نواصل فى هذه الحلقة الجديدة والمستفيضة كشف الأقنعة عن الوجوه الغامضة التي أدارت ماكينة التخريب داخل جماعة الإخوان الإرهابية، ونتوقف اليوم عند محطة هى الأصعب والأكثر تعقيداً في تاريخ مصر المعاصر، وهي مطلع التسعينيات، تلك الفترة التى شهدت تحولات دراماتيكية في بنية الدولة والمجتمع، وفي قلب هذا الإعصار كان يتحرك محمود عزت، الرجل الذي لقبته الأجهزة المعلوماتية بـ "أفعى التنظيم"، والذراع الطولى للتيار المتشدد الذي لا يؤمن بوطن ولا بدولة، بل يسعى فقط لفرض سطوة التنظيم الدولي على أنقاض المؤسسات الوطنية.
مع دقات الساعة الأولى من عام 1990، بدأت مصر تدخل نفقاً مظلماً من المواجهات الأمنية والسياسية الدامية، حيث رفعت الجماعات الإرهابية السلاح فى وجه الدولة، وتحولت شوارع القاهرة الهادئة وأزقة الصعيد الجواني إلى ساحات حرب مفتوحة، وفي الوقت الذي كانت فيه الدولة تخوض معركتها ضد الإرهاب المسلح، كان محمود عزت ينسج خيوط مؤامرة أكثر خطورة ونعومة في آن واحد، مستغلاً حالة الارتباك العام لترسيخ نفوذ الجماعة الإرهابية تحت غطاء العمل الخدمي والنشاط النقابي، بينما كانت غرفه المغلقة تشهد وضع اللمسات الأخيرة لما عرف لاحقاً بـ "خطة التمكين" الكبرى.
لقد عاصر محمود عزت وشاهد بعين الثعلب المتربص نهاية سياسة "النفس الطويل" التي اتبعها نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك خلال عقد الثمانينيات، فبعد الحادث الإرهابي الغاشم الذي أودى بحياة الدكتور رفعت المحجوب رئيس مجلس الشعب في أكتوبر 1990، اتخذت الدولة قراراً لا رجعة فيه بالمواجهة الشاملة مع كافة أطياف التيار المتأسلم، وهنا تجلت مهارة محمود عزت في "المراوغة السياسية" والرقص على الحبال، حيث دفع بالجماعة نحو قرار مقاطعة انتخابات البرلمان في ذلك العام، مدعياً أن السبب هو الاعتراض على النزاهة والضمانات، بينما كانت الحقيقة في تقارير الغرف السرية تشير إلى رغبة عزت في سحب كوادره من المواجهة المباشرة مع الأمن في لحظة استنفار قصوى، ليتفرغ هو لإعادة ترتيب البيت الإخواني من الداخل، وتطهيره من أي أصوات تنادي بالاعتدال، فارضاً قبضة قطبية حديدية لا تعترف إلا بالسمع والطاعة العمياء.
ولعل المحطة الأبرز التي كشفت خسة هذا التنظيم وقائده الخفي محمود عزت كانت في عام 1992، فبينما كانت مصر تئن تحت وطأة زلزال مدمر هدم البيوت وشرد العائلات، وبينما كانت أجهزة الدولة تسابق الزمن لمواجهة تداعيات الكارثة، أصدر "الأفعى" أوامره المشددة بتحرك الخلايا النائمة في النقابات المهنية والجمعيات الخيرية التابعة للجماعة، ليس من أجل سواد عيون المصريين، بل لتقديم مساعدات عاجلة مشروطة بالدعاية السياسية، في محاولة خبيثة لغسل سمعة التنظيم الملوثة وتصدير صورة ذهنية مفادها أن الدولة عاجزة وأن الجماعة هي البديل، وكان عزت بنفسه هو المشرف المباشر على ميزانيات تلك العمليات الضخمة، حيث تدفقت أموال التبرعات مجهولة المصدر والتمويلات الخارجية لتعزيز حضور الجماعة في المناطق العشوائية والفقيرة، وهي الخطة التي وضعها عزت لضمان ولاء القاعدة الشعبية البسيطة بعيداً عن أعين الرقابة الأمنية، محولاً أوجاع الناس إلى أوراق ضغط سياسية.
ولم تكن مؤامرة الزلزال هي النهاية، بل كانت البداية لسقوط القناع تماماً في القضية التي هزت الرأي العام وعرفت باسم "قضية سلسبيل" عام 1992، حينما نجحت الأجهزة الأمنية في ضبط وثائق ومخططات بالغة السرية داخل شركة تكنولوجية، كشفت بوضوح عن "خطة التمكين" التي وضعها محمود عزت بالتعاون الوثيق مع خيرت الشاطر، وكانت هذه الخطة تهدف صراحة وبدون مواربة إلى التغلغل داخل مفاصل الدولة الحيوية، واختراق المؤسسات، والعمل على تفكيك بنية الدولة المصرية تمهيداً للسيطرة الكاملة عليها بحلول عام 2000، وهنا فقط أدركت الدولة والعالم أن محمود عزت ليس مجرد أكاديمي أو كادر تربوي، بل هو العقل الاستراتيجي المدبر والمهندس الأول لعمليات إسقاط الدول من الداخل.
وعلى الصعيد الداخلي للتنظيم الإرهابي، كان محمود عزت يمارس في تلك الفترة ما يمكن وصفه بـ "التطهير العرقي للأفكار"، حيث شهدت السنوات من 1990 وحتى 1995 عملية تهميش ممنهجة وقمع متعمد لكل الأصوات المنادية بالعمل السياسي العلني أو الانفتاح على القوى الوطنية والمدنية، فأحكم عزت حصاره على من عرفوا بـ "جيل الوسط" الذين كانوا يطمحون لتحويل الجماعة إلى حزب سياسي مدني، وبدلاً من ذلك كرس عزت مبدأ السرية المطلقة، ونظام الأسر التثقيفية المغلقة التي تقوم على "حقن" عقول الشباب بأفكار سيد قطب التكفيرية، لضمان بناء جيش من الأتباع والمنفذين الذين لا يملكون من أمرهم شيئاً سوى تنفيذ الأوامر الانتحارية حينما يقرر "الثعلب" أن ساعة الصفر قد حانت.
ومع اقتراب عام 1995، وصلت المواجهة بين الدولة والتنظيم السرطاني إلى ذروتها، حيث شنت الأجهزة الأمنية حملات مكثفة طالت رؤوس الأفعى وقيادات الصف الأول، وتمت إحالة أعداد كبيرة من الكوادر إلى المحاكمات العسكرية لأول مرة في عهد مبارك، وفي غمرة هذه الأحداث كان محمود عزت هو المحرك الرئيسي والمايسترو الذي يوجه آلة الدعاية الدولية والمنظمات الحقوقية المشبوهة ضد الدولة المصرية، مستخدماً شبكة العلاقات الأخطبوطية للتنظيم الدولي للضغط على القرار السيادي المصري، ومع ذلك ظل هو كعادته متوارياً في مكمنه، يدير المشهد من خلف ستار "نظام الاتصال السري" المعقد الذي ابتكره، والذي يعتمد على شفرات لا يفك طلاسمها غيره، ووسطاء يجهل كل منهم الآخر، لضمان عدم سقوط الخيط الأول في يد العدالة.
إن الدور الذي لعبه محمود عزت في النصف الأول من التسعينيات كان هو حجر الزاوية في تحويل الجماعة من كيان يحاول استجداء الشرعية إلى تنظيم سري متأهب وقوة تخريبية منظمة، حيث نجح بدهائه في عزل الجماعة عن المجتمع سياسياً مع الحفاظ على توغلها اجتماعياً، وهو التناقض الذي أبدع في إدارته لسنوات طويلة، لقد كان عزت يوقن أن الصدام الحتمي مع الدولة يتطلب تقوية الجناح المالي وبناء إمبراطورية اقتصادية موازية، وهو ما نجح فيه بالفعل، ليضمن صمود التنظيم أمام الضربات الأمنية المتلاحقة، ويدخر قوته وسلاحه لسنوات قادمة من الغدر والخيانة.
لقد أثبتت كل الوثائق التي تكشفت لاحقاً أن محمود عزت لم يؤمن يوماً بالديمقراطية أو التعددية، بل كانت بالنسبة له مجرد مطية رخيصة للوصول إلى كرسى الحكم، وأن هدفه الأسمى الذي لم يحد عنه كان "أستاذية العالم" وتطبيق رؤيته الظلامية، ولذلك كان هو الحائط الصخري الذي تكسرت عليه كل محاولات الإصلاح الداخلي، مفضلاً أن تظل الجماعة تنظيماً غامضاً ومظلماً، تقوده أفعى خبيرة بفنون التخفي، تعرف متى تظهر لتنفث سمومها في جسد الوطن، ومتى تنكمش في جحرها لتنتظر اللحظة المناسبة للانقضاض، وهو ما جعل من سنوات التسعينيات الأولى بمثابة شهادة الميلاد الحقيقية لسطوة الرجل الحديدي، الذي ظل يحكم قبضته على الجماعة بالحديد والنار والسرية المطبقة لنحو ثلاثة عقود، قبل أن يسقط في شر أعماله وتنكشف عورات تنظيمه أمام وعي الشعب المصرى العظيم.