تمرّ اليوم الذكرى الثالثة للزلازل المدمّرة التي ضربت جنوب تركيا في السادس من فبراير 2023، تلك الكارثة التي وُصفت بحق بـ«كارثة القرن»، بعدما أودت بحياة 53 ألفًا و573 شخصًا، وخلفت عشرات الآلاف من الجرحى، وملايين المتضررين الذين فقدوا منازلهم ومصادر رزقهم، وتبدّلت ملامح حياتهم في لحظات.
وفي هذه الذكرى المؤلمة، تلقيت دعوة من إدارة الاتصال بالرئاسة التركية، ضمن وفد إعلامي دولي يضم صحفيين وإعلاميين من مصر، والولايات المتحدة، وكندا، وإيطاليا، والمجر، وبلغاريا، وأذربيجان، وكوريا الجنوبية، وغيرها من الدول، لزيارة المناطق التي شهدت عمليات إعادة الإعمار والتنمية، والاطلاع عن قرب على ما تحقق خلال ثلاث سنوات من العمل المتواصل.
هاتاي.. من الركام إلى الحياة
حطّت الطائرة في مطار هاتاي، وكانت مظاهر إعادة البناء حاضرة منذ اللحظة الأولى. طرق جديدة، ومبانٍ حديثة، وورش عمل لا تتوقف، تعكس حجم الجهد المبذول لإعادة الحياة إلى واحدة من أكثر الولايات تضررًا.
أقمنا في فندق المتحف بمدينة أنطاكيا، الذي يحمل هذا الاسم لاحتوائه على متحف داخلي، وهو بدوره أحد المباني التي أُعيد بناؤها بعد أن طالتها آثار الدمار. كان المشهد في حد ذاته رسالة: هنا لا تُمحى الذاكرة، بل تُصان وتُستعاد.
في اليوم التالي، استضافنا والي هاتاي مصطفى مساتلي، الذي عبّر في كلمته عن تقديره العميق لمصر، قيادةً وشعبًا، مؤكدًا أن القاهرة كانت من أوائل الدول التي لبّت نداء الاستغاثة التركي، وقدّمت مساعدات عاجلة منذ الساعات الأولى للكارثة، في مشهد تضامن إنساني سيظل محفورًا في الذاكرة التركية.
إعادة الإعمار.. حفاظ على الهوية
شدّد والي هاتاي على أن إعادة الإعمار لا تعني فقط إدارة آثار الكوارث، بل تتجاوز ذلك إلى الحفاظ على الهوية التاريخية والثقافية للمدن المتضررة. وأشار إلى إعادة بناء برلمان هاتاي التاريخي الذي دُمّر بالكامل، إلى جانب ترميم وإعادة تشييد مسجد الصحابي حبيب النجار، أحد أهم المعالم الدينية والتاريخية في المنطقة.
وفي شوارع أنطاكيا، رافقنا نائب الوالي، الصديق العزيز رسول يلدريم، في جولة ميدانية شاهدنا خلالها كيف تحوّلت أحياء مدمّرة بالكامل إلى مجمعات سكنية حديثة وأسواق نابضة بالحياة، في تجربة تعكس تخطيطًا طويل المدى وإرادة سياسية واضحة.
قصص الناس.. شجاعة وأمل
لم تكن الرحلة مجرد زيارة رسمية، بل كانت اقترابًا إنسانيًا من قصص الناس. استمعنا إلى شهادات مؤثرة لأسر فقدت كل شيء، ثم بدأت من جديد.
رأينا صدى، التي فقدت منزلها، لكنها حصلت مع أسرتها على منزل جديد بنظام سداد طويل الأجل وإعفاءات، لتبدأ صفحة مختلفة من حياتها. والتقينا جورج، الذي دُمّر متجره في الزلزال، ليعود اليوم ويفتتح محلًا جديدًا في البازار والسوق الذي أُعيد بناؤه من الصفر.
هنا، يتجسّد معنى التعافي الحقيقي: ليس في المباني فقط، بل في استعادة الثقة، والقدرة على الحلم من جديد.
كهرمان مرعش.. قلب الزلزال
في اليوم التالي، توجّهنا إلى مدينة كهرمان مرعش، مركز الزلازل وأحد أكثر المواقع تضررًا. هناك التقينا وزير البيئة والتنمية العمرانية وتغيّر المناخ، مراد كوروم، الذي كان يرتدي على بدلته الزرقاء دبوس زهرة القرنفل، رمزًا للتضامن مع الضحايا، وشاركنا جميعًا تعليقها في لفتة إنسانية صامتة لكنها بالغة الدلالة.
كشف الوزير أن الدولة بدأت أعمال البناء بعد 15 يومًا فقط من وقوع الزلازل، رغم أن الخسائر قُدّرت بنحو 104 مليارات دولار، مؤكدًا التزام الحكومة بتسليم أولى الوحدات السكنية للمتضررين خلال 45 يومًا، حتى وصل العدد اليوم إلى نحو 455 ألف وحدة سكنية.
رسالة أمل وتضامن
كان ختام الرحلة بلقاء مرتقب لفريق الإعلام الدولي مع الرئيس رجب طيب أردوغان في مدينة عثمانية، في مناسبة تحمل دلالات رمزية وسياسية وإنسانية.
ولعل هذه الزيارة تمثل فرصة متجددة للتأكيد على التضامن المصري – التركي، والإنساني قبل كل شيء، وتذكيرًا بأن الإرادة والأمل قادران، مهما بلغت قسوة الكوارث، على إحياء المدن المدمّرة، وإعادة بناء الإنسان قبل الحجر.
فالزلازل قد تهدم البيوت، لكنها لا تستطيع كسر روح الشعوب التي تؤمن بالحياة.