<< آية حسونة: احتضنت أبنائي بشدة صباح يوم القصف وكأن قلبي كان يودعهما دون وعي
<< الزوج اشترى ملابس جديدة استعدادا للعودة للشمال بعد أنباء اقتراب هدنة لكن القصف منعه من ارتدائها
<< نائب المتحدث بالأمم المتحدة: جهود توفير المأوى تعاني الكثير من القيود داخل القطاع
<< الأم: حولت مقتنيات الأسرة لصدقة جارية على أهلى
<< مدير مشاريع إنقاذ الطفل: نسبة الأطفال بين الشهداء في القطاع الأعلى مقارنة بنزاعات حديثة أخرى
<< آية حسونة وعدت زوجها بإتمام رسالة الماجستير وناقشتها بعد استشهاد أسرتها
لشهور عديدة ظلت تحتفظ بهذه التفاصيل الموجعة داخل قلبها لا تريد أن تبوح لأحد بها، تحدثت معها منذ ما يقرب من ثلاثة أشهر، عندما وجد أصدقائها يتحدثون عن حجم مثابرتها وصبرها الذي لا يتحمله أحد، كانت مترددة كثيرا لا تريد الحديث عن الفقد، فالكلام عنه يؤلم الروح ويذكرها بأبشع أيام في الذاكرة، لحظة واحدة حولت حياة أسرة سعيدة إلى ألم أبدي، عاودت الحديث معها ولم أتوقع أن أجد استجابة لكن كان الرد سريعا، أرادت أن تخلد قصة هذه العائلة الصغيرة لتكون توثيقا على جرائم لم يشهد العالم مثيلا لها في العصر الحديث.
في غزة، لا تقاس الحياة بعدد السنوات، بل بعدد المرات التي ينجو فيها القلب من الانكسار، حيث تختلط رائحة البحر برائحة البارود، وتتحول الخيمة من مأوى مؤقت إلى شاهد دائم على الفقد، تولد حكايات لا تُكتب بالحبر، بل بالدم والدموع والصبر، حكايات قد تبدأ عادية، مثل أي يوم يحلم فيه أب بأن يُسعد طفليه بحلوى، وأم تشعل موقدا صغيرا لتطهو وجبة بسيطة، ثم تنتهي فجأة على هيئة صمت ثقيل، يترك إنسانا واحدا واقفا أمام الفراغ، يحمل ذاكرة كاملة على كتفيه.
هذه ليست قصة استشهاد عابرة، ولا رقما جديدا في إحصاءات الحرب الشعواء، بل شهادة إنسانية مكتملة الأركان، ترويها امرأة فلسطينية خرجت من بين الركام بجسد مثخن بالجراح، وروح رفضت أن تهزم، آية مازن حسونة، أم فقدت زوجها وطفليها في لحظة واحدة، لكنها لم تفقد قدرتها على الكلام، ولا شجاعتها في أن تقول للعالم "هنا كانت عائلة وحلم لكن قُطعت الحياة قبل أن تكتمل".
في هذه الشهادة، لا نقرأ عن موت فقط، بل عن حياة سبقت القصف، أب عاد من صلاة الجمعة محملا بالحب، طفل كان يُنادى بـ"الأسد" ولم يعرف المدرسة، وطفلة كانت "أميرة" الخيمة وضحكتها تسبق كلماتها، نزوح طويل، وخيمة ظُن أنها أكثر أمانا، وأم وقفت وسط الفاجعة تُطفئ نار موقدها قبل أن تُطفأ نار قلبها خوفا على الآخرين، وهي التي كانت أولى بالحماية.
حين يصبح الفقد مضاعفا، ويظهر الإيمان حين يجرد الإنسان من كل ما يحب دفعة واحدة، السطور القادمة تتحدث عن رحلة في تفاصيل يوم واحد غير مصير امرأة، لكن كان هناك سنواتٍ سبقت ذلك اليوم، كانت فيها الأسرة تحلم، وتخطط، وتؤجل الفرح، ظنا أن الغد لا يزال ممكنا.
من بين الدم والغياب، تخرج آية حسونة لتكتب فصلا مختلفا من الحكاية الفلسطينية، فصلا لا ينكر الألم، لكنه يرفض الاستسلام له، تتحول فيه رسالة الماجستير إلى فعل وفاء، والعلم إلى مقاومة، والنجاة إلى مسؤولية أخلاقية تجاه من رحلوا، شهادة أم نجت من الموت، وبقيت وحدها لتروي لا ليُشفق عليها، بل لتُبقي الذاكرة حية، ولتقول إن في غزة، حتى الفقد يمكن أن يتحول إلى معنى، والوجع قد يصبح رسالة.
أسرة آية حسونة
وسط ركام الحرب ووجع الفقد الذي لا يوصف، تقف آية مازن حسونة شاهدة على واحدة من أكثر القصص الإنسانية قسوة في غزة، بعد أن فقدت أسرتها بالكامل خلال قصف طال مخيم النزوح الذي كانت تقيم فيه جنوب القطاع، حيث تقول، إن الحديث عما جرى ليس سهلا، لكنه ضرورة لإيصال الصوت والرسالة، خاصة حين يكون الظلم فادحا والضحايا أبرياء لا ذنب لهم، فاستشهاد الأطفال، هي الصدمة الأكبر والألم الذي لا يمكن احتماله، حين يُستهدف مدنيون لا علاقة لهم بأي صراع أو مواجهة.
تعرف آية بنفسها في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، قائلة: "أنا آية مازن حسونة من منطقة الصفطاوي شمال مدينة غزة، زوجة الشهيد عبدالله ماهر السوسي، وأم الشهيدين حمزة ورغد، استشهدوا في 9 أغسطس 2024، أثناء نزوحنا في منطقة المواصي بخان يونس، إثر استهداف شارع مجاور لخيمتنا في مخيم القرارة على شاطئ البحر".
إحصائيات الدمار
وبحسب إحصائيات المكتب الإعلامي الحكومى بغزة الصادر في 5 أكتوبر، فإن 733 يوما من الحرب على القطاع خلفت 76,639 شهيدا ومفقودا، منهم 67,139 شهداء وصلوا إلى المستشفيات ، و 9,500 مفقود، منهم شهداء مازالوا تحت الأنقاض، أو مصيرهم مازال مجهولا، وأكثر من 20 ألف طفل شهيد وصل منهم للمستشفيات أكثر من 19450، وأكثر من 12500 شهيدة وصل منهن للمستشفيات 10160 بينهم 9 آلاف أم، بينما وصل عدد الآباء الشهداء إلى 22,426.
كما خلفت الحرب 1,015 طفلا استشهدوا وكانت أعمارهم أقل من عام واحد، وأكثر من 450 طفلا رضيعا ولدوا واستشهدوا خلال الحرب، و 1,670 شهيدا من الطواقم الطبية، و 140 من الدفاع المدني، و255 من الصحفيين، و من موظفي البلديات في القطاع بينهم 4 رؤساء بلديات، وأكثر من 787 شهيداً من شرطة وعناصر تأمين المساعدات، و894 من الحركة الرياضية من جميع الألعاب الرياضية.
وتسبب العدوان في تعرض أكثر من 39,022 أسرة للمجازر، بينهم أكثر من 2,700 أسرة أُبيدت ومسحت من السجل المدني بعدد 8,574 شهيدا، وأكثر من 6,020 أسرة أُبيدت ومُتبقي منها ناجي وحيد بعدد 12,917 شهيدا، وأكثر من 55% من الشهداء هم من الأطفال والنساء والمسنين.
جرائم الاحتلال خلال عامين من الحرب على غزة
في لحظة الاستهداف، كانت آية تعد الطعام داخل الخيمة، مستخدمة غاز الطهي الذي كان نادرا في ظل الحصار الإسرائيلي، ورغم هول المشهد وفاجعة فقدان زوجها وأطفالها وخالها في اللحظة نفسها، تقول إنها وجدت نفسها متماسكة بشكل لافت، كان أول ما خطر ببالها هو إطفاء النار والغاز، خوفا من اندلاع حريق قد يلتهم خيام النازحين من حولها.

آية حسونة مع أبنائها
تروي آية حسونة أن النساء والأطفال في المخيم كانوا في حالة ذعر، عاجزين عن الخروج، بينما كانت هي من بين القلائل الذين توجهوا إلى مكان الاستهداف، وحين بدأ الناس يسألونها عن هوية الشهداء، كانت تجيب بهدوء: "أطفالي وزوجي وخالي"، وتذكر أسماءهم كاملة، وهي بكامل وعيها، تستمد قوتها من إيمانها.
حتى في ذروة الألم، حاولت تهدئة من حولها، مطالبة أقاربها بعدم الصراخ، مكررة: "الحمد لله أنهم شهداء، كل غزة مصابة، ونحن لسنا أفضل من غيرنا"، لم تفارق شفتيها كلمات "إنا لله وإنا إليه راجعون"، معتبرة أن هذا الإلهام كان رحمة من الله في أقسى لحظات حياتها.
بعد وصول الإسعاف ونقل الشهداء، أُصيبت آية بجروح خطيرة ونزيف داخلي، ونقلت إلى المستشفى بسيارة مدنية، ورغم حالتها الحرجة، أصرت على توديع زوجها وأطفالها قبل تكفينهم، متحدية تحذيرات الأطباء، ووقفت فوق رؤوسهم، استودعتهم الله، وشهدت جنازتهم قبل أن تعاد إلى المستشفى حيث مكثت قرابة شهر كامل.
بشاعة الإبادة الجماعية
وفي 22 أكتوبر الماضي، كشف المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان في إحصاءات أولية حول جريمة الإبادة الجماعية التي نفذتها إسرائيل في غزة، عن معطيات صادمة تبين أن آثار الجريمة لم تستثن أحدا من سكان القطاع، موثقة استشهاد أو إصابة أو اعتقال أكثر من 270 ألف إنسان، أي ما يقرب من 12% من إجمالي عدد السكان، منذ السابع من أكتوبر 2023.
تقرير المرصد الآورومتوسطي
وأصدر المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان حصيلة شاملة وثقت حينها آثار أكثر من عامين من جريمة الإبادة الجماعية، شملت القتل والإصابات والاعتقالات التعسفية والتدمير ونزع الملكية، فضلا عن التهجير القسري وانعدام الأمن الغذائي والحرمان من خدمات الصحة والتعليم والآثار النفسية التي طالت جميع سكان القطاع المحاصر.
أوضاع غزة المدمرة
وبحسب إحصاءات فريق الأورومتوسطي، قتل جيش الاحتلال على مدار أكثر من عامين نحو 75,190 فلسطينيا في غزة، بينهم ما لا يقل عن 70,248 منهم أو 90% مدنيون، بمن في ذلك 21,310 أطفال وهم 30% من إجمالي عدد الشهداء، و13,987 امرأة أي 20% من إجمالي عدد القتلى، كما وثق إصابة نحو 173,200 فلسطيني، يعاني عشرات الآلاف منهم إعاقات دائمة أو إصابات بالغة، تشمل حالات بتر في الأطراف، وحروقا شديدة، وتشوهات جسدية، وإصابات في العمود الفقري والعينين، إلى جانب اضطرابات نفسية حادّة ناجمة عن الصدمات المتكررة وفقدان الأحباء والمنازل، لافتا إلى أن نحو 40,000 شخص أصيبوا بإعاقات دائمة أو طويلة الأمد، منهم ما يقرب من 21,000 طفل، وتنوّعت الإعاقات بين 76% في الأطراف العلوية 24% في الأطراف السفلية.
جرائم الاحتلال في غزة
نعود لقصة آية حسونة، فخلال فترة علاجها، شاهدت عشرات الجرحى والمصابين، واستمعت إلى قصص لا تقل وجعا عن قصتها، حيث تقول إن رؤية آلام الآخرين خففت عنها بعضا من مصيبتها، خاصة أن حال الجرحى في غزة أكثر قسوة في ظل نقص العلاج والإمكانات الطبية، متحدثة عن أسرتها بمرارة ممزوجة بالإيمان: "الحمد لله أن الله اصطفاهم شهداء، لم يعان أحد منهم من بتر أو شلل أو آلام طويلة، الاستشهاد أهون من أن يعيشوا جرحى بلا علاج في هذا الواقع القاسي".
وكشفت وزارة الصحة بغزة خلال تقرير لها في 27 يناير الماضي، أن هناك 20000 ممن لديهم تحويلات طبية مكتملة وينتظرون السماح لهم بالسفر للعلاج بالخارج، موضحة أن نقص الأدوية والمستهلكات الطبية وخروج معظم الخدمات التخصصية عن الخدمة وتدمير البنى التحتية في المستشفيات فاقم من قوائم الانتظار للعلاج بالخارج.
انهيار الوضع الصحى في غزة
وأضافت أن 440 حالة من الحالات المسجلة تعتبر حالات انقاذ حياة، وبينما 1268 حالة توفيت وهي بانتظار السماح لها بالسفر للعلاج بالخارج، مشيرة إلى أن مرضى الأورام من الفئات الأكثر تضرراً ومعاناة بفعل اغلاق المعبر، وعدم توفر العلاجات التخصصية والخدمات التشخيصية.
وأكدت أن 4500 من الحالات التي لديها تحويلات مسجلة هم من الأطفال، و3100 مريض فقط تمكنوا من مغادرة القطاع في 7 مايو 2024، محذرة من نتائج صحية لا يمكن توقعها قد تسبب زيادة في وفيات المرضى وزيادة قوائم التحويلات للعلاج بالخارج.
رغم إصابتها البالغة، تؤكد آية حسونة أن لطف الله كان حاضرا في أكثر اللحظات قسوة، موضحة أن نزيفها الداخلي كان شديدا بعد الاستهداف، ونسبة الدم في جسدها وصلت إلى ما بين 4 و5، وهي نسبة تهدد الحياة، لكنها تمسكت بالأمل، قائلة :" الحمد لله ربنا كتبلي الشفاء، ومعنوياتي كانت مرتفعة، وتماثلت للشفاء، وكنت أحاول أكون قوية أمام المرضى الذين معي في المستشفى، ونصبر بعض ونقول الحمد لله على هذا المصاب".
صرخات المصابين في غزة
تفاصيل الاستهداف
وقع الاستهداف يوم الجمعة 9 أغسطس 2024، عند الساعة الثانية والنصف ظهرا، بعد عودة زوجها من صلاة الجمعة، هنا تحكي الزوجة تفاصيل الاستهداف في هذا اليوم قائلة :"كان يوما عاديا في ظاهره، مليئا بتفاصيل بسيطة تشبه حياة أي أسرة تبحث عن لحظة فرح وسط النزوح، اشترى عبدالله مستلزمات الغداء وبعض الحلويات لإسعاد طفليه، إذ كانت العائلة قد نزحت إلى منطقة المواصي بعد اجتياح رفح، واستقرت قرب البحر، على أمل أن نأخذ الأطفال للتنزه وكسر قسوة الحرب"
وتضيف :"تلك الخطط لم تكتمل، الخيمة كانت شديدة الحرارة في ذلك اليوم الصيفي، فخرج عبدالله ليجلس أمام المخيم مع بعض الأقارب، ولحق به حمزة 4 أعوام، ثم انضمت إليهما الطفلة رغد "عامان"، يلعبان في محيط المخيم، بينما بقيت أنا داخل الخيمة أعدت الطعام.

الشهيدان رغد وحمزة
مشهد الفراق
في لحظة خاطفة، دوى انفجار قريب، لم تحتج "آية" إلى وقت طويل لتدرك أن الخطر كان على مقربة منهم، هرعت خارج الخيمة، لتصطدم بالمشهد الذي تصفه بأنه أقسى ما يمكن أن يراه إنسان، حيث وجدت طفلتها رغد غارقة في الدماء، وقد مزقت الشظايا جسدها الصغير، رفعت رأسها لتجد زوجها عبدالله وقد غطت آثار القصف جسده بالكامل، فيما كان ابنها حمزة قد قُذف بفعل الانفجار وسقط أمام باب المخيم.
تحاول آية، وهي تستعيد تلك اللحظات، أن تبحث عن أي علامة حياة، تقول إنها تنقلت بين أفراد أسرتها واحدا تلو الآخر، تتحسس أنفاسهم، تنادي بأسمائهم، لكنها أدركت سريعا أن الجميع قد استشهدوا في المكان ذاته، إلى جانب خالها وشقيق زوجها، ورغم إصابتها بشظية اخترقت كليتها وتسببت بنزيف داخلي حاد، لم تشعر بالألم في تلك اللحظات، بقيت بجوارهم، غير آبهة بتحذيرات الناس من احتمال تجدد القصف، ولم تغادر المكان إلا بعد وصول سيارات الإسعاف ونقل الشهداء، وبعد انصراف الجميع، بدأت تشعر بالدوار، ليتم اكتشاف إصابتها الخطيرة، ونقلت للعلاج حيث مكثت شهرا كاملا في المستشفى، ولا تزال الشظية مستقرة في ظهرها حتى اليوم.

رغد الرضيعة مع والدها
إحساس بالفاجعة قبل حدوثها
تستعيد خلال حديثها معنا، تفاصيل الأيام التي سبقت استشهاد أسرتها، وكأن قلبها كان يشعر بأن فاجعة قد تحدث قريبا، توضح أن شعورا ثقيلا بالقلق لم يفارقها قبل الحادثة بثلاثة أيام، كانت تسمع في مخيلتها أصوات انفجارات متكررة، وتشعر بأن حدثا جللا يقترب دون أن تعرف ماهيته، حاولت إخفاء خوفها، لكنها كانت تشارك زوجها عبدالله إحساسها بعدم الارتياح، فيطمئنها قائلا: "تفائلي خير، إن شاء الله ما بصير شيء".
في ليلة ما قبل الاستهداف، لم تستطع النوم حتى الفجر، وعند الساعة الثانية بعد منتصف الليل، كتبت على حسابها في منصة "إكس" منشورا عبرت فيه عن خوفها الشديد من أصوات الانفجارات التي تتردد في ذهنها، وسألت الله الأمن والأمان والفرج، لكن بعد ساعات قليلة فقط، تحققت مخاوفها.

حمزة ورغد
صباح ذلك اليوم، احتضنت طفليها مطولا، وكأن قلبها كان يودعهما دون وعي، جلست مع زوجها يتحدثان عن أخبار الهدنة والمفاوضات المرتقبة خلال شهر أغسطس، وتذكر قوله يومها: "مين يعيش ومين يموت في هذه الفترة"، كلمات عابرة، تحولت لاحقا إلى قدر مكتوب، إذ لم تمض سوى ساعات قليلة حتى اصطفاهم الله شهداء.

رغد مع والدها
جرائم ضد أطفال غزة
وتقول المهندسة دعاء حسين، مدير مشاريع مؤسسة إنقاذ الطفل في فلسطين، إن الحديث عن أطفال غزة خلال الحرب لم يعد مجرد أرقام أو بيانات إحصائية، بل هو حديث عن جيل كامل يُستهدف في حياته وأمانه ومستقبله، موضحة أنه حتى هذه اللحظة، لا توجد إحصاءات رسمية مستقرة بشكل كامل حول العدد النهائي للأطفال الذين استشهدوا منذ اندلاع الحرب وحتى مطلع عام 2026، بسبب استمرار العدوان، وصعوبة الوصول إلى كثير من المناطق، ووجود آلاف المفقودين تحت الأنقاض، لكن ما نملكه من تقارير ودراسات صادرة عن مؤسسات دولية وحقوقية يرسم صورة صادمة وغير مسبوقة.
التقديرات المتقاطعة تشير إلى أن عدد الأطفال الذين فقدوا حياتهم في القطاع خلال الحرب وصل إلى عشرات الآلاف، مع أرقام ترجح استشهاد ما بين 19 ألفا و20 ألف طفل بحلول أواخر عام 2025، أرقام مفزعة عن أطفال كانوا في منازلهم، وفي مدارسهم، وأماكن نزوحهم، لا في ساحات قتال.
خسائر 733 يوما من الحرب على غزة
وتضيف مدير مشاريع إنقاذ الطفل في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن خطورة المشهد لا تكمن فقط في العدد، بل في نسبة الأطفال من إجمالي الضحايا، وهناك تقارير منظمات مستقلة، من بينها منظمة Airwars، أظهرت أن نسبة الأطفال بين الشهداء في القطاع هي الأعلى مقارنة بنزاعات حديثة أخرى، متابعة :" في حرب غزة، وصلت نسبة الأطفال بين الضحايا إلى نحو 36%، وهي نسبة تفوق بكثير ما سُجل في نزاعات مثل الرقة أو الموصل في العراق، وهذا مؤشر خطير على طبيعة الاستهداف وحجم الأذى الواقع على المدنيين الأكثر ضعفا".
الحقيقة الصادمة، أنه وفقا لمقارنات مع بيانات الأمم المتحدة، فإن عدد الأطفال الذين يُقتلون في صراعات متعددة حول العالم خلال عام كامل، كان أقل من عدد الأطفال الذين استشهدوا في غزة خلال أسابيع أو أشهر من هذه الحرب، وهو ما جعل بعض الهيئات الدولية وصفت ما يجري بأنه يتجاوز مجموع ضحايا هذه الفئة في نزاعات كثيرة مجتمعة خلال الفترة نفسها.
وحول ما إذا كانت هذه الحرب تسجل أعلى حصيلة لضحايا الأطفال في تاريخ النزاعات خلال القرن الأخير، توضح دعاء حسين، أنه من الصعب إجراء مقارنة تاريخية دقيقة بين عدد ضحايا الأطفال خلال الصراعات حول العالم وبين ما يحدث في غزة، بسبب تفاوت دقة البيانات، خاصة في الحروب الكبرى مثل الحربين العالميتين لكن حال النظر إلى عاملين أساسيين وهما قصر الفترة الزمنية وصغر المساحة الجغرافية، فإن ما يشهده القطاع يبدو شبه غير مسبوق، خاصة في النزاعات منذ أواخر القرن العشرين وحتى اليوم.
وتؤكد أن ما يحدث في غزة يضع المجتمع الدولي أمام اختبار أخلاقي وقانوني حقيقي، لاسيما أن القانون الدولي الإنساني، واتفاقيات جنيف، واتفاقية حقوق الطفل، جميعها تنص بوضوح على ضرورة حماية المدنيين، وبالأخص الأطفال، من العنف والمعاملة اللاإنسانية، واستهداف الأطفال، أو تعريضهم للقتل أو الإصابات أو الحرمان المتعمد من مقومات الحياة، لا يمكن تبريره تحت أي ذريعة.

رغد
وتوضح أن الجرائم المرتكبة بحق المدنيين، خاصة الأطفال، إذا ثبت أنها تمت عمدا أو بتهور شديد، يمكن تصنيفها كجرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية، وهو ما يفتح الباب أمام المساءلة الدولية، متابعة :" نحن نتابع قضايا معلنة في المحافل الدولية، من بينها صدور مذكرات توقيف عن المحكمة الجنائية الدولية بحق مسؤولين إسرائيليين على خلفية جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في القطاع، لكن ما نحتاجه ليس فقط قرارات قانونية، بل تحركا فعليا يوقف نزيف دم الأطفال، ومنح من تبقى منهم حقهم في الحياة والأمان".
الزوج والأعمال الإنسانية
تتحدث آية عن زوجها عبدالله باعتباره إنسانا حاضرا للخير قبل أن يكون زوجا وأبا، فخلال الحرب، انشغل بأعمال إنسانية تطوعية، وأشرف على توفير مياه الشرب للنازحين، وساعد الأسر في تلبية احتياجاتها الأساسية داخل المخيم، ورغم عمله الصحفي قبل الحرب، اختار التفرغ لعائلته وحمايتهم، واضعا سلامتهم فوق كل اعتبار.
وتصف آية حسونة زوجها بأنه إنسانا سبق فعله قوله، وعلمه خلقه، حيث كان يحمل درجتي البكالوريوس والماجستير في اللغة العربية والأدب العربي، وعمل في مجال التدقيق اللغوي، إلى جانب تدريسه اللغة العربية لطلبة المرحلتين الإعدادية والثانوية، ولم يكن العلم بالنسبة له مهنة فقط، بل رسالة، انعكست في شخصيته الهادئة ومسلكه الإنساني.
وتشير إلى أنه كان مسالما، مستقلا، شديد البر بوالديه، حنونا على أطفاله، وداعما لها في كل تفاصيل حياتها، وسنوات زواجهما كانت من أسعد أيام حياتها، إذ جمع بين الأخلاق والالتزام الديني والخوف من الله، وكان حاضرا كزوج وأب وشريك حياة بمعنى الكلمة.
إلى جانب حياته الأسرية، لم ينقطع عبدالله عن أعمال الخير، كثير منها بقي خفيا لا يعلم به أحد، فخلال الحرب، كان يسعى لمساعدة المحتاجين، خاصة أسر أصدقائه المغتربين، ويوصل المساعدات لكبار السن والأمهات، رغم المخاطر اليومية، وتقول زوجته إنها كانت تخشى عليه بشدة، وتطلب منه عدم الابتعاد أو الخروج لمسافات طويلة، خوفا من أن يصيبه مكروه، لكنه كان يصر على أداء واجبه الإنساني، موضحة أن المفارقة المؤلمة أن استشهاده لم يكن بعيدا أو في مهمة، بل أمام عينيها، قرب خيمتهم، في مشهد يجسد كيف أن الحرب لم تترك مكانا آمنا لأحد.
وتشير إلى أن الله أكرم زوجها الشهيد عبد الله السوسي بمحبة الناس له بعد رحيله، إذ فوجئت بأصدقاء وأشخاص من خارج غزة يخبرونها أنهم أدوا العمرة عن روحه دون أن تطلب ذلك، هذا الأمر كان يبعث في قلبها طمأنينة عميقة، ويجعلها تشعر أن أثره في الدنيا لم ينقطع.
لم يكن عبد الله زوجا وأبا فقط، بل كان الداعم الأكبر لمسيرتها العلمية، شجعها على استكمال دراستها العليا، ورافقها في كل خطوة، وكان يردد دائما "بدي إياكي متفوقة"، وبالفعل، حافظت آية على تفوقها وناقشت رسالة الماجستير بامتياز، وفاء لوعد قطعته لنفسها وله.
مرارة النزوح
وتؤكد آية أن أسرتها ذاقت مرارة النزوح منذ الأيام الأولى للحرب، حيث دمر منزلهم في منطقة الصفطاوي بجباليا جراء قصف عنيف، ما اضطرهم لمغادرته خلال الأسبوع الأول من الحرب، وتنقلوا شهرا كاملا بين بيوت الأقارب داخل مدينة غزة، قبل أن يشتد الحصار على منطقة مجمع الشفاء الطبي، ومع تصاعد أعداد الشهداء والجرحى الذين تُركوا ينزفون في الشوارع دون إسعاف، لم يعد أمامهم خيار سوى النزوح جنوبا سيرا على الأقدام.
لم يكن النزوح إلى الجنوب أقل قسوة، حيث وصلوا بلا أغراض، بعد أن فقدوا كل ما يملكون تحت أنقاض بيتهم في الشمال، وأقاموا بداية لدى أقارب ومعارف في خان يونس، لكن مع اجتياح المدينة اضطروا للنزوح مجددا، هذه المرة إلى رفح، حيث عاشوا في ظروف بالغة الصعوبة داخل بيت واحد، تقاسمه نحو عشرة أفراد في غرفة واحدة، في محاولة للتكيف مع واقع فرضته الحرب.
ومع تصاعد القصف في رفح، نزحت الأسرة مرة أخرى ليلا وتحت الخطر إلى منطقة المواصي غرب خان يونس، هناك، أمضوا نحو ثلاثة أشهر في ظروف شديدة القسوة، وسط شح المياه وانعدام أبسط مقومات الحياة، لم تكن لديهم خيمة في البداية، ولا أي مستلزمات، لكنهم حاولوا تدبير أمورهم بما تيسر، كما فعل آلاف النازحين غيرهم.
دعوات أممية بضرورة توفير مواقع إيواء انتقالي
في هذا السياق يؤكد فرحان الحق، نائب المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، أن جهود توفير المأوى داخل القطاع خلال الحرب عانت الكثير من القيود المفروضة على دخول المواد الحيوية والخبرات الفنية، ولهذا فإن مواقع الإيواء داخل القطاع لا تتناسب مع حجم الاحتياجات أو المعايير الدولية.
ويضيف في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن دخول المنازل المتنقلة ومعدات الإنقاذ والوقود والإمدادات الطبية لا تزال مقيدة بشدة، مما يعرض حياة عشرات الآلاف من النازحين والمرضى للخطر، فيما تتواصل عمليات التفجير المنتظمة للمباني السكنية، وتكررت عمليات نزوح السكان.
ويشير إلى ضرورة من توفير مواقع إيواء انتقالي، بجانب إمكانية الوصول إلى الخدمات الأساسية الضرورية، بجانب ضرورة أن تكون هذه المواقع الإيوائية ومتوافقة مع المبادئ الإنسانية.
الاجتماع تحت خيمة مستقلة بعد عناء
تستذكر آية حسونة أن تلك الفترة، رغم صعوبتها، منحت عبدالله شعورا نسبيا بالطمأنينة، إذ كانت العائلة مجتمعة في خيمة مستقلة بعد شهور من التنقل والازدحام، موضحة أن زوجها كان يتحدث عن المستقبل، ويتساءل عما يمكن فعله إن توقفت الحرب، ويقترح البقاء في الخيمة مؤقتا، بعدما فقدوا منزلهم في الشمال، إلى أن تتضح ملامح العودة.
الحرب لم تمنحهم فرصة التخطيط لما بعد، فبين خيمة النزوح وأحلام مؤجلة، توقفت الحكاية فجأة، وبقيت آية وحدها تحمل ذاكرة بيت هدم، وعائلة استشهدت، وطريق نزوحٍ لم ينتهِ، في شهادة إنسانية تختصر رحلة الفلسطيني في غزة بين فقد وصبر ومحاولة مستمرة للحياة.
الأحاديث الأخيرة
تستعيد آية حسونة أحاديثها الأخيرة مع زوجها الشهيد عبد الله السوسي، حين كان يحدثها بتفاؤل عن اقتراب الهدنة، وعن أمل العودة إلى شمال غزة، قائلة إنه اشترى ملابس جديدة له ولطفليهما، على أمل أن يرتدوها عند الرجوع إلى الديار ولقاء الأهل والأحباب، في مشهد بسيط يلخص أحلام أسرة أنهكتها الحرب لكنها لم تفقد الأمل.
في تلك الفترة، كانت عائلة "آية" تقيم في شمال غزة، بينما اضطرت هي للبقاء في الجنوب، ما حال دون لقائها بأهلها طوال أشهر الحرب، وحتى بعد استشهاد زوجها وطفليها، بقيت محاصرة في الجنوب مع أهل زوجها، دون أي إمكانية للانتقال أو الوداع أو الاحتماء بأحضان والديها، وتصف تلك المرحلة بأنها من أصعب فصول حياتها، خاصة حين اتخذت قرارا شجاعا بالعودة إلى الخيمة نفسها التي شهدت استشهاد أسرتها.
الأيام الأولى بعد الفقد
وتقول إن الليالي الأولى بعد الفقدان كانت قاسية إلى حد لا يُحتمل، لكن الإيمان كان ملاذها الوحيد، حيث لجأت إلى القرآن الكريم، وداومت على قراءة الأحاديث النبوية وكتب الفقه والشريعة، محاولة أن تملأ الفراغ الروحي وتقاوم الانكسار، ومع كل زيارة للمستشفى لمتابعة إصابتها، كانت تشتري كتابا جديدا من مكتبة قريبة، لتبقى منشغلة بالعلم والمعرفة بدل الغرق في الحزن.
صدقة على أرواح الشهداء
وبعد الفقد، تحاول آية تحويل الألم إلى فعل حياة، حيث تقول إن كل ما تقوم به من أعمال خير، مهما كانت بسيطة، تهديه صدقة عن أرواح زوجها وطفليها، حين تقدم هدية لطفل، تخبره أنها من حمزة ورغد، وحين تتواصل مع أصدقاء عبدالله أو تذكر سيرته وأخلاقه وأفعاله الطيبة، تعتبر ذلك استمرارا لروحه بينهم.

الطفلة رغد
وتعترف بأن الفقد شعور يفوق الوصف، فأحيانا لا تستوعب أن أسرتها رحلت بالفعل، وتراودها أسئلة موجعة "معقول ما رح أشوفهم؟"، لا تزال صورهم، أصواتهم، حركاتهم، وحتى ملمس ملابسهم حاضرة في ذاكرتها، لا تشعر أنهم غائبون، بل تعتبرهم قريبين منها، وتعيش على يقين اللقاء، هذا الإيمان هو ما يمنحها القدرة على الاستمرار، حيث ترى أن الصبر والرضا يقربانها منهم أكثر، وتؤمن بأن الله الذي وهبها إياهم هو الذي اختارهم، وأن الاصطفاء، رغم قسوته، نعمة تحتاج إلى قوة إيمان لتحملها.
المفوض الأممي أجيت سونجاي، أبرز في 29 يناير، حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها الفلسطينيون في غزة، موضحا في بيان للمنظمة، أن إسرائيل تتحمل المسؤولية عن الانتهاكات المستمرة في القطاع، ومطالبا بضرورة الانتقال إلى مرحلة إعادة الإعمار في أسرع وقت.
لا تنكر آية حسونة لحظات الضعف والحزن والعزلة، لكنها ترفض أن تكون موضع شفقة، تحرص على الظهور قوية، ليس إنكارا لألمها، بل رغبة في أن تكون مصدر طمأنينة للآخرين، وتحتفظ بحزنها لنفسها، وبعد استشهاد أسرتها، عادت إلى عملها في وزارة الصحة الفلسطينية، محاولة استعادة إيقاع الحياة رغم الفراغ الهائل الذي خلفه الغياب، وتعترف بأن كل شيء تغير؛ تفاصيل يومها، عودتها إلى بيت بلا أصوات، وحياة لم تعد تشبه ما كانت عليه، لكنها، بإرادة شاقة ومجاهدة نفسية عميقة، بدأت تتقبل واقعها الجديد، وتواصل المضي قدما.
تقول آية حسونة إن تفاصيل الحياة اليومية باتت تفتح جراحا لا تلتئم، فكل مشهد عابر يعيدها إلى طفليها وزوجها، في المدرسة، حين ترى الأطفال يدخلون صفوفهم، تتوقف طويلا عند فكرة مؤلمة " هنا كان ابني عمره ست سنوات، كان لابد أن يكون في الصف الأول"، حلم بسيط لم يتحقق، إذ لم تسنح لحمزة فرصة أن يلتحق بروضة أو مدرسة، ولم تعش الأم فرحة أول يوم دراسة كما تعيشها الأمهات.
قبل استشهاد ابنها، كانت الأم تناقش مع حماتها فكرة تسجيل حمزة في الروضة، رغبة في أن يختلط بالأطفال ويعيش تجربة التعلم الأولى، لكنها كانت تصطدم بواقع الحرب والخوف، ورغم وجود نقاط تعليمية بديلة، بقي الحلم مؤجلا حتى انطفأ فجأة، أما رغد، فكانت لا تزال طفلة صغيرة، بضحكتها البريئة وكلماتها العفوية التي سبقت عمرها، محبوبة من كل من عرفها، كما كان حمزة محبوبا بخفة ظله وبراءته.
انهيار المنظومة التعليمية
وفي نوفمبر الماضي، أعلنت وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية، أن أكثر من 20 ألف طالب و1037 معلما وباحثا وأكاديميا استشهدوا منذ 7 أكتوبر 2023، خلال حرب الإبادة الجماعية التي شنتها إسرائيل ضد قطاع غزة
قبلها بشهر سلطت وكالة الأونروا الضوء على حجم انهيار المنظومة التعليمية في القطاع، موضحة في بيان لها، أن أكثر من 8 آلاف معلم ومعلمة من الوكالة في غزة مستعدون لاستئناف العملية التعليمية، لافتة إلى أن أطفال غزة حرموا من مدارسهم لفترة طويلة للغاية، لافتة إلى أنها أكبر منظمة إنسانية في غزة، ويجب السماح لها بأداء عملها دون عوائق، والناس في القطاع يحتاجون إلى إمدادات الإيواء بشكل عاجل.
تستعيد آية تفاصيل طفولة الابن والابنة بامتنان موجع، حيث كان حمزة يردد بفخر "أنا الأسد"، بعدما اعتادت الأسرة مناداته بهذا اللقب، فيما كانت رغد تُنادى بـ"الأميرة"، كلمات صغيرة، لكنها اليوم تشكل ذاكرة كاملة، تعيش بها الأم وتستمد منها بعض العزاء، قائلة إن أكثر ما يخفف عنها هو أن الناس ما زالوا يذكرون طفليها، ويروون لها مواقفهما وضحكاتهما، وكأن حضورهما لم ينقطع.
انهيار المنظومة التعليمية في غزة بسبب الحرب
وعن ما بعد الفقد، تؤكد أن العائلة كانت السند الأول، وبقيت على تواصل دائم مع أهل زوجها، الذين احتضنوها كابنة، ووقفت حماتها وحماها إلى جانبها في أصعب لحظاتها، كما كان دعم والديها عاملا أساسيا في قدرتها على الوقوف مجددا ومواجهة المجتمع واستعادة قدر من التوازن في حياتها اليومية.
مقتنيات الأسرة تتحول لصدقة جارية
لم تحتفظ آية حسونة بمقتنيات أسرتها الراحلة، بل اختارت أن تحولها إلى صدقة جارية، وزعت ملابسهم وأغراضهم على المحتاجين في ظل ظروف الحرب القاسية، طالبة ممن ينتفع بها أن يدعو لهم بالرحمة، وترى في هذا الفعل امتدادًا لأرواحهم، وطريقًا لتخفيف وطأة الغياب.
تعترف بأنها لم تحظ برؤيتهم في المنام، رغم شوقها العميق لذلك، لكن أحلام الأصدقاء والمعارف عنهم، وما حملته من بشارات وطمأنينة، كانت كافية لتخفيف حزنها ومنحها بعض السكينة، وخلال فترة العدة، التي قضتها كاملة في خيمتها، حرصت على ألا تترك نفسها للعزلة القاتلة، اقتنت لاب توب، وقررت استكمال دراستها في مجال إدارة الخدمات الصحية باستخدام نظم المعلومات الجغرافية، وكانت قد أنهت إعداد رسالة الماجستير قبل اندلاع الحرب، وكان من المفترض مناقشتها، لكن الحرب فرضت تأجيلا قسريا.
تحكي آية أنها خاطبت الجامعة ومشرفها أكثر من مرة خلال الحرب، طالبة تحديد موعد للمناقشة، إلا أن الرد كان دائما الانتظار إلى ما بعد انتهائها، وفي مفارقة مؤلمة، كانت قد أرسلت تذكيرا أخيرًا قبل يوم واحد فقط من استشهاد زوجها وطفليها، دون أن تتلقى ردا، وبعد الفاجعة، اتصل بها المشرف معزيا، وعرض عليها مباشرة البدء بإجراءات المناقشة إن كانت مستعدة.
كان القرار صعبا، وربما الأصعب في حياتها، لكنها اختارت المضي قدما، حيث تقول إن زوجها كان الداعم الأول لمسيرتها الأكاديمية، وهو من دقق رسالتها لغويا ونسقها، ورافقها في كل خطوة من رحلة الدراسة، بدأت دراسة الماجستير عام 2019 خلال حملها بابنها حمزة، وواصلتها بعد ولادته عام 2020، ثم خلال حملها بابنتها رغد وولادتها عام 2022، وكان طفلاها حاضرين في تفاصيل رحلتها العلمية كما في حياتها اليومية.
بعد انتهاء العدة بنحو خمسة أشهر، ناقشت آية حسونة رسالة الماجستير، متحدية الألم والفراغ، وحصلت على درجة الامتياز، وتؤكد أنها أهدت هذا الإنجاز لزوجها وطفليها، معتبرة إياه صدقة جارية عن أرواحهم، ورسالة وفاء لمن كانوا شركاءها في الحلم قبل أن يغيبوا.
وتختم شهادتها قائلة إنها ستبقى تتحدث عنهم، تتذكرهم، وتحول كل فعل في حياتها إلى صدقة جارية عن أرواحهم، معتبرة أن الاستمرار، رغم الألم، هو شكل آخر من أشكال الوفاء، في حديثها، لا تنكر ألم الفقد، لكنها تصر على أن تحول الحزن إلى معنى، والغياب إلى حضور مختلف، قصتها ليست فقط شهادة أم فلسطينية فقدت أسرتها، بل رواية إنسانية عن الصبر، والاحتساب، وتحويل المأساة إلى فعل حياة، في واقع لا يزال يثقل كاهل غزة بالجراح والذكريات.
في قصة آية حسونة، يتحول الفقد إلى دافع، والحزن إلى قوة صامتة، ويصبح العلم شكلا من أشكال المقاومة والبقاء، في حياة امرأة فلسطينية وجدت نفسها وحيدة بعد أن فقدت كل شيء، لكنها اختارت أن تستمر، شاهدةً على وجع غزة، ومتمسكة بالأمل رغم كل شيء.