لا تدل المقدمات بالضرورة على نتائجها من أول وهلة؛ وإن كانت تُلوّح بها من بعيد. فى الطريق بينهما تتبدّل الأحوال، وتتولّد عن التعديلات الطفيفة انحرافات كُبرى. وذات صباح، لم يدُر فى خلد رجل يستقر فى أنفاق القطاع، أنه سيكون سببا فى قلبه رأسا على عقب، وإخراج أحشائه بمَن فيها إلى سطح المأساة. كما لم يُحدّث نتنياهو نفسه يومًا طوال السنتين الماضيتين؛ بأنه قد يُضطَرّ إلى ما سار باتجاهه الآن.
فُتِح معبر رفح من الاتجاهين. فى ظاهر الصورة خطّة ترامب ذات البنود العشرين، وفى الجوهر رؤية مصر التى وقفت حارسًا على خطّ الحدود. وكما أخفقت حماس فى تحقيق أهدافها من الطوفان، أخفق الاحتلال عمليًّا فى تحويله إلى انتكاسة استراتيجية، وبدا أن الدراما تسير على سكّة ثالثة، لا تمنح القوى منهما نصرا حاسما، ولا تقضى على الضعيف بما يمس عصب القضية ويُخرجها من مجال النظر تماما.
وليس من الشوفينية إطلاقًا أن تُرَدّ الحقوق إلى أهلها، ويُثبَت للقاهرة ما أحرزته بجهد مُضنٍ وعمل دؤوب، وصلابة سياسية ودبلوماسية عزّ نظيرها، لا سيما فى أوقات الأزمات والمخاطر الداهمة، وتحت ستار كثيف من انحياز الغرب وارتجاف الشرق، وبينهما طيف من الجانبين اختار أن يُمسك العصا من خاصرتها؛ فوطّد بحياده الرمادى اختلال المُعادلات، بدلاً من جَبرها، أو ترجيح كفة الحق فيها على الباطل.
وللتذكرة فحسب؛ كانت مصر سبّاقة إلى إثارة عنوان التهجير وتصفية القضية، والنظر إلى الاشتباك الطارئ فجر السابع من أكتوبر برؤية شمولية واسعة، وضعت الإنسانى مع السياسى والأمنى على قدم المساواة، واستدعت القانون والثوابت التاريخية مُبكّرًا، قبل أن يفرُك الآخرون عيونهم ليروا ويستوعبوا ما يقع فى غزة.
أشهرت قمة القاهرة للسلام ورقة «حل الدولتين» منذ اللحظة الأولى، ومارست فى الكواليس ضغوطًا مُنتظمة ومُتصاعدة لأجل المساعدات، وكان محورها معبر رفح. إذ بدأت إسرائيل بالتصويب المتكرر عليه، وتدمير بوابته الثانية على الناحية الفلسطينية، وصولاً إلى احتلاله بالكُليّة وفرض ولايتها عليه مع اجتياح جنوب القطاع، بعد نحو تسعة أشهر تقريبًا من اندلاع الحرب.
عاد المعبر منصّة لاستعراض القوّة، وكانت الحركة قد سبقت الاحتلال إلى منحه تلك الوظيفة قبل أكثر من خمس عشرة سنة، وتحديدًا منذ الانقلاب على السلطة الوطنية والانفراد بحُكم القطاع فى العام 2007. جرّدته من وجود الشرعية الفلسطينية، وحُيِّد الأوروبيون بالتبعية، وما كان مَحميًّا بـ«اتفاق المعابر» ومشمولاً بإطار دولى، حُسِبَ على الفصائل المُسلّحة، وعُدّ ضمن عتادها وعنصر قوتها. أُغلِق وقتها، ولم تكن الحكومة الجديدة فى حاجة إليه؛ لاحتيالها على الجغرافيا من مسرب بديل.
والاستعادة المُوجزة لجذور الحكاية؛ إنما غرضها الإشارة إلى أن البوابة المفتوحة على سيناء كانت موضوعا للنزاع منذ سنوات، ولم تكُن مصر طرفًا فيه بحالٍ؛ لأن صيغة تشغيله بعد فك الارتباط جرت بتوافقات مع رام الله والوسيط الأوروبى، وانقلاب الحماسيين والإسرائيليين عليها أُدير بحسابات خاصة لكل منهما، وتدميره فى العدوان كان مُوجّهًا إلى الفصائل بالأساس، أما تشغيله اليوم فناتج عن إمساك مصر بخيوط التسوية، وعن استدعاء الممثل الوحيد للقضية مُجدّدًا؛ وإن من وراء ستار.
وآلية العمل لا تخرج عن ترتيبات 2005؛ إذ يحلّ الطرف الأوروبى شريكًا فيها ومُراقبًا، وتُدار بالأصالة من جانب مصر فى ناحيتها، ومن عناصر تابعة للسلطة الفلسطينية على الناحية الأخرى. وكل ما يُقال عن أنف تل أبيب المُندسّة فيها، أو عن اختراعها بوابةً ثالثة ونقطة تفتيش وراء الشريط الحدودى، ناشئ عن هيمنتها على نصف القطاع أو يزيد، وليس إقرارا لها بأى حق فى أن تكون طرفًا ضمن منظومة إدارة المعبر.
يعرف نتنياهو أنه انتقل من سياق الانفلات وإطلاق السراح، إلى حالة يبدو فيها مُسيَّرًا ومحدود الخيارات. وبمنطوقه المتواتر مئات المرات؛ ما كان يترك هامشًا للكلام أصلاً فى وقف إطلاق النار قبل إفناء حماس، ولا لفتح المعبر بعيدًا من الهيمنة العسكرية الكاملة عليه وعلى غزة. طرح فكرة تشغيله فى اتجاه واحد؛ فرفضتها مصر، وأذاع على سبيل التبرير أنه يحتفظ بسلطة الرقابة والموافقة على العابرين، وبميزان يقيس عليه الداخلين والخارجين، بحيث تظل الكفّة مائلة بفارق واضح دومًا لجهة الخروج لا العودة.
والحال؛ أن الخطوة أقرب إلى فتح ثقب فى جدار صلب، والرهان على الأيام فى توسعته. مسار طويل، والحادث فيه حتى الآن ليس إلا بداية لرحلة شاقة. يُكسَر الحصار الخانق أوّلاً، ثم تدخل لجنة التكنوقراط للإمساك بمهام الإدارة التنفيذية، وتتشكّل قوّة الاستقرار الدولية وتنتشر، وبعدها تُحسَم مسائل الأمن والسلاح وغيرها من الموضوعات، رفقة البحث فى تدفيع الخطة الترامبية إلى الأمام، وفى مُقدّم أهدافها أن يتقهقر الاحتلال للوراء، وصولاً إلى الخروج من القطاع والتمركز عند حدود المنطقة العازلة.
والرؤية المصرية التى لم تُفرِّط فى حرف من ثوابتها تحت النار، وفى أقصى حالات الانسداد التى يتضاءل إزاءها ما نُعاينه الآن؛ لن تقبل فى السعة بما رفضته وقت الضيق، ولن تُمرِّر بالتسوية السياسية ما تعذّر على الصهاينة بالآلة الحربية المُتوحّشة. وتستند فى ذلك إلى موقف مبدئى لا مُفاصَلة فيه، وإلى اعتبارات تمس أمنها القومى مباشرة، فضلاً على طُول النفس وصِدقية الرهان على أن الخرائط تتسع أو تضيق بمقدار عزم ساكنيها، وما يبدأ صغيرًا سيكبر حتمًا؛ بينما لا أمل له لو لم يُولَد من الأساس.
والخلاصة بإيجاز؛ أن وقف المقتلة مكسب كبير فى حد ذاته، وتأهيل البيئة الغزّية للتعافى واستطلاع خُطاها على طريق الإعمار، أهم ما تحتاجه ويُمكن أن يُقدَّم إليها اليوم. بقاء الحرب ولو بوتيرة خفيضة، أو تجميد الأوضاع عند حَدٍّ لا يُبدِّد اليأس ولا يجِدّ فى زراعة الأمل، هو مِمّا يُحبّه المتطرفون فى تل أبيب ويسعون إليه، ولا يربح منه سواهم، بالرغم من أنهم لا يطمئنون إلى مُرادهم فيه، وبالتبعية يوقنون من أنه لا مُتّسع لنواياهم مع أى تعديل أو تبديل، مهما كان طفيفا فى مُبتداه، شكلاً أو مضمونا.
أمّا أن يستفيض زعيم الليكود فى الحديث عن استحداث مانع أمنى وراء المعبر، والتشدُّد فى مُعادلة حسابية تُنتج مقاصّة سالبة بين العائدين والفارّين؛ فإنه فى الغالب مُجرد كلام لأغراض دعائية داخلية، فضلاً على تأكيد انعدام ثقته فى حصيلة الحرب الإبادية الطويلة؛ إذ لو كان واثقًا من أنه كفّر الغزيين ببيئتهم وحقوقهم، لاطمأن إلى غلبة الهجرة على الرجوع، وما احتاج إلى البحث فى الأرقام من الأساس.
