أحمد موسى

بحر الصين الجنوبي.. صراع النفوذ على حافة الانفجار

الخميس، 19 مارس 2026 04:13 م


لم يعد بحر الصين الجنوبي مجرد مسطح مائي متنازع عليه في خرائط الجغرافيا السياسية، بل تحول إلى واحد من أكثر مسارح العالم حساسية لاختبار موازين القوة، وقواعد القانون الدولي، وحدود الردع العسكري، ومرونة التحالفات الآسيوية. فالتوتر المتصاعد هناك لا يتعلق فقط بصخور وشعاب مرجانية وأسماء جزر متنازع عليها، بل بصراع أوسع على من يملك حق تعريف النظام البحري في آسيا. وفي الأيام الأخيرة، عادت القضية إلى الواجهة بقوة بعدما رفضت الفلبين رسميًا ما اعتبرته ادعاءً صينيًا بالسيادة على كامل بحر الصين الجنوبي، خاصة حول سكاربورو شول، في وقت واصلت فيه الصين دورياتها الجوية والبحرية، بينما كثفت مانيلا تدريباتها مع الولايات المتحدة واليابان. هذا التوازي بين الرفض القانوني، والحضور العسكري، وتدويل المواجهة يوضح أن الأزمة تجاوزت مرحلة النزاع الثنائي، وأصبحت اختبارًا مفتوحًا لشكل التوازن في غرب المحيط الهادئ كله.

أهمية بحر الصين الجنوبي لا تنبع من حساسيته العسكرية وحدها، بل من مكانته كأحد الشرايين الكبرى للاقتصاد العالمي. فبيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية تظهر أن البحر كان في عام 2023 ممرًا لقرابة 10 مليارات برميل من النفط والمنتجات النفطية، ونحو 6.7 تريليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي المسال، كما مر عبره جزء ضخم من التجارة البحرية العالمية، في فضاء يرتبط من الجنوب بمضيق ملقا ومن الشمال الشرقي بمضيق تايوان. هذه الأرقام تعني أن أي اضطراب كبير في هذه المنطقة لا يهدد أمن جنوب شرق آسيا فقط، بل يضع سلاسل الطاقة والتأمين والشحن والتوريد العالمية كلها تحت ضغط مباشر. ولهذا فإن النزاع حول البحر لا يُقاس فقط بعدد السفن والدوريات، بل أيضًا بحساسية الأسواق العالمية لأي تغير في قواعد المرور أو احتمالات الإغلاق أو الإكراه البحري.

وعلى المستوى القانوني، تكمن العقدة الأساسية في التناقض بين نظامين متصادمين: نظام قانوني دولي يستند إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، ونظام ادعاءات تاريخية وسيادية تطرحه بكين عبر ما يعرف بخط “الخطوط التسع”. ففي حكمها الصادر في 12 يوليو 2016، خلصت هيئة التحكيم المنشأة بموجب الملحق السابع لاتفاقية قانون البحار إلى أنه لا أساس قانونيًا لادعاء الصين “حقوقًا تاريخية” على الموارد داخل المناطق الواقعة ضمن هذا الخط، كما أكدت أن الاتفاقية هي التي تحدد الحقوق البحرية لا الخرائط التاريخية العامة أو السرديات السياسية. وفي المقابل، ترفض الصين الحكم أصلًا، وتؤكد أنها لم تقبل التحكيم ولم تشارك فيه، وتواصل التعامل مع البحر وفق منطق سيادي أوسع بكثير من منطق المناطق الاقتصادية الخالصة كما تفهمها الدول الأخرى في المنطقة. هنا تتأسس مشكلة بحر الصين الجنوبي الحقيقية: ليس فقط من يملك ماذا، بل أي قانون سيحكم البحر أصلًا.

هذا التناقض بين القانون والوقائع هو ما جعل بكين تتجه خلال السنوات الأخيرة إلى تثبيت نفوذها عبر “إدارة الأمر الواقع” بدل انتظار حسم قانوني لن يأتي. فهي لا تكتفي برفض حكم لاهاي، بل توسع حضورها من خلال دوريات بحرية وجوية متكررة، وإجراءات إدارية ورمزية ترسخ تصورها الخاص للسيادة. ففي سبتمبر 2025 أقرت الصين إنشاء “محمية طبيعية وطنية” في سكاربورو شول، وهي خطوة بدت في ظاهرها بيئية، لكنها حملت في جوهرها معنى سياسيًا واضحًا: تثبيت صفة الإدارة الصينية للمكان. ثم تواصل هذا النمط في 2026 عبر دوريات متكررة في محيط سكاربورو، وإعلانات عن “إبعاد” طائرات أو تتبع تحركات فلبينية، بما يعكس محاولة صينية لصياغة واقع اعتيادي تصبح فيه الهيمنة التشغيلية أهم من الجدل القانوني نفسه. هذه الاستراتيجية ليست جديدة في الفكر الصيني البحري، لكنها باتت اليوم أكثر انتظامًا وأوضح ارتباطًا بتكتيكات الضغط الرمادي التي تقع دون مستوى الحرب المباشرة.

في المقابل، تبدو الفلبين اليوم مختلفة عمّا كانت عليه قبل سنوات قليلة. فمنذ وصول فرديناند ماركوس الابن إلى الرئاسة، اتجهت مانيلا إلى سياسة أكثر صراحة في مواجهة الضغوط الصينية، وأعادت تدويل النزاع بدل إدارته بصمت. هذا التحول تجسد في توسيع التدريبات المشتركة مع الولايات المتحدة، ورفع مستوى التعاون مع اليابان، والانفتاح على شركاء مثل أستراليا وكندا. وفي يناير 2026 أجرت الفلبين والولايات المتحدة تدريبًا مشتركًا في سكاربورو شول نفسه، هو الحادي عشر منذ نوفمبر 2023، ثم تبعه في فبراير/شباط تدريب ثلاثي مع اليابان هدفه تعزيز التشغيل البيني، والأمن البحري، والوعي بالمجال البحري. الرسالة هنا لا تخطئها العين: مانيلا لم تعد تراهن فقط على احتجاجات دبلوماسية أو بيانات قانونية، بل تحاول بناء شبكة ردع سياسية وعسكرية تجعل كلفة الضغط الصيني أعلى مما كانت عليه سابقًا.

غير أن التوتر لا يتركز في نقطة واحدة، بل يتوزع على جغرافيا شديدة الحساسية تشمل سكاربورو شول، وسكند توماس شول، وجزر سبراتلي، وجزيرة ثيتو التي تعرف محليًا باسم باغ-آسا. وهذه ليست أسماء تقنية على خرائط عسكرية؛ إنها نقاط اشتعال حقيقية شهدت خلال العامين الأخيرين اصطدامات، ومطاردات، واستخدامًا لخراطيم المياه، وإصابات مباشرة لبحارة فلبينيين. ففي يونيو 2024 أصيب بحار فلبيني إصابة خطيرة خلال احتكاك قرب سكند توماس شول، ووصفت مانيلا ما جرى بأنه استخدام “قوة عدوانية وغير قانونية”، بينما تبادل الطرفان الروايات حول المسؤولية. كما سجلت الأشهر اللاحقة حوادث متكررة في سكاربورو، بما في ذلك مناورات خطرة وقطع طرق الملاحة أمام سفن فلبينية. هذا التراكم للحوادث هو ما يجعل المنطقة خطرة: ليس لأن قرار الحرب اتخذ، بل لأن الاحتكاك المتكرر يصنع قابلية دائمة للخطأ والحسابات المنفلتة.

وإذا كانت الحروب التقليدية تبدأ عادة بإطلاق نار واضح، فإن بحر الصين الجنوبي يقدم نموذجًا مختلفًا تمامًا للصراع: حرب استنزاف بوسائل شبه مدنية وشبه قانونية وشبه عسكرية. خفر السواحل، وسفن الصيد، والدوريات الجوية، والإشارات الإلكترونية، والبيانات الدبلوماسية، كلها تحولت إلى أدوات ضغط ميداني. الولايات المتحدة نفسها شددت في مناسبات عدة على أن معاهدة الدفاع المشترك مع الفلبين تنطبق على الهجمات المسلحة ضد القوات الفلبينية وسفنها العامة وطائراتها، بما في ذلك سفن خفر السواحل، في أي مكان من بحر الصين الجنوبي. معنى ذلك أن ما كان يُنظر إليه سابقًا على أنه “احتكاك منخفض الشدة” صار يتحرك اليوم على تماس مباشر مع التزامات دفاعية دولية. ولذلك تكمن براعة الاستراتيجية الصينية، كما يراها كثير من المحللين، في بقائها المستمر أسفل عتبة الحرب الرسمية، مع بقائها في الوقت نفسه فوق عتبة الضغط النفسي والسياسي والاقتصادي المؤثر.

ومن بين أخطر مظاهر هذا التصعيد ما يتصل بالعسكرة الهادئة للفضاء المتنازع عليه. ففي مايو 2025 أظهرت صور أقمار صناعية نشرتها رويترز هبوط قاذفتين صينيتين متقدمتين من طراز H-6 على جزيرة وودي في أرخبيل باراسيل، في إشارة وصفها محللون بأنها رسالة متعددة الاتجاهات إلى الفلبين والولايات المتحدة وغيرهما. كما سبق أن ظهرت القاذفات نفسها محلقة قرب سكاربورو شول قبل زيارة وزير الدفاع الأمريكي للفلبين. والأهم من ذلك أن بعض الجزر الاصطناعية التي أقامتها الصين في سبراتلي باتت تضم مدارج وملاجئ طائرات ومنشآت عسكرية وأنظمة صواريخ. هذا لا يعني أن الصين تستعد بالضرورة لحرب قريبة، لكنه يعني أنها تبني قدرة على فرض هيمنة جوية وبحرية تدريجية تجعل خيارات خصومها أضيق مع مرور الوقت. ويمكن قراءة هذا المسار بوصفه انتقالًا من مجرد المطالبة بالسيادة إلى إنشاء بنية تشغيلية تسمح بفرضها فعليًا عند الضرورة.

وليس من قبيل المصادفة أن تكون واشنطن حاضرة باستمرار في خلفية هذا المشهد. فالولايات المتحدة ترى أن المسألة تتجاوز الدفاع عن الفلبين لتشمل حرية الملاحة، ومصداقية التحالفات الأمريكية في آسيا، ومنع تحول بحر الصين الجنوبي إلى فضاء مغلق بحكم القوة. ولهذا أعادت التأكيد مرارًا على أن معاهدة الدفاع المشترك لعام 1951 تشمل الهجمات على القوات والسفن والطائرات الفلبينية في بحر الصين الجنوبي، بما فيها سفن خفر السواحل. كما ترجمت هذا الموقف إلى نشاط عملي عبر دوريات مشتركة، وتدريبات بحرية وجوية، وتنسيق ثلاثي مع اليابان، ورباعي في مناسبات أخرى مع أستراليا وكندا. هذا الحضور الأمريكي لا يحل النزاع، لكنه يغيّر معادلته: فالصين لم تعد تواجه دولة متوسطة منفردة، بل شبكة متصاعدة من الشركاء ترى في البحر جزءًا من صراع أوسع على قواعد النظام الإقليمي.

وفي قلب هذه الشبكة الجديدة تبرز اليابان بوصفها شريكًا متقدمًا لا مجرد مراقب داعم. فالتدريبات الثلاثية في فبراير/شباط 2026 لم تكن حدثًا بروتوكوليًا، بل كانت تعبيرًا عن تحول استراتيجي في رؤية طوكيو للأمن الإقليمي. اليابان التي تعتمد بدورها على حرية الملاحة والطاقة والتجارة العابرة لهذه البحار، تدرك أن ترك الصين تعيد تعريف القواعد في بحر الصين الجنوبي قد تكون له ارتدادات مباشرة على بحر الصين الشرقي وعلى المشهد البحري الممتد نحو تايوان والهادئ. ولذلك فإن انخراطها المتزايد مع مانيلا وواشنطن يمثل جزءًا من عملية أوسع لإعادة تشبيك الردع في آسيا، بحيث لا تظل كل أزمة منفصلة عن الأخرى. في هذا السياق، يصبح بحر الصين الجنوبي مختبرًا لتحالفات الغد الآسيوية بقدر ما هو بؤرة نزاع آنية.

أما على المستوى الإقليمي الأوسع، فتبدو رابطة آسيان عالقة بين الحاجة إلى التماسك الجماعي وبين واقع الانقسام في المصالح والقدرات. فالمفاوضات على “مدونة سلوك” بين الصين وآسيان مستمرة منذ أكثر من عقدين، ولم تبدأ عملية الصياغة الفعلية إلا في 2017، ومع ذلك ظلت النتائج محدودة. وفي 2026، تحاول الفلبين بصفتها رئيسة آسيان الدفع نحو تسريع المفاوضات وإنجاز المدونة هذا العام، مع الإصرار على أن تكون مستندة صراحة إلى اتفاقية قانون البحار وأن تكون ملزمة قانونيًا. لكن هذه الغاية تصطدم بمشكلتين: الأولى أن بعض دول آسيان تتحفظ على تحويل المدونة إلى أداة مواجهة مع الصين، والثانية أن بكين نفسها لا تبدو متحمسة لصيغة قانونية قد تقيد هامش حركتها الواسع. ولهذا، فإن المدونة المقترحة قد تكون في أفضل الأحوال آلية لخفض الاحتكاك، لا حلًا جذريًا للنزاع على السيادة.

غير أن خطورة النزاع لا تتجلى فقط في حسابات الأساطيل والاتفاقيات، بل أيضًا في أثره اليومي على المجتمعات الصغيرة التي تعيش على حافة الجزر والبحر. تقرير رويترز من ثيتو في فبراير 2026 رسم صورة بالغة الدلالة: مسؤولون فلبينيون يزورون الجزيرة، وتظهر على هواتفهم رسالة تجوال تقول “مرحبًا بكم في الصين”، بينما يقف سكان الجزيرة وصيادوها على شاطئ صغير تحت أنظار سفن خفر السواحل الصينية وسفن أخرى تظهر في الأفق. هناك، يصبح النزاع الجيوسياسي مسألة رزق يومي. صيادون قالوا إنهم باتوا يُطردون من أفضل مناطق الصيد قرب سوبي ريف وساندي كايز، وإنهم يضطرون إلى العمل في مياه أقل إنتاجية لتجنب الاحتكاك. هذا البعد الإنساني مهم لأنه يوضح أن استراتيجية السيطرة لا تُمارَس فقط على الخرائط، بل على السلوك اليومي للناس، وعلى إحساسهم بمن يملك البحر فعليًا ومن يستطيع أن يمنعهم من الاقتراب منه.

ومن زاوية اقتصادية أوسع، فإن البحر يزداد أهمية كلما ازداد اعتماد آسيا على الطاقة المستوردة. فإدارة معلومات الطاقة الأمريكية تشير إلى أن أكثر من نصف شحنات النفط والمنتجات النفطية التي مرت عبر بحر الصين الجنوبي في 2023 جاءت من الشرق الأوسط، وأن 18 مليون برميل يوميًا من الخام والمكثفات عبرت هذا المسار، فضلًا عن تجارة ضخمة للغاز الطبيعي المسال. هذا يعني أن بحر الصين الجنوبي ليس مجرد مسرح نزاع إقليمي، بل حلقة وصل بين الخليج العربي ومصانع آسيا وأسواقها. وفي عالم يشهد أصلًا توترات في مضيق هرمز والبحر الأحمر وممرات أخرى، يصبح الحفاظ على استقرار هذا البحر مسألة تتجاوز الصين والفلبين وفيتنام وماليزيا، لتلامس الأمن الطاقوي العالمي برمته.

لذلك فإن أي تصعيد هناك، حتى لو بدأ محليًا، قد ينعكس بسرعة على الأسعار، والتأمين، وتقديرات المخاطر، وخيارات الاستثمار والنقل.


الصين، بطبيعة الحال، لا ترى نفسها دولة توسعية كما يصفها خصومها، بل قوة كبرى تصحح وضعًا تعتبره تاريخيًا ومجحفًا بحقوقها. وهي تقول إن تحركاتها في البحر “قانونية ومهنية”، وإن المشكلة الأساسية هي “الاستفزازات” الفلبينية واستدعاء أطراف من خارج المنطقة، في إشارة إلى الولايات المتحدة واليابان وغيرهما. لكن المشكلة في هذا الخطاب أنه يتجاهل الهوة الواسعة بين هذا الطرح وبين حكم التحكيم الدولي، كما يتجاهل حقيقة أن ادعاء السيادة الشامل يتداخل مع المناطق الاقتصادية الخالصة لعدة دول، لا لدولة واحدة فقط. ولذلك فإن ما تسميه بكين “حماية حقوق” تراه جيرانها “إكراهًا منظّمًا”. وبين التوصيفين تتولد بيئة ضبابية تسمح لكل طرف بالادعاء أنه يدافع لا يعتدي، وهي بيئة مثالية لتصاعد الأزمات من دون قرار حرب معلن.

السيناريو الأكثر ترجيحًا في المدى المنظور ليس حربًا شاملة بين الصين والولايات المتحدة، بل استمرار هذا النمط من الاشتباك الرمادي: دوريات متبادلة، احتكاكات حول الشعاب، توسع في التحالفات، ورسائل سيادية وإدارية وإعلامية متقابلة. غير أن هذا السيناريو، رغم أنه يبدو أقل دراماتيكية من الحرب المفتوحة، يحمل في الواقع خطرًا بالغًا، لأنه يطبع الأزمة ويحولها إلى حالة دائمة من التوتر القابل للانفجار. وكلما زادت الاحتكاكات، وارتفع عدد السفن والطائرات، واتسعت دائرة اللاعبين، صار احتمال الحادث الكبير أعلى، وصار احتواؤه أصعب. وفي منطقة تمس التجارة والطاقة والتحالفات الدولية في آن واحد، قد يكون حادث واحد كافيًا لفتح سلسلة تصعيد لا يريدها أحد لكنه قد يعجز الجميع عن وقفها في اللحظة الحرجة.

ولعل التوصيف الأدق لبحر الصين الجنوبي اليوم هو أنه بحر تُختبر فيه قواعد القرن الحادي والعشرين. هل ستبقى الاتفاقيات الدولية مرجعًا حاكمًا للمياه المتنازع عليها؟ أم ستفرض القوة المادية والقرب الجغرافي تعريفًا جديدًا للسيادة؟ هل تستطيع الدول المتوسطة مثل الفلبين وفيتنام وماليزيا أن تصون حقوقها عبر القانون والتحالفات؟ أم أن الكتلة الاستراتيجية الصينية ستفرض في النهاية منطق “الإدارة الفعلية” على الجميع؟ هذه ليست أسئلة نظرية. إنها أسئلة عملية تُجاب يوميًا عبر حركة سفينة، أو تحليق طائرة، أو رسالة هاتف تقول لوفد رسمي داخل منطقة متنازع عليها: “مرحبًا بكم في الصين”. وفي مثل هذه التفاصيل الصغيرة يتشكل المعنى الأكبر للأزمة.

في النهاية، فإن تصاعد التوتر في بحر الصين الجنوبي لا يعكس مجرد خصومة بحرية بين بكين ومانيلا، بل يكشف عن تحوّل أعمق في السياسة الدولية: عودة الجغرافيا الصلبة، وصعود النزاعات البحرية، وتداخل الاقتصاد بالقوة العسكرية، واحتدام التنافس على الممرات والمجالات البحرية الحيوية. هذا البحر لم يعد هامشًا للنظام الدولي، بل أحد مفاصله الحساسة. وإذا كانت تايوان تختبر ميزان القوة في شمال غرب الهادئ، فإن بحر الصين الجنوبي يختبره في الجنوب، على مساحة أوسع، وبعدد أكبر من اللاعبين، وتحت سقف قانوني أكثر التباسًا. ولهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد ما إذا كان التوتر سيتصاعد، بل إلى أي مدى يمكن إدارته قبل أن يتحول من صراع على النفوذ إلى صدام على النظام ذاته.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة