على الرغم من اختلاف طبيعة الحرب الدائرة حاليا مع إيران عن العدوان الذي تعرضت له غزة على مدار عامين، فإن بينهما مقاربات تفرض نفسها بقوة، وأولها هو التوقيت، إذ اندلعت المواجهة الجديدة بعد شهور قليلة من وقف إطلاق النار في القطاع، وفق الوثيقة الموقعة في شرم الشيخ. وثانيها هو الطابع الممتد للصراع، من حيث الاتساع الجغرافي مع انخراط أطراف أخرى على خط المواجهة، وفي مقدمتها حزب الله في لبنان، بما يجعل المشهد أقرب إلى نسخة جديدة من حالة الاستنزاف التي أحاطت بغزة، ومن ثم، يمكن النظر إلى الصراع الراهن باعتباره امتدادا غير مباشر للحرب التي شنتها إسرائيل على الفصائل الفلسطينية، أو محاولة للالتفاف على التفاهمات الدولية التي سعت قبل شهور إلى إنهاء الحالة الصراعية برعاية الرئيس دونالد ترامب، عبر نقل مركز الاشتباك إلى خصم بديل تتوافق واشنطن وتل أبيب على عداوته، من دون أن يعني ذلك خرقا مباشرا للتعهد الأمريكي بوقف الحرب على الأراضي الفلسطينية.
ولعل الإطار السابق يفرض طبيعة مختلفة للحرب التي تشهدها المنطقة، من حالة الصراع الوجودي، الذي يجب أن ينتهي بانتصار واضح لطرف، مقابل هزيمة ساحقة للآخر، إلى ما يمكننا اعتباره حربا وظيفية، تحمل في طياتها دورا معينا، وهو الإبقاء على حالة الصراع، دون ارتباط مباشر بحسابات النصر والهزيمة التقليدية.
ولعل الخطورة الكامنة في هذه الافتراضية، تتجلى في تحول الصراع، في إطار المواجهة العسكرية المباشرة، من مجرد حالة طارئة تنتهي بتحقيق الهدف، إلى بيئة كاملة تشكل الظروف التي يعيش في داخلها الإقليم، وهو الأمر الذي يحقق أهدافا مشتركة لطرفي الصراع، تتجلى في تهديد الاستقرار في صورته الجمعية للإقليم بأسره من جانب، عبر تهديد المعابر وسلاسل الإمداد، باعتبارها أوراق مقايضة تمتلكها أطراف بعينها لمساومة القوى الإقليمية والعالم، بينما تهدد في الوقت نفسه الدول فرديا، في إطار التداعيات المترتبة على إطالة أمد الصراع سياسيا واقتصاديا وأمنيا، في الوقت الذي يحاول فيه الطرف الآخر استعراض، أو بالأحرى الاستقواء بأطراف دولية أخرى، في إطار محاولاته فرض نفسه كقوى إقليمية قادرة على السيطرة على وتيرة الاستقرار في المنطقة.
وهنا يبدو اختلافا مهما، في إطار الصراع الإقليمي في الشرق الأوسط، فالرهان استمر لعقود على السيطرة على وتيرة الصراع، في إطار القضية الفلسطينية، بحيث يبقى محدودا ومحكوما بمصالح القوى الكبرى (الولايات المتحدة) صعودا وهبوطا، بينما تحول نحو السيطرة على وتيرة الاستقرار نفسه، وهنا لا يقتصر الفارق على تغيير في المصطلح، بل في محل التأثير ذاته، فبينما كانت السيطرة على الصراع تعني التحكم في حدود المواجهة وتوقيتها لمنع انفجارها، باتت السيطرة على الاستقرار تعني استخدام الصراع نفسه للضغط على أوضاع الدول الداخلية، حتى تلك التي لا تشارك فيه بشكل مباشر بحيث يبقى مرهونا بمصالح القوى الإقليمية أطراف الصراع (إسرائيل وإيران) في الوقت الذي تقدم فيه الولايات المتحدة الدعم لتل أبيب باعتبارها ذراعا إقليميا يمكنه تحقيق المصالح الأمريكية حالة نجاحها في تحقيق الهيمنة الإقليمية بالوكالة.
وبصيغة أكثر وضوحًا، فإن الاستقرار لم يعد المحصلة المترتبة على إنهاء الصراع، وإنما بات مرتبطًا بكيفية إدارته، وهو ما يظهر في الخروج عن معادلات الحرب التقليدية التي كانت تحصر المواجهة في أطرافها المباشرة، وهو ما بدأ في العدوان على غزة، حين كانت الفصائل الفلسطينية في القطاع هي المستهدف من الحرب التي شنتها إسرائيل، إلا أن الصراع سرعان ما امتد ليشمل أطرافًا أخرى، وتكرر النمط ذاته في المواجهة الحالية، حيث تبنت طهران النهج نفسه عبر إدخال أطراف على خط المعركة دون أن تكون طرفًا مباشرًا فيها، وهو ما يعكس تحولًا واضحًا من نمط كان يقوم على السيطرة على الصراع بهدف الحفاظ على حد أدنى من الاستقرار، إلى نمط آخر بات فيه الصراع ذاته أداة للتأثير على الاستقرار داخل الدول.
التحول في إدارة الصراع والاستقرار في المعادلة الإقليمية يفسر في واقع الأمر تماهيا بين الأطراف المتحاربة، في إطار إدارة المعركة، والقائم على إطالة أمدها الزمني، بحيث تحمل تأثيرا جمعيا على المنطقة لتطال تداعياتها كل الأطراف، وتوسيع نطاقها الجغرافي، عبر توسيع دائرة التهديد المباشر نحو دول بعينها، يراها أحد الأطراف المتحاربة محسوبة على الطرف الآخر بحكم تحالفاتها وعلاقاتها، وبالتالي يبقى السيطرة على وتيرة استقرارها أداة ضغط عليها للتخلي عن تلك التحالفات أو تخفيفها، وهو ما يمثل أحد تجليات ما أسميته في مقال سابق بـ"صراع السيادات"، باعتباره نتيجة مباشرة لتحول الرهان نحو السيادة ذاتها، في إطار ما أسميته بـ GAPS أو Global Architecture for Policy Sovereignty ( الهندسة العالمية لسيادة السياسات ).
والواقع أن استراتيجية السيطرة على الاستقرار لا تستهدف فقط إدارة الصراع، بل تمتد إلى محاولة جر أطراف إقليمية أخرى إلى ساحة المواجهة المباشرة، وهو ما يمثل خطرا بالغا، إذ يفرض على تلك الدول الانخراط في تحالفات منحازة لطرف دون الآخر، بما يعني التخلي عن هامش المرونة الذي تحتاجه في إدارة علاقاتها الإقليمية والدولية، ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل يؤدي هذا النمط إلى زيادة مستوى الاستهداف لتلك الدول، في مقابل تقليص قدرتها على الحركة بين أطراف المعادلة الدولية أو ما يمكن تسميته بالمراكز الشبكية الفاعلة، وهو ما يهدد أدوارها الإقليمية في مرحلة تتطلب أقصى درجات المرونة.
ولكن عدم الانجرار إلى الصراع لا يعني الاكتفاء بموقع المتفرج، وإنما يفرض دورًا أكثر فاعلية يتمثل في المساهمة في إعادة هيكلة البنية الإقليمية، بما يمكنها من الصمود في مواجهة التحديات الطارئة، بحيث يصبح الإقليم، في صورته الجمعية، أكثر قدرة على التعاطي المباشر مع المتغيرات، والاحتفاظ بقدر من السيطرة على الملفات الحيوية المرتبطة بالصراع، وعلى رأسها حماية الممرات وسلاسل الإمداد والناقلات، باعتبارها مصالح مشتركة بين دول المنطقة، تندرج حمايتها ضمن مفهوم أوسع للأمن الجماعي، لا يقتصر فقط على مواجهة التهديدات المباشرة، وإنما يمتد إلى حماية مقدرات الدول وبنيتها، بما يضمن الحد الأدنى من الاستقرار في بيئة إقليمية تتسم بالتقلب.
وهنا يمكننا القول بأن الرهان الحقيقي لم يعد في تجنب الصراع أو الابتعاد عن تداعياته، بقدر ما يرتبط بالقدرة على إدارة تأثيره واحتوائه، في ظل بيئة إقليمية لم يعد فيها الاستقرار نتيجة تلقائية لإنهاء المواجهات، بل مخرجا يتم تشكيله من داخلها، وهو ما يفرض على الدول تبني مقاربات أكثر مرونة، لا تقوم على الانحياز أو الانكفاء، وإنما على بناء قدرة جماعية تمكن الإقليم من حماية مصالحه الحيوية وصيانة توازنه، في مواجهة نمط من الصراعات لم يعد يستهدف الحسم بقدر ما يستهدف إعادة تشكيل الاستقرار نفسه.