والارتياب مُتسلّط عليه؛ حدّ أنه يأخذه إلى جدالات شكلانية باهتة، وتُعبّر عن هشاشة بنيوية بأكثر مِمّا تدل على صلابة واقتدار. وآخرها تعبيره عن الامتعاض من شعار اللجنة الوطنية لإدارة غزة، وقد اتخذت من نسر صلاح الدين رمزًا بصريًا، تتوسطه ألوان العلم الفلسطينى الأربعة، ودونه الحروف الأولى من اسمها بالإنجليزية، ثم المُسمّى كاملا باللغتين. عادًّا أنه مُحاكاة لشعار السلطة، وإشارة تنُمّ عن دور لها فى المرحلة الانتقالية، أو تمهيد لحلولها فيما بعد الانتقال، وأنه لا يقبل هذا ولا ذاك.
وعلى الأرض؛ فإن رام الله غير غائبة أصلاً. رجالها فى المعبر وإن بملابس مدنية، وبعض أعضاء لجنة التكنوقراط ينتمون إليها فكرًا ومُعتقدًا، وأغلب المُكوّن الأمنى المُقرر أن يندرج فى قوّة الشرطة الجديدة ينتسب إلى مرافقها ما قبل سيطرة حماس.
أما فى السيكولوجية والأهواء، فقد كان الصراع على غزّة بين تيّارين، أُزيح أحدهما بالانقلاب سابقًا، وعندما يُطاح المُنقلِب فلا بديل عن عودة الأمور إلى أصلها، لأنه لا فراغ فى الجغرافيا والسياسة والقضايا الوجودية، وتفكيك القوة الدافعة للانقسام، لا يُولِّد مزيدًا منه بالضرورة؛ بل يُلجئ الباقين إلى الاحتماء ببعضهم كطوق نجاة لا بديل عنه للجميع.
والعُقدة جليّة فى الخاص والعام معًا؛ ذلك أن الصراع مع الاحتلال أبدىّ لا فكاك منه إلا بالتحرُّر، وهو بعيد على ما يبدو، والطريق إليه تمرُّ وجوبًا من التضامّ واستعادة أصل الحكاية على وجهها القويم. ويغلب على نتنياهو أنه أعدّ برنامجه التصفوى بمنطق سطحى بسيط: إبعاد السلطة لصالح حماس، ثم عندما تختفى الأخيرة يصير مجالها الحيوى خلوًا من أية قوّة دافعة. ما يضع ميزان الأمور راهنًا فى قبضة الحركة، لا باعتبارها قادرة على الصمود أو خوض جولة تالية؛ بل بمدى ما تتحلّى به من شجاعة الانصراف العاقل، لصالح بديل أكثر كفاءة وفاعلية.
كان الاشتباك فيما مضى مع الاحتلال فى معناه الأوّل، أى الاختصام على الأرض والتوازنات وحدود المُساكنة والتعايش. أمّا بعد الطوفان فقد تحوّل إلى صدام مع غريم آخر، ناشئ عن الأول ومُوجّه من خلاله، لكنه أكثر شراسة وصفرية من الصيغ المُعتادة سابقا. صارت الأزمة مع الإلغاء، أى بين الوجود والعدم.
مقاومة التركيبة المعهودة كانت تكفيها البندقية، وخفّة الحركة بين كرٍّ وفرٍّ، واحتراب أو تسويات مُتقطّعة، أما المُستحدَث فلا قيمة فيه للسلاح والشعارات؛ بل للحياة، والتسبّث بالتراب، والقدرة على حراسة موضع القدم.
وعليه؛ ارتدّ النضال إلى نقطة أوّلية عن طموحات الاستقلال وانتزاع الدولة؛ لكنها أكثر أهمية فى مداها الزمنى المفروض على الغزيين قهرًا. إذ لا سبيل إلى الدولة دون أرض وبشر، وكلاهما صار مُهدّدًا بالتخريب والتيئيس والاشتغال الدؤوب على الهندسة المكانية والإزاحة الديموغرافية. والفصائل المُسلّحة أصحت عاجزة عن إحراز مكتسبات ميدانية، وحتى عن الإزعاج المُجرّد من دون طائل ملموس، وسلاحها أقرب إلى قيدٍ يُكبّلها ويُرهق بيئتها ومناط وجودها أصلاً، ما يجعل من منطقها القديم مُعاونة للمحتل لا مُقاومة للاحتلال.
الصامدون الجوعى أكثر صدقًا وفاعلية فى المقاومة من المقاتلين الذين لم يستوعبوا حقائق الميدان بعد. فتح المعبر عملية نضالية أرفع من مُراكمة السلاح، واللجنة الوطنية الانتقالية أقيم وأنفع من القسّام وكل الكتائب الرديفة. يُمكن أن تتعدّل الأوضاع مُستقبلاً، وأن يفرض السلاح نفسه على سطح الأحداث فى مُقبل السنوات، وبحسب الظروف والتداعيات؛ لكنه اليوم حجر مربوط إلى بطن الغريق.
يصح القول إن عامة الغزيين، ومعهم الحاضنة العربية الوازنة، وفى طليعتها الدولة المصرية بسَبقٍ وقيادة عن جدارة، نجحوا فى إحباط مُخطط التهجير؛ لكنها موجة واحدة تكسّرت على صخرة المبدأ العنيد، وستتبعها موجات من دون شَكّ، وحسابات الإقليم مُرتبكة ومُتداخلة، ويُعاد تشكيله جيوسياسيًّا بفائض أطماع الصهاينة، وفوائض غباء المُمانعة رأسًا وأطرافًا.
وفى سياق كهذا؛ لا تتوافر رفاهية التلكؤ والرهان على الوقت، لأنه لا مكان فى جسد القطاع يخلو من طعنة، أو يقدر على استقبال المزيد. المقاومة فعل حياة بالأساس، تُطلَب بالدم حينًا، ويكون الصمت والتعقل أثمن أدواتها أحيانا.
السيناريوهات البديلة كلها سيئة. أن تتجدّد الحرب، أو تتجمد الخرائط على حال الخراب الراهنة. أو يُنتَقى من خطة ترامب بندٌ وتُفوّت بنود. كلها تضر القضية وتخدم عدوّها الأوحد، سواء بقيت حماس كتلة واحدة، أو تحوّلت إلى شراذم وذئاب منفردة، ومسلّحة أو عزلاء لا فارق بين الأمرين.
رُسِمَت الطريق باتجاه واحدٍ إجبارى منذ رصاصة الطوفان الأولى، والبديل عن اتّباع الإرشادات أن تتعطل العربة أو تنحرف لتتردّى من حالق أو تسحقها مُجنزرات الصهاينة التى تُلاحقها وستظل.
كُوّة فى الجدار. طاقة نور، وإدارة جديدة، وبداية تأهيل وإعادة تطبيع للحياة فى القطاع. سيُماطل الاحتلال ويُناور، وسيسعى إلى تأخير انسحابه بكل الصوّر، وقد يصطنع حوادث وادعاءات للإغارة واستحثاث الفصائل على إهدائه ذريعة جديدة للحرب؛ لكن المُلتفت لا يصل، ورفاهية التشتُّت غادرت غزة منذ سنتين على الأقل.
التعافى فالإعمار وتثبيت لجنة التكنوقراط مع جهازها الأمنى، مع الرهان على قوّة الاستقرار أن تكون عازلاً ومنصة لتدويل الأزمة، واستغلال التفاهمات القوية للوسطاء مع واشنطن فى تمرير أجندتها المُتّفق عليها، وتوظيفها لترويض نتنياهو وتطلّعاته، ليكون الوقت وقودًا للإقلاع من الخراب، لا مصيدة لاعتياده وتأبيد مشاعر اليأس وانعدام الفرص والآمال.
تنفخ تل أبيب فى النار لاختراع مواجهة مع إيران، وما زال البيت الأبيض فى نطاق المُراوحة والتردد بين الاحتمالات، وقد أسفرت جهود القاهرة وأنقرة والدوحة عن لقاء تفاوضى مُرتَقب يوم الجمعة. قد تنجح المحاولة، أو تركب طهران رأسها، ويُعاجلها ترامب بالبديل الأسوأ.
إنما الفكرة أن مجال التداول مُتاح نسبيًّا، وفى حال غزّة لن تمرّ خطة نتنياهو إلا من قناة حماس، ولو فوّتت الأخيرة الفرصة عليه، فقد ترتدّ كُلفة التبعات كلها على ائتلاف الحُكم فى بيئته الداخلية، ويكون التغيير داخل إسرائيل أسبق من كل نيّة مُبيّتة للخارج.
محاولة محفوفة بالمخاطر، ومفتوحة على كل الاحتمالات؛ إنما لا بديل عنها ولا مفرّ من اغتنامها، والاجتهاد فيها إلى آخر مدى مُمكن. تضرّرت غزّة بالسلاح كما لم يحدث لها فى كل العقود السابقة، ولن تضرّها السياسة بأكثر مِمّا هى عليه، فضلا على أنه لا خيار آخر للأسف.