ناهد صلاح

​قهوة بعرة.. هوليوود الغلابة

الجمعة، 06 فبراير 2026 03:50 م


​لطالما اعتبرتُ نفسي "ابنة وسط البلد"، تلك الشوارع التي قضيتُ أغلب عمري أجوبها، أحفظ تفاصيل واجهاتها العتيقة، وتعرفني أرصفتها جيداً وأنا أقطعها يومياً في طريقي من وإلى عملي. ورغم أنني كنتُ أمرُّ عشرات المرات من أمام ذلك الممر الضيق المتفرع من شارع عماد الدين، إلا أنني لم أخطُ قدماي أبداً داخل "قهوة بعرة"، مخبأ من مخابيء القاهرة الساحرة، ظلت بالنسبة لي "قهوة بعرة .. ملتقى الفنانين"، مجرد لافتة عابرة في جغرافيا المكان، حتى جاءت دعوة الناقد الكبير د. وليد سيف لتكسر هذا الحاجز؛ فبعد " العزومة" على إفطار شعبي في قلب وسط البلد، كان لابد من "حبسة" الشاي المعتبرة على كراسي "بعرة" الخشبية، وهناك.. رأيتُ وجهاً آخر للقاهرة لم أعهده من قبل.

​في ذلك الممر الضيق المتفرع من شارع عماد الدين بمنطقة وسط البلد، وكأنه "كادر" سينمائي عتيق، يفوح عبق التاريخ الممزوج برائحة البن والشيشة من مقهى متواضع الجدران، عظيم الأثر، يُعرف باسم "قهوة بعرة". هذا المكان الذي قد يبدو للغريب مجرد مقهى شعبي، هو في الحقيقة "لوكيشن" طبيعي وصاخب، ومكتب استقرار غير رسمي لصناعة السينما المصرية منذ عقود.

​يرجع اسم المقهى إلى صاحبه المؤسس محمد بعرة، الذي افتتحه في أربعينيات القرن الماضي. ورغم غرابة الاسم، إلا أنه أصبح "ماركة مسجلة" في وجدان كل من عمل في الحقل الفني. محمد بعرة" صار اسمه علماً على تاريخ موازٍ، ونقتفي أثر "أهل الهامش" الذين صنعوا بريق السينما المصرية بدموعهم وعرقهم وضحكاتهم المنسية.

لم يكن "بعرة" مجرد صاحب مقهى، بل كان "مدير إنتاج" بالفطرة، صديقاً للفنانين، منظماً لشؤون الكومبارس، مما جعل مكانه المقصد الأول للمخرجين والمنتجين الباحثين عن وجوه لملء كادرات الأفلام بالروح والحياة.

هنا "قهوة بعرة"، المكان الذي لم يكن يوماً مجرد مقهى لتناول الشاي، بل كان "البلاتوه" الأكبر في تاريخ السينما المصرية، الرحم الذي ولدت فيه آلاف الكادرات دون أن تُسجل أسماء أصحابها على "تترات" النهاية.

​هنا، في "هوليوود الغلابة"، جلس "الكومبارس" ينتظر "الريجيسير" الذي يطل عليهم كقدرٍ محتوم، ليختار وجهاً من وسط المئات ويمنحه فرصة الظهور لثوانٍ خلف "البطل". في هذا المكان، امتزجت الحقيقة بالخيال؛ فمن جلس على هذه الكراسي الخشبية، ربما كان بالأمس وزيراً في فيلم تاريخي، أو مجرماً عتيداً في فيلم أكشن، لكنه بمجرد انتهاء "الأوردر"، يعود ليحتسي شايه بوقار مكسور، باحثاً عن وجهه الحقيقي وسط دخان الشيشة المتصاعد.

بهذا الحضور لم تكن قهوة بعرة مجرد محطة انتظار للمهمشين، بل كانت "بلاتوه" مفتوحاً واختباراً حقيقياً لأسماء أصبحت لاحقاً من أعمدة الفن المصري والعربي. فبين جدرانها، وفي "زاوية تصوير" هادئة، كان الفتى الأسمر أحمد زكي يجلس لساعات، يراقب الوجوه ويحلل الشخصيات، منتظراً فرصة تثبت عبقريته التي انطلقت من هذا الزقاق لتغزو شاشات السينما في لقطات خلدها التاريخ.

​وشهدت الطاولات صولات وجولات للفنان توفيق الدقن، الذي ظل يرتاد المكان ليتنفس عبق البدايات، وحتى "دنجوان" السينما رشدي أباظة، كان يجد في "بعرة" ملاذاً بعيداً عن صخب النجومية، حيث يجلس مع "الريجسيرات" والبسطاء. هؤلاء النجوم وغيرهم من "عمالقة الظل" والكومبارس مثل حسن كفتة ومطاوع عويس، جعلوا من المقهى أكاديمية واقعية لتعليم فنون الأداء والحياة.

​بمجرد الدخول إلى المقهى، تواجهنا الجدران مغطاة بصور نادرة تجمع صاحب المقهى مع عمالقة الفن، كأنها "شريط سينمائي" متصل. إنها ليست مجرد ديكور، بل هي "أرشيف" يوثق العصر الذهبي. المكان لا يزال يحتفظ بهويته حتى اليوم، إنه ساحة اللقاء التي طالما ارتادها "الريجسيرات" للاتفاق مع المجاميع، مما جعل المقهى خلية نحل لا تهدأ، تُوزع فيها الأدوار وتُرسم فيها ملامح الشخصيات قبل أن تظهر للنور.

​تمثل قهوة بعرة جانباً حياً من التراث غير المادي للقاهرة. تعكس كيف ارتبطت المقاهي بالمهن والإبداع، وكيف تحول المكان من حيز جغرافي إلى "أيقونة" ترمز للصبر والمحاولة والأمل. إنها المكان الذي لا يزال يؤمن بأن كل جالس على كراسيه هو بطل في فيلمه الخاص.

​لكن دوام الحال من المحال؛ فاليوم تشهد "قهوة بعرة" فصلاً جديداً ومختلفاً من حكايتها. ومع تغير آليات العمل السينمائي، وغلبة الوسائط الرقمية ومكاتب الـ "Casting" الحديثة، بدأ وجه المقهى التقليدي يتغير. غاب الكثير من "الريجسيرات" الذين كانوا يملؤون المكان صخباً وطلبات، وحلّ الصمت محل نداءات توزيع الأدوار. هذا التحول يعكس أزمة أعمق يعيشها "بسطاء الفن" الذين ارتبط رزقهم بهذا المكان، مما جعل المقهى يقاوم اليوم للبقاء كمعلم سياحي وتاريخي أكثر منه سوقاً نشطة للعمل. ورغم هذا الانحسار في الدور الوظيفي، يظل المقهى صامداً، يذكرنا بأن جزء من السينما بدأ هنا، من على هذه الكراسي البسيطة، لتظل قهوة بعرة ليست مجرد مكان لشرب القهوة، بل إنها "المسرح الخلفي" الذي صنع خلفية أهم المشاهد في تاريخ السينما المصرية.  المكان الذي تساوى فيه النجم مع الكومبارس في حب الفن، واليوم، وبعد سنوات من المرور العابر، أدركتُ أن كوب الشاي هناك له طعم "الأفيشات" القديمة وصدق الحكايات التي لا تموت، حتى وإن تغير "التتر" وتبدلت الوجوه.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة