للتاريخ حكاياته، وللجغرافيا شروطها. ومنطقتنا كانت، وما تزال، تستند على أعمدة كبرى، وكلما دخلت عليها السياسة برياحها، ردّتها الجيوسياسة بمنطقها الحاكم إلى أصلها الأول. لا يُمكن أن يكون التعاون رفاهية فى أى وقت؛ غير أنه يصير ضرورة مُلحّة فى أزمنة بعينها، وليس أفضل من المرحلة الحالية للتدليل على نجاعة التصدّى للمُلمَّات برؤية مشتركة، وجهود مُنسّقة ومُتضافرة معًا فى جديلة واحدة.
من فلسطين فى جوارنا اللصيق، إلى إيران فى كتف الأناضول، وبينهما العراق وسوريا ولبنان، نزولاً إلى اليمن على فوّهة البحر الأحمر، والصومال فى الضفة المقابلة، وصعودا نحو السودان وليبيا. تفرض الأزمات نفسها على طاولة القيادات فى مصر وتركيا، من دون أن تزيح العلاقات الثنائية وملفات الاقتصاد والتجارة والاستثمار جانبًا، ليصبح الخاص والعام موضوعا لا تنفصل محاوره عن بعضها، ولا يستقيم السير فى أحدها دون سواه.
زيارة أردوغان للقاهرة الآن، تكتسب أهمية مُضاعَفة فى الشكل والمضمون. صحيح أنها مُجَدوَلة سلفًا فى إطار تطبيع العلاقات وترقيتها بعد جفاء طويل؛ إلا أنها تتّصل اتصالا وثيقًا بالطارئ والمستعجل من قضايا الإقليم، وتزداد حراراتها عن المعدلات الطبيعية، بالنظر إلى ما يترتب عليها أو يُنتَظَر منها، لجهة تثبيت التوافقات الدافعة للحلحلة وفكّ الاستعصاء فى غزة بعد اتفاق شرم الشيخ، أو تجنيب المنطقة مخاطر الذهاب فى جولة تصعيد جديدة بمُوجب الشقاق بين طهران وواشنطن، على الملف النووى وغيره من محفّزات الصدام.
يحل الرئيس التركى ضيفًا على مصر فى زيارته الرسمية الثانية. كانت الأولى فى الشهر نفسه قبل سنتين، وبينهما وفادتان ذاتا طابع دولى: قمة الدول الثمانى النامية «D8» ديسمبر 2024، وقمة شرم الشيخ للسلام فى أكتوبر الماضى. وسواء نظرنا للاثنتين الرسميتين وحدهما، أم للأربعة؛ فالمُعدّل كثيف فى الحالين، لا سيما أنها جاءت كلها بعد نحو اثنتى عشرة سنة من انقطاع الزيارات المُتبادَلة.
ما يُعبّر عن رغبة مُشتركة فى الاستدراك على ما فات، وعن حماسة لدفع الشراكة إلى مستويات مُتقدّمة، والأهم من ذلك الضرورة التى تفرض على الطرفين التوصل إلى مُقاربات غير تقليدية، وتشغيل فائض القوّة لدى البلدين لفائدتهما معا، ولأجل تصويب المسار على امتداد الخريطة المُتقاطعة بينهما، أو حفظ التوازنات القائمة على الأقل.
شهد البرنامج مباحثات رئاسية، ثم الاجتماع الثانى لمجلس التعاون الاستراتيجى رفيع المستوى، بعد جولته الافتتاحية فى سبتمبر قبل الماضى، خلال زيارة الرئيس السيسى الأولى لأنقرة. فضلا على مجلس الأعمال المصرى التركى، وما طُرِح بالتأكيد بشأن تفعيل البروتوكولات ومذاكرات التفاهم السابقة، ومُراجعة المُتحقّق على صعيد دفع التبادل التجارى من نحو 7 مليارات دولار فى 2025، إلى الهدف المرحلى بـ15 مليارًا فى المدى القريب.
الطموحات الثنائية وثيقة الصلة بالمجال الحيوى للبلدين، أى أنه فضلاً عن المصالح العليا واعتبارات الأمن القومى، فيما يخص استقرار الجوار، وتدعيم التركيبة السياسية والأمنية للإقليم؛ فإن السعى إلى ترقية العلاقات يتطلّب أن يتوافر لها سياق حاضن للتنمية، مُتفاعل معها، ولا يُشكّل عبئًا عليها أو ضغطًا أمنيًّا يستنزف الطاقة والإمكانات، ويُحوّل الموارد من خدمة المشروع النهضوى، إلى الدفاع عن حدود البِلدان وأوزانها وتوازناتها مع الآخرين.
اضطلعت مصر بواجب الذود عن القضية الفلسطينية، والتصدّى لمحاولات توظيف الطوفان وما تلته من تداعيات للانقلاب على الجغرافيا والديموغرافيا وحقوقهما العادلة انطلاقًا من ميدان القتال أو العدوان فى غزة.
دشّنت جدارا صلبا وعاليا فى مواجهة أطماع الاحتلال، ونجحت فى لفت الأنظار للنوايا المُضمَرة، وإعادة «حل الدولتين» إلى الواجهة مُبكّرًا، ومنذ قمة القاهرة للسلام بعد أسبوعين من اندلاع الحرب. وظلّت على موقفها الثابت الرشيد؛ حتى نجحت بمؤازرة إقليمية فى تحويل المبادئ التى تمسّكت بها، إلى إجراءات عملية صالحة للإنفاذ، بحسب ما ورد لاحقا فى خطة ترامب ذات البنود العشرين.
كانت تركيا طرفًا فى العملية السياسية بعد نحو سنتين من الانفلات الصهيونى الكامل. بدءًا باجتماع ممثلى ثمانى دول عربية وإسلامية مع الرئيس الأمريكى على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة فى نيويورك، سبتمبر 2025، وإلى توقيع أردوغان وسيطا وضامنًا لاتفاق وقف إطلاق النار، إلى جوار السيسى وترامب وتميم بن حمد.
والتركيبة نفسها حاضرة فى الملف الإيرانى؛ فإذا كان سيد البيت الأبيض خصمًا للمُرشد فيه؛ فالقادة الثلاثة لعبوا دور الوساطة فى احتواء الأزمة وامتصاص سخونتها، وأفضت جهودهم عن ترتيب طاولة تفاوض بين الطرفين بحلول نهاية الأسبوع.
تقرّر أن يكون اللقاء المُرتَقَب فى اسطنبول، ثم أوردت تقارير صحفية نشرتها رويترز وأكسيوس ومنصّات أخرى، أن طهران طلبت تحويل وجهة الاجتماع إلى العاصمة العُمانية، فى الموعد ذاته الجمعة المُقبلة.
فى النسخة الأولى، طُرِح توجيه الدعوة لخمس دُوَل أخرى، مصر والسعودية والإمارات وقطر وباكستان؛ لتكون ورشة سُباعية، ولا يُعرَف هل تُستَنسَخ التركيبة بكاملها فى مسقط، أم يُكتَفَى بطرفى الحوار وبينهما وزير خارجية السلطنة بدر البوسعيدى؛ غير أن شكل الطاولة لا يُغيّر من ظروف ترتيبها، أو حقيقة أنها كانت نتاج عمل دؤوب ونشاط دبلوماسى لعواصم عِدّة، فى طليعتها القاهرة وأنقرة.
تكرّرت البيانات المُشتركة للبلدين مع غيرهما فى الآونة الأخيرة، وتشابهت المواقف فى عديد القضايا، من غزّة إلى اليمن والسودان، والجدية التى تعاملتا بها مع اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» الانفصالى فى القرن الأفريقى.
لا مصلحة لهما معًا فى السيولة التى يعيشها لبنان، ولا فى نُذُر الإحماء والخشونة بين واشنطن وبغداد، كما تبدو الأجواء أكثر استقرارا فى الفضاء الليبى، وأن السنتين الأخيرتين أنتجتا لُغة فعّالة فى التواصل وتقريب الرؤى؛ انعكست على تفسير المُعقّد وتوضيح الغامض، وعلى تذويب الحساسيات القديمة، وإعلاء المُتّفق فيه فوق المُختَلَف عليه، على أن يتكفّل الأول بتضييق هامش الثانى وصولاً إلى جَبره وسد ثغراته تماما.
لا يصح أن تُؤخَذ أمور السياسة بالهوى، بل لا يُمكن أن تؤخَذ به أصلاً، والحقائق تُظهّر نفسها طال الوقت أم قَصُر. مصر عمود الخيمة العربية؛ سواء كانت بمُفردها قديمًا أم تشاركت الأدوار مع قوى بازغة حديثا. وتركيا بلد كبير ومهم، واللقاء مفيد للطرفين إن أرادا عن سِعة، وإلزامى لهما معًا فى أوقات الضيق، ليس لأن نزاعات الكبار تجعل كل واحدٍ منهما مُعطّلاً للآخر فحسب؛ إنما لأن ما يفعلانه معًا لا يقدر أحدهما على إنجازه بمفرده، مهما ادّعى.
وثالث الأضلاع الكبرى للإقليم فى فارس، لتكتمل تركيبة القوى الثلاثة المُستندة إلى ثِقَل جغرافى وديموغرافى، مع إرث حضارى، وقدر من الاستقرار أو قابلية صناعته. وإذا كانت الجمهورية الإسلامية قد أخطأت فى السابق؛ فالخطأ بحدّ ذاته لا يُقلّص حجمها ولا ينفى أهميتها، كما لا يُغيّر من حقيقة أنها شريك مهم، وازن، ويضر الشركاء المُحيطين به أن يضعُف أو ينكسر، بأضعاف ما كان يضرهم أن يستقوى أو ينفلت. بمعنى أنها خطر فى سالف المُمارسات، وأخطر لو أُبعِدت تماما، أو فُكِّكت عناصر قوّتها، وأُدخِلَت قهرًا فى دورة زمنية طويلة مع السيولة أو الانحسار والتآكل البطىء.
ويتأكد ذلك من مواقف المحيط الواسع، وكل أطرافه تعرضوا لتأثير مُباشر من سلوكيات محور المُمانعة ونظرية تصدير الثورة. تجاوزت مصر إحن الماضى مع طهران، ونشطت على أكثر من صعيد لتحسين العلاقات، والتوسُّط فى الملفات المُعقدة، كما جرى فى اتفاق القاهرة الذى جمعها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية قبل أربعة أشهر، وما يجرى حاليًا بشأن المشروع النووى وفتح قنوات الاتصال مع الإدارة الأمريكية. وتركيا كذلك رغم سابق المناوشات فى سوريا والعراق وغيرهما، ودول الخليج تضغط بقوّة لإبعاد شبح الحرب، رغم ما مسّها طويلاً من الشيعية المُسلّحة وميليشياتها الرديفة.
الاتفاق فى غزة يرعاه الأمريكيون ويضمنونه؛ إلا أنه يستند بدرجة لا تقل أهمية عن دور واشنطن، إلى حضور القاهرة وأنقرة فيه. الأولى بالجوار والأثر السياسى المباشر وتوازناتها القائمة مع إسرائيل، والثانية بوزنها الإقليمى وعلاقتها بالفصائل الفلسطينية وتحديدًا حركة حماس.
وكلتهما حاضرة فى الصومال، وفى ليبيا، ولهما معًا ثابتة موقف صريح إزاء تداعيات الاشتباك الذى يقترب من إنهاء عامه الثالث فى السودان. وإذا كانت تل أبيب ماطلت كثيرا فى فتح معبر رفح، والإقرار بالرؤية المصرية للتعافى وإعادة الإعمار، فإنها ترفض أى حضور تركى بين قوّة الاستقرار الدولية.
ما يجعل العمل مع ترامب على هذا المحور مُهمًّا كما كان فى نقطة الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق، بمعنى أن نتنياهو أُجبِر على ما كان يرفضه، وتكرار الإجبار بالشراكة التركية فى القوات المُزمَع نشرها، سيُعزز جهود إنهاء الحرب وتثبيت مسار الخروج من الأزمة، وتمكين لجنة التكنوقراط من أداء مهامها، مع تمهيد أرضية لإطلاق عملية تنتهى بعودة السلطة الوطنية؛ ولو ظل الاحتلال على تصلّبه ودعاياته الصاخبة.
الجسر الذى يتوطّد يومًا بعد آخر بين العاصمتين، يُعزّز أدوار مصر وتركيا معًا، ويستفيد من طاقاتهما الكبيرة، ويُقوّى كل واحدة منهما فى مجالها الحيوى؛ لتنعكس قواهما الثنائية على المجالات المتقاطعة فيما بينهما. الأولى مُنحازة إلى الشرعية والدولة الوطنية فى السودان، والثانية ترعى عملية الانتقال وإعادة بناء سوريا الجديدة ما بعد نظام الأسد وإرث البعث، وهما معًا على أرضية واحدة فى الصومال، ويقتربان حثيثا فى ليبيا، ولا تختلف أفكارهما بشأن العراق ولبنان وتخليصهما من تداعيات الماضى الثقيل، ومع شركاء الخليج تتعاظم القوّة الشاملة، ماديا ومعنويا وفى إطار تشبيك المنطقة ببعضها، لتثبيت مصالحها وفق الحد الأدنى من التوافقات، والتفاوض بها كيانًا واحدًا ضمن رؤية تُغلّب المُشتركات على التباينات.
تسعى تركيا إلى أن تكون عضوًا ثالثا فى اتفاقية الدفاع السعودية الباكستانية. وتحافظ مصر على قدر من التوازن الخلّاق، والثلاثة لها اتصال وثيق بالإدارة الأمريكية الحالية، ومواقف صلبة بشأن قضايا المنطقة الحيوية. وما بينهما من انسجام ولُغة سياسية ناضجة، يُؤشّر بوضوح على استشعارها جميعًا لحساسية اللحظة الحالية، واشتباكها مع العناوين الملغومة بسِعَة وأريحية يعلو فيهما منسوب الاطمئنان، وتكامُل تفرضه اللحظة، ويغتنى فيه كل طرفٍ بما لدى الآخر، ويُغنيه بالدرجة نفسها.
لن تنتهى الخلافات قطعًا، وهى من طبائع الأمور بين البلاد والعباد، ولكل طرف مصالحه التى قد تفترق أو تتفق مع سواه؛ غير أن الأولويات فعل فعلها؛ فتُقدّم وتُؤخّر فى الموضوعات بحسب الظرف والمُقتضى. والرُّشد الذى تحلّت به مصر فى سنواتها الأخيرة، يُطلّ فى كل ملفّ على وقته المطلوب والمناسب تماما؛ لأنها قبضت على زمام العقلانية والدبلوماسية ولُغة لسياسة المنضبطة، وتركت أبوابها مُشرعة للجميع، ولم تسمح لأية أزمة بأن تُعكّر ماءها مع الجوار القريب أو البعيد، فظلّت المُرتكز الذى تنبنى عليه التوافقات، ما جعل ترميم علاقاتها مع تركيا مُقدّمة لانفتاح الأخيرة على الخليج، وكفاءة تحرّكاتها تجاه إيران رافعةً تأسّس عليها التقارُب أو تجميد الصراع مع جوارها العربى.
التوازن سؤال الساعة وامتحانها، بين المُنافسة الشريفة والواجبة، ورعاية الثوابت والمركزيات التى لا ينبغى إغفالها أو التهاون إزاء تهديدها. والكبار فى المنطقة يتصدّون لغائلة الهمجية الإسرائيلية، ومساعى نتنياهو لإعادة ترسيم الخرائط والتوازنات الجيوسياسية. فلسطين عُقدة اتزان واستقرار، ولبنان وسوريا يجب ألا يكونا مطمعًا أو وليمة على الطاولة، وإيران عضو فى الأسرة الإقليمية، يحتاج للتقويم والإنقاذ معًا. ثم يتنافس المتنافسون على ما فى وسعهم من طموحات اقتصادية واستثمارية لا تُخلّ بالمعادلة ولا تُمكِّن الطامعين من ثغرة تُوصِلهم إلى أطماعهم.
زيارة أردوغان مهمة شكلاً؛ لأنها تُعزز جهود التلاقى بين بلدين كبيرين فى المنطقة. تُرسّخ فكرة الاحترام المُتبادَل، والشراكة المُثمرة للبلدين. ومُهمّة فى المضمون؛ لأنها تُخطر مَن يهمّه الأمر بأن مصر وتركيا تجاوزتا الماضى، ومُنخرطتان فى الحاضر بوعى وتعمُّق، ولهما حقوق يُدافعان عنها، وعليهما واجبات لن يُفرّطا فيها. وتدان راسخان فى الأرض؛ وبهما تنشد أحبالها، وتنجو خيمة الإقليم من العاصمة، أما داخلها فلنتفق ونختلف ونتحاور ونتسابق كيفما نشاء؛ إنما على ثوابت راسخة، وفى خرائط مُستقرّة ولها ملامح واضحة.