صلاة التراويح طوال الليالي الماضية، فطر في يومه الأخير وقرر أن يستريح لدقائق معدودة قبل الذهاب للمسجد، لكنه لم يستيقظ ليلحق بصفوف المصلين في الأرض، بل صعدت روحه لتلحق بصفوف الصالحين في السماء.

رحل وهو في كامل جاهزيته الروحية، متوضئاً، مستعداً للقاء ربه في ليالي العتق، ليثبت للجميع أن من عاش جابراً للخواطر، مات وهو في كنف الرحمن، تاركاً خلفه أربع زهرات صغيرات سيحكين يوماً عن أب كان "أجمل من الحياة" وأطهر من ماء النيل.

 

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة