محمد عبد الفتاح

إعفاء بيع العقارات بين الإقارب من الدرجة الأولى من ضريبة التصرفات

الخميس، 12 مارس 2026 04:25 م


في وقت تبحث فيه الدولة عن وسائل عملية لتحريك الاقتصاد وتخفيف الأعباء عن المواطنين ودعم الاستثمار، برز إعلان وزير المالية أحمد كجوك عن حزمة جديدة من التيسيرات الضريبية، كان أبرز ما فيها الاتجاه إلى إعفاء الأفراد من ضريبة التصرفات العقارية عند بيع وحداتهم لأقاربهم من الدرجة الاولى.

هذا الطرح لا يبدو مجرد تعديل ضريبي محدود، بل يحمل في جوهره رسالة اوسع، وهي أن تخفيف الكلفة على المعاملات العائلية وإزالة بعض التعقيدات من سوق العقار يمكن أن ينعكس مباشرة على الأسرة المصرية، وعلى درجة الامتثال الرسمي، وعلى كفاءة حركة انتقال الملكية داخل المجتمع. وقد جاء هذا التوجه ضمن حزمة أعلنها الوزير شملت أيضا تخفيض ضريبة القيمة المضافة على الآلات والمعدات الطبية من 14% إلى 5%، وإعفاء خدمات شركات المدفوعات والتحصيل الإلكتروني من ضريبة القيمة المضافة، وخصم عوائد القروض الخارجية من الوعاء الضريبي لشركات القطاع الخاص المشاركة في المشروعات الاستراتيجية.

جوهر الإعلان الجديد يتمثل في نقطة شديدة الإهمية للمواطن العادي، وهي أن الدولة تتجه إلى رفع عبء ضريبي كان يطبق عند بيع العقار، حتى لو كان التصرف داخل نطاق الأسرة الواحدة. ضريبة التصرفات العقارية في مصر تبلغ حاليا 2.5% من قيمة التصرف في العقار المبني أو الأرض المعدة للبناء، ويتم احتسابها على إجمالي قيمة التصرف دون خصومات في القاعدة العامة. وبذلك، فإن بيع وحدة قيمتها 3 ملايين جنيه كان يعني ضريبة قدرها 75 ألف جنيه، وبيع وحدة بقيمة 5 ملايين جنيه كان يعني 125 ألف جنيه، وهي مبالغ ليست بسيطة بالنسبة لكثير من الأسر التي تلجأ أحيانا إلى نقل الملكية بين الأب والابن، أو بين الزوجين، أو في إطار إعادة ترتيب الأوضاع العائلية والمالية.

من هنا يمكن فهم لماذا يحمل الإعفاء المقترح قيمة اجتماعية واقتصادية في الوقت نفسه. فعلى المستوى الاجتماعي, القرار يخفف عبئا ماليا مباشرا عن الاسرة المصرية عند اعادة توزيع الملكية داخل العائلة، سواء كان الهدف هو تمليك الابناء، او تسوية اوضاع الميراث بشكل منظم، او نقل ملكية وحدة بين الزوج والزوجة، أو اتمام ترتيبات مالية داخلية دون أن تتحول العملية إلى تكلفة ضريبية مرهقة. وعلى المستوى الاقتصادي، هذه الخطوة قد تشجع عددا اكبر من المواطنين على توثيق التصرفات بشكل رسمي بدلا من ترك بعض التعاملات في مناطق رمادية أو تأجيل التسجيل بسبب كلفة الضريبة، وهو ما يوسع من قاعدة الرسمية ويرفع كفاءة السوق على المدى الطويل.

والأهم من ذلك أن القرار، إذا استكملت إجراءاته التشريعية والتنفيذية، يمكن النظر إليه باعتباره دعما غير مباشر للمواطن. فالدعم هنا لا يأتي في صورة انفاق نقدي مباشر من الدولة، لكنه يأتي في صورة اعفاء من تكلفة كانت ستتحملها الاسرة. هذا النوع من الحوافز له اثر ملموس جدا, لانه يترك سيولة داخل الاسرة نفسها بدلا من خروجها كعبء ضريبي. فعندما توفر اسرة مثلا 100 الف جنيه او 150 الف جنيه كانت ستدفع كضريبة على نقل ملكية عقار داخل العائلة، فان هذه الاموال قد يعاد توجيهها إلى التشطيب، او التجهيز، او سداد التزامات اخرى، او حتى اعادة استثمارها في اصل اخر. هنا يتحول الاعفاء من مجرد خبر ضريبي إلى اداة دعم حقيقية للناس.

كذلك, يرسل هذا التوجه رسالة مهمة جدا تتعلق بطريقة نظر الدولة إلى النشاط العقاري العائلي. فليس كل تصرف عقاري هدفه المضاربة او الربح التجاري, بل هناك نسبة كبيرة من التصرفات تتم بدوافع اجتماعية واسرية بحتة. ومعاملة هذه الحالات بنفس العبء الضريبي المفروض على عمليات البيع الاستثمارية كانت تثير دائما تساؤلات حول العدالة الضريبية. لذلك, فان التفرقة بين التصرف التجاري والتصرف العائلي تمثل في جوهرها خطوة نحو ضريبة اكثر انصافا وارتباطا بطبيعة الواقعة نفسها.

ومن زاوية السوق العقاري, فهذه الخطوة قد تسهم في تنشيط حركة انتقال الملكية داخل الاسر المصرية، خصوصا في ظل ارتفاع قيم العقارات خلال السنوات الاخيرة. فكلما ارتفعت قيمة الوحدة، زادت قيمة ضريبة التصرفات العقارية المفروضة عليها بالنسبة نفسها. ومع وصول قيم كثير من الوحدات في بعض المناطق إلى مستويات مرتفعة، اصبحت الضريبة في بعض الاحيان عائقا فعليا امام اتمام التصرفات العائلية. لذلك فان الاعفاء المقترح لا يكتفي فقط بتخفيف العبء، بل قد يؤدي ايضا إلى تسريع دوران الملكية وتنظيمها قانونيا بشكل افضل.

ولا يمكن فصل هذا الإعلان عن الصورة الاكبر التي حاول وزير المالية تقديمها, وهي ان الحكومة تراهن على توسيع مساهمة القطاع الخاص وتحسين مناخ الاعمال عبر حزمة جديدة من التسهيلات. ففي نفس السياق، تم الحديث عن خفض ضريبة القيمة المضافة على الالات والمعدات الطبية من 14% إلى 5% لدفع التوسع في القطاع الطبي، واعفاء خدمات شركات المدفوعات والتحصيل الالكتروني من ضريبة القيمة المضافة دعما للتحول الرقمي، وخصم عوائد القروض الخارجية من الوعاء الضريبي لشركات القطاع الخاص المساهمة في المشروعات الاستراتيجية، مع العمل على تطوير تطبيق الكتروني لضريبة التصرفات العقارية لتسهيل الاخطار وتقديم الاقرارات والسداد الالكتروني. هذا الربط بين الاعفاءات والتيسير الرقمي وتخفيف الاعباء على الاستثمار يعكس ان الدولة لا تتعامل مع الملف الضريبي فقط بمنطق التحصيل، بل ايضا بمنطق التحفيز وتخفيض تكلفة الامتثال.

ومع ذلك, فالدقة هنا مهمة. حتى لحظة كتابة هذه السطور، المتاح من المصادر الرسمية هو إعلان الوزير عن إجراءات "سيتم" تطبيقها ضمن الحزمة، وهو ما يعني ان الاعفاء الخاص بضريبة التصرفات العقارية لاقارب الدرجة الاولى ما زال في اطار التوجه الحكومي المعلن ولم يظهر, بحسب ما امكن التحقق منه من المصادر المفتوحة المتاحة، كنص تشريعي منشور نهائي منفصل دخل حيز النفاذ بالفعل مثلما حدث في تعديلات قانون الضريبة على العقارات المبنية التي وافق عليها مجلس النواب مؤخرا ورفعت حد الاعفاء للوحدة السكنية الرئيسية إلى 100 الف جنيه صافي قيمة ايجارية سنوية. لذلك فالأهم هنا هو التمييز بين الإعلان السياسي والاقتصادي عن الحافز وبين اكتمال مساره القانوني والتنفيذي.

وهنا تحديدا تظهر القيمة الحقيقية للقرار المنتظر. فلو تم اقراره وتنفيذه بوضوح، فانه سيحقق ثلاثة مكاسب في وقت واحد: اولا, تخفيف مباشر على المواطن والاسرة. ثانيا تشجيع التسجيل الرسمي وتقليل اللجوء إلى الترتيبات غير الموثقة. ثالثا, دعم بيئة السوق العقاري عبر التعامل المرن مع التصرفات العائلية التي لا تحمل طابعا تجاريا استثماريا تقليديا.

في النهاية، فإن الإعفاء المقترح من ضريبة التصرفات العقارية عند بيع الوحدات لاقارب الدرجة الاولى ليس مجرد تفصيلة ضريبية، بل خطوة تحمل بعدا اجتماعيا واقتصاديا واضحا. فهي تخفف عبئا ماليا عن الاسرة المصرية، وتدفع نحو مزيد من الرسمية والوضوح في انتقال الملكية، وتنسجم مع توجه اوسع لتبسيط المنظومة الضريبية وتحويلها من عبء معطل إلى اداة تنظيم وتحفيز. وبينما يبقى استكمال المسار القانوني والتنفيذي هو الشرط الاساسي لتحويل الاعلان إلى واقع، فإن الرسالة التي خرجت بها الحكومة واضحة, وهي ان تخفيف الكلفة عن المواطن ودعم النشاط الاقتصادي يمكن ان يسيرا معا، لا ان يكون احدهما على حساب الاخر.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة