لم تعد أخطر الحروب تلك التي تُخاض بالسلاح، بل تلك التي تُدار بالكلمات، فبضغطة زر واحدة، يمكن إشعال فتنة، وتشويه صورة دولة، وزرع الشك بين شعوب كانت يومًا أقرب مما نظن.
وفي زمنٍ أصبحت فيه الكلمة أخطر من الرصاصة، لم تعد الحروب تُخاض على الحدود فقط، بل انتقلت إلى فضاءات مفتوحة تُدار عبر الشاشات والمنصات.
ما يُعرف بـ"الذباب الإلكتروني" لم يعد ظاهرة عابرة، بل أداة منظمة لإشعال الفتن، وبث الفرقة، وإضعاف الروابط بين الشعوب العربية، خاصة العلاقة بين مصر وأشقائها العرب.
هذه الظاهرة لا تقتصر على حسابات عشوائية، بل تقودها شبكات مُنسقة تعمل وفق أهداف واضحة: تضخيم الخلافات، اجتزاء التصريحات، تحريف السياقات، ثم إعادة تقديمها بشكل يُثير الغضب ويُوهم بوجود صراعات حقيقية.
وهكذا تصنع معارك وهمية، يصدقها البعض مع كثرة التكرار، حتى تتحول إلى واقع في الأذهان.
السؤال: من وراء ذلك؟
هناك أطراف إقليمية ودولية تستفيد من تفكك الصف العربي، لأن وحدة المواقف تعني قوة القرار.
كما يسعى البعض إلى تحقيق الانتشار بأي ثمن، حتى لو كان على حساب الاستقرار.
وتلعب الحسابات المجهولة دورًا رئيسيًا، مستفيدة من بيئة الفوضى لنشر الكراهية.
أما المستفيد الحقيقي، فهو كل من يرى أن استقرار مصر أو تقاربها مع الدول العربية يمثل تهديدًا لمصالحه.
فمصر تمثل ركيزة أساسية في التوازن العربي، واستهدافها إعلاميًا أو خلق فجوة بينها وبين أشقائها يُعد هدفًا استراتيجيًا لإضعاف المنطقة.
ما يحدث لم يعد نقدًا مشروعًا، بل تحريض ممنهج قائم على الأكاذيب. فالنقد البناء ضرورة، أما الإساءة والتشكيك المتعمد فهما خطر يجب التصدي له.
وتزداد خطورة الظاهرة مع دور بعض منصات التواصل، حيث تُصنع "الترندات" بشكل مصطنع، ويُقدَّم المحتوى السطحي باعتباره رأيًا مؤثرًا.
كما دخل بعض "البلوجرز" هذا المجال بلا وعي أو مسؤولية، فاختلطت الشهرة بغياب المهنية.
الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في نشر الشائعات، بل في تأثيرها التراكمي على الوعي. ومع التكرار، تتحول الأكاذيب إلى قناعات، ويحدث الشرخ بين الشعوب.
هنا يأتي دور الوعي كخط الدفاع الأول، فالمستخدم لم يعد متلقيًا فقط، بل شريكًا في المواجهة: إما أن يُسهم في نشر التضليل، أو يحدّ منه بالتحقق والتريث.
كما تتحمل المؤسسات الإعلامية مسؤولية كبرى بتقديم محتوى مهني، وتفنيد الشائعات بدلًا من ملاحقتها.
ويظل التواصل الرسمي السريع والشفاف عاملًا حاسمًا في قطع الطريق على مروّجي الأكاذيب.
وفي النهاية، تبقى مسؤولية الحفاظ على وحدة الصف العربي مسؤولية مشتركة، فالعلاقات بين الشعوب لا تُقاس بـ"ترند"، بل بتاريخ ومصالح وروابط عميقة.
قد لا نستطيع إيقاف "الذباب الإلكتروني"، لكن يمكننا مواجهته بالوعي، وإفشال أهدافه الخبيثة بالتماسك، وإعادة الكلمة الحقيقية إلى دورها الايجابي والبناء.