في عالمٍ تتقلّب فيه التحالفات وتتبدّل فيه المواقف بتبدّل المصالح، لا تبقى على الخريطة إلا الدول التي تُجيد قراءة اللحظة السياسية قراءة واعية، وتعرف كيف تُحوِّل مساحات التوتر إلى فرص، وتستبدل منطق القطيعة بمنطق التفاهم، دون أن تفرّط في ثوابتها أو تُفرّغ مواقفها من مضمونها الوطني.
ومن هذا المنطلق، يكتسب الإعلان عن استهداف رفع حجم التبادل التجاري بين مصر وتركيا إلى خمسة عشر مليار دولار دلالة سياسية واقتصادية بالغة العمق؛ فهو لا يُعبّر فقط عن تطور في العلاقات الثنائية، بل يعكس فهمًا ناضجًا لطبيعة السياسة بوصفها إدارة رشيدة للمصالح، وتوازنًا دقيقًا بين المبادئ ومتطلبات الواقع المتغيّر.
لقد أثبتت الدبلوماسية المصرية، عبر ما يمكن تسميته بـ«سياسة النفس الطويل»، أن الزمن قد يكون في كثير من الأحيان أبلغ من الضجيج، وأن الصبر الاستراتيجي يفتح أبوابًا تعجز الانفعالات عن طرقها.
فالدولة حين تختار مسار التهدئة وإعادة ترتيب علاقاتها الإقليمية، لا تمحو الذاكرة ولا تُسقِط الدروس، لكنها تُقدّم مصلحة الوطن على مناكفات اللحظة، وتغلّب حسابات المستقبل على انفعالات الماضي.
وفي هذا السياق، تتجلّى رؤية الرئيس عبد الفتاح السيسي في إعادة تموضع مصر إقليميًا ودوليًا على أسس متوازنة، لا تنجرف إلى صدامات مجانية، ولا تُغلق أبواب التعاون حين تكون الشراكة طريقًا مشروعًا لحماية المصالح الوطنية.
فقد قامت هذه الرؤية على تثبيت ركائز الدولة في الداخل أولًا، ثم الانطلاق بثقة نحو توسيع دوائر الشراكة الخارجية، حتى استعادت مصر مكانتها بوصفها ركيزة للاستقرار في محيطها، وشريكًا موثوقًا في قضايا الإقليم، وصوتًا حاضرًا في دوائر القرار الدولي.
وفي خضم هذه التحولات، تتعاظم مسؤولية الكلمة ودور الخطاب العام، لا سيما في زمن تتسارع فيه تأثيرات الإعلام الجديد وتتضاعف فيه دوائر التأثير.
فليس كل خلاف يُستدعى من دفاتر الأمس، ولا كل معركة تُخاض عبر المنصات.
وحين تختار الدولة مسار الشراكة، يصبح من الحكمة أن يتحرك الخطاب العام في الاتجاه نفسه، حماية لما يُبنى من جسور، وصونًا لما يتحقق من مكاسب، ودعمًا لصورة الدولة ومصالحها في الخارج.
إن تحويل الخصوم إلى شركاء ليس مظهر ضعف، بل تعبير عن ذروة النضج السياسي حين تدرك القيادة أن الاستقرار الإقليمي والتكامل الاقتصادي أكثر جدوى من استنزاف الطاقات في صراعات ممتدة.
وما نشهده اليوم من تقارب يعكس ثمار رؤية الدولة المصرية التي أرساها الرئيس عبد الفتاح السيسي، والقائمة على تنويع الشراكات، وتوسيع دوائر التعاون، وتغليب لغة المصالح المشتركة على ضجيج الخلافات، حتى عادت مصر طرفًا محوريًا لا يمكن تجاوزه في معادلات الإقليم وتوازناته.
ومع بزوغ هذه المرحلة الجديدة، تتشكل آفاق واعدة لمصر على أكثر من صعيد: تعزيز منظومة الأمن القومي وحماية المصالح العليا للدولة، تطوير البنية الاقتصادية والتجارية بما يدعم مسار التنمية الشاملة، وتوسيع شبكة الشراكات الإقليمية والدولية التي تضع مصر في قلب التوازنات العالمية.
وهي خطوات لا تُقرأ بوصفها استجابات لحظة، بل باعتبارها جزءًا من رؤية طويلة المدى تُعزّز قدرة الدولة على التكيّف مع تحولات العالم، وتُرسّخ جاهزيتها لمواجهة التحديات المتداخلة.
وتبقى الحقيقة الأهم أن الدول تُقاس بقدرتها على حماية مصالحها لا بإطالة خصوماتها؛ فالمستقبل لا يُبنى بالضجيج، بل بالحكمة، ولا تصنعه الانفعالات، بل ترسمه رؤية تعرف متى تختلف، ومتى تتقاطع المصالح، ومتى تمضي قُدمًا تاركةً عبء الماضي خلفها.
وما يُدار اليوم خلف الأبواب المغلقة ليس مجرد تفاهمات اقتصادية، بل ترتيبات أوسع تصبّ في صون الأمن القومي وترسيخ الاستقرار وفتح مسارات جديدة للتنمية، لتبقى الدولة قادرة على حماية حاضرها وصناعة غدها.
وتلك هي السياسة حين تنضج: لا ترفع صوتها بقدر ما ترفع مكانة أوطانها، ولا تبحث عن انتصار لحظة، بل عن استقرار أمة، وعن رصيد للأجيال، وعن وطن يظل عنوانًا للكرامة والهيبة.
في النهاية، يبقى الوطن هو البوصلة، والغاية الكبرى لكل قرار، ودرع المستقبل لكل شعب يسعى إلى العزة والرخاء.