عالم الاجتماع الشهير والمؤرخ، عبدالرحمن بن خلدون، سبق عصره فى التوصل إلى نظريات اجتماعية شهيرة، وقدرة على التحليل الاجتماعى العميق لظاهرة تتكرر فى زمن الحروب والاضطرابات والارتباك، وهى انتشار السحر والتنجيم والدجل والشعوذة، ورصد ذلك فى مقدمته الشهيرة؛ واللافت أن هذا التحليل لا يخص زمنا بعينه، وإنما وصف دقيق لحالة اجتماعية متكررة فى أزمنة مختلفة، بدءا من العصور الوسطى ونهاية بكل الحروب، خاصة الحروب التى اندلعت فى منطقة الشرق الأوسط.
المفهوم الرئيسى لنظرية ابن خلدون، تتكئ على أن الحرب لا تخلف دمارا ماديا، وإنما فراغا نفسيا ومعرفيا عميقا؛ ففى لحظات الخوف والقلق الجماعى، يبحث الناس عن اليقين، وفى ظل انغماس الدولة بكل مؤسساتها فى الحرب، يظهر على السطح الدجالون والعرافون، ويقدمون أنفسهم باعتبارهم رسل نشر الطمأنينة، فيروجون لأساطير لا تمت للحقيقة والواقع والعلم بأى صلة!
الأبحاث الحديثة فى علم الاجتماع الدينى، ترسم ملامح المجتمعات التى تعيش فى حروب أو قلاقل، وأنها كيف تميل إلى التمسك بالرموز الماورائية والروايات الغيبية والخرافية، وهو ما ظهر فى الحرب الإيرانية مع العراق والتى اندلعت سنة 1980 واستمرت ثمانية سنوات، ثم ترسخت فى الحرب الحالية ضد أمريكا وإسرائيل، حيث انتشرت القصص الشعبية الحبلى بالكرامات والرؤى وظهور الرموز المقدسة فى ساحات القتال، وهو ما وثقته دراسات أكاديمية عن الثقافة التعبوية فى إيران منذ الحرب العراقية وحتى الحرب الدائرة الآن!
وعاد هذه الأيام ترديد روايات تزعم أن هناك «بوابات نجمية» فى إيران والعراق ومصر «أسستها حضارات قديمة» تضم طاقة وأجهزة قادرة على نقل الإنسان بسرعة فائقة عبر الكون.
وفى مفهوم آخر للبوابات النجمية، إنها بوابات تدمج بين نظريات الفيزياء النظرية «مثل الثقوب السوداء» والأساطير القديمة والخيال العلمى، وتشير إلى أن هناك ممرات كونية خفية تربط بين نقطتين متباعدتين فى الزمكان، ما يسمح بالسفر الآنى عبر مسافات شاسعة، وهناك نظريات تزعم وجودها على الأرض كبقايا حضارات قديمة، مثل الحضارة المصرية والبابلية والفارسية.
هذه الروايات وما صاحبها من تفسيرات، لا تستند إلى أى دليل علمى، أو أثرى، وهو أقرب إلى الخيال العلمى، وهناك مسلسل «ستارجيت» تخيل كاتبه أن هناك شبكة من البوابات الكونية تسمح بالتنقل والسفر بين الكواكب بسرعة لافتة.
علميا، توجد نظرية للعالم الفذ، ألبرت أينشتاين، مغايرة عن هذه الروايات، وهى فكرة الثقوب الدودية فى الفيزياء النظرية المرتبطة بمعادلات النسبية العامة؛ وهى حل رياضى يسمح نظريا بوجود نفق فى الزمكان، يربط بين نقطتين بعيدتين فى الكون؛ ورغم ذلك فإن النظرية أو الفكرة «الأينشتاينية» لم يتم إثباتها بالتجربة، ولا يوجد دليل مادى من الأصل عن وجود ثقوب سوداء قابلة للعبور!
ولا تبدو فكرة الدخول والخروج من خلال البوابات النجمية فكرة جديدة على البشر، فقد تناولها الفلاسفة والمفكرون وتوقف عندها علماء الفيزياء والنفس والاجتماع، ومع ذلك تبدو مساحات الغموض فيها أعمق كثيرا من حيز المعرفة!
لذلك يميل العلماء إلى تقسيم مفهوم الفكرة أو النظرية إلى ثلاثة مستويات، الأول، فيزيائى نظرى وأن هناك احتمالات رياضية فى بنية الزمكان. والثانى، مبنى على الخيال العلمى. أما المستوى الثالث، فيعتمد على تفسير ميل النفس إلى وجود نظريات المؤامرة ومن ثم الزعم بوجود بوابات حقيقية على الأرض دون أى دليل واقعى.
الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، ساهمت فى زيادة الاعتقاد أن البوابة النجمية موجودة فى أصفهان، وأنه سيخرج منها المسيح الدجال، ليجول العالم فى 40 يوما، ولا توجد وسيلة انتقال تمكن أى كائن ليجول العالم بقعة بقعة، سوى الطاقة فى البوابات النجمية. وبخروج المسيح الدجال، من بوابة أصفهان، يقترب العالم من نهايته، وكأن الحرب الدائرة الآن هو موعد اقتراب نهاية العالم.
فكرة البوابات النجمية التى سيخرج منها المسيح الدجال، أيضا لا تستند إلى نصوص دينية موثقة، سواء كانت إسلامية أو مسيحية أو حتى يهودية، بل هى خليط من خرافات الأساطير القديمة، تلقى رواجا كبيرا - حاليا - على شبكة الإنترنت!
الشاهد من مثل هذه الروايات، أن الحروب لا تدمر المدن والمنشآت، بل تعيد تشكيل وعى المجتمعات، وتسهم فى انتشار الخرافة والبحث عن المخلص القادر على إنهاء ويلات الحروب، لذلك انتشرت رواية البوابات النجمية، وظهور المسيح الدجال ونهاية العالم